الغد
هآرتس
اهود أولمرت
يجب أن تمضي الحرب ضد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية قدماً وأن تنفذ بحزم أكبر. لم يعد من الممكن قبول الإرهاب اليومي الذي تشنه وتوجهه وتشجعه وتدعمه الحكومة الإسرائيلية. ما يحدث في هذه الأثناء في كل أرجاء الضفة الغربية ليس من فعل "70 مجرماً مراهقاً"، مثلما حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بتهور، الادعاء. أيضاً هذه الجرائم لا ترتكبها أقلية صغيرة استثنائية من سكان المستوطنات في المناطق المحتلة، مثلما يدعي بعض شركائهم من قادة المستوطنين.
اليوم لا يمكننا إلا القول، دون أن يكون لدينا خيار آخر، أن دولة إسرائيل تقوم بشن حملة تطهير عرقي منظمة وممولة، وتنفذ جريمة ضد الإنسانية، ليس في قطاع غزة، أو في جنوب لبنان أو في سورية، بل في مناطق الضفة الغربية التي تخضع لسلطة الدولة الأمنية المطلقة وأجهزتها الأمنية والقانونية.
يقود هذه الحملة رئيس الحكومة ومعه وزير الدفاع يسرائيل كاتس والوزراء الآخرون بالطبع. إن الدافع من وراء هذه الأعمال الإرهابية هو نتيجة تصريحات وأفعال وزراء معروفين، يسعون إلى ضم كل الأراضي الفلسطينية بالكامل، دون إبقاء السكان الفلسطينيين فيها. وأقصد بالتحديد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وكل الوزراء الآخرين الذين يدعمون بتصريحاتهم وأفعالهم وبقرارات الحكومة، ما يرسي واقعاً ملموساً يتمثل بطرد السكان الفلسطينيين.
هذه أمور صعبة. لم يسبق أن قيلت مثل هذه الأمور الخطيرة عن حكومة إسرائيلية وعن جهاز الأمن بكل فروعه، وبالتأكيد ليس من شخص كان يتحمل في الماضي المسؤولية الكاملة عن أمن إسرائيل. مع ذلك، بعد فترة طويلة ومؤلمة من كتمان الحقائق، لا مفر من قول هذه الأمور بكل فظاعتها.
لا شيء يبرر غض النظر عما نشاهده كل يوم في القرى الفلسطينية في المناطق المحتلة: مذابح، أذى جسدي للأطفال والكبار داخل البيوت وخارجها، إحراق الحقول والممتلكات، سرقة واسعة، لا سيما للقطعان والأغنام التي تعتبر مصدر الرزق لكثير من السكان. من المستحيل الوقوف في وجه كل ذلك باستسلام متراخٍ أو بغفران مطلق أو عزوف عن مواجهة من يرتكبون الجرائم ومؤيديهم وقادتهم. في السنتين الأخيرتين وجهت اتهامات لدولة إسرائيل في كل محفل تقريباً في العالم، بما في ذلك في دول صديقة وقفت إلى جانبها لسنوات في صراعاتها وفي أوقات الشدة والأزمات، بأنها ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة. لقد قلت في كل مناسبة ممكنة أن دولة إسرائيل لم ترتكب ولم تكن تنوي ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.
في الواقع شنت إسرائيل الحرب أيضاً (في أعقاب المذبحة الفظيعة في 7 أكتوبر التي نفذتها حماس)، وأحياناً أثناء ارتكابها أفعالاً لا يمكن إنكار أنها توصف بجرائم حرب. نعرف جميعنا أن هذا حدث، حتى لو امتنعنا عن الاعتراف بذلك. ولكن الحكومة لم تنتهج سياسة الإبادة الجماعية، ولم تقدم أي دعم متعمد ومنظم لأفعال ينطبق عليها التعريف القانوني للإبادة الجماعية.
في مناسبات كثيرة، بما في ذلك في "هآرتس"، اعترفت بارتكاب جرائم حرب، وكانت وسائل الإعلام العالمية تتوق لسماع اعتراف مني أو اتهام بأن الحكومة مسؤولة عن هذه الجرائم وأنه يتم تنفيذها بمعرفة وموافقة قادتها. أنا اعترضت على هذا التفسير ولم أندم على ذلك. أعرف أن كثيرين من الذين شاركوا في الحرب في قطاع غزة وفي بعض مظاهرها القاسية والوحشية، يعانون من تأنيب الضمير بسبب أفعال يتحملون هم أو وحداتهم المسؤولية عنها. يشعر عدد غير قليل من الطيارين بشعور صعب، حيث يجدون صعوبة كبيرة في تقبل ما قاموا به، وتقبل قتل الأبرياء الذي تسببوا فيه. وقد سمعت ذلك منهم.
مع ذلك، مقاتلو القوات الجوية، مثل مقاتلي المدفعية والمدرعات والقوات البرية، لم يكونوا هم الذين أصدروا الأوامر أو حددوا الأهداف لتدميرها أو قتلوا أبرياء بأعداد كبيرة. هم حصلوا على الأوامر، وقد كانت هذه الأوامر أحياناً متسرعة وغير مسؤولة، وفي حالات كثيرة دون فحص دقيق لاحتمالية سقوط الكثير من الأبرياء كضحايا لهذه الهجمات. ولكن لم يكن هناك أي قرار واعٍ أو سياسة متعمدة، سواء من جانب الحكومة أو من جانب أي عضو فيها، أعطت الضوء الأخضر لعمل نتج عنه عمليات قتل جماعي.
لذلك، حتى لو حدثت جرائم لا يمكن تجاهلها أو نفيها في قطاع غزة أثناء القتال، فإنه لم تكن هناك سياسة محددة من قبل الحكومة، وبالتالي، لم يكن هناك مبرر لإصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الحكومة أو وزير الدفاع أو أي قائد كبير في الجيش. هذا ما كنت أعتقده في حينه وما زلت أعتقده الآن.
لا ينطبق هذا على ما يحدث في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، لا سيما في الأشهر الأخيرة. هنا لا أتردد في اتهام الحكومة مباشرة بالمسؤولية المباشرة والفورية عن جرائم الحرب والتطهير العرقي التي تنفذ ضد مئات آلاف السكان الفلسطينيين، الذين ليس لهم صلة بالإرهاب، بشكل مباشر أو غير مباشر. ما كان لآلاف المستوطنين المتورطين في تنفيذ هذه الجرائم أن ينفذوها لو أنهم لم يحصلوا على المساعدة والدعم والحماية والتمويل من المسؤولين في الحكومة الحالية. هذه الجرائم التي تشمل أيضاً تحرشاً جنسياً خطيراً (حتى لو يكن بالضبط مثلما نشر في "نيويورك تايمز")، لم تكن سترتكب لولا تواطؤ منفذيها الذين عملوا تحت مظلة الدعم الذي قدم لهم في كل مراحل أفعالهم.
إن الشرطة الإسرائيلية متواطئة في الواقع فيما يحدث في المناطق الفلسطينية، فهي لا تحاول منع هذه الأفعال، مع أن هذا هو واجبها ودورها. بل إن قوات الأمن في أحيان كثيرة تقدم الدعم الفعلي للإرهابيين اليهود وتقوم باعتقال، بشكل مريب، الفلسطينيين، ضحايا الجرائم، وليس من ينفذونها.
هناك حالات كثيرة تورط فيها جنود في الخدمة النظامية وفي الاحتياط في مواجهات واعتداءات ضد الفلسطينيين، وبعد ذلك يصدر المتحدث باسم الجيش بياناً بأن هذه الأحداث لا تتوافق مع قيم الجيش وسياسته، لكن هذا كلام فارغ. فالحقيقة هي أن الجنود في أماكن متفرقة يشاركون في أعمال عنف تصل أحياناً إلى درجة قتل السكان الفلسطينيين.
لا يمكن تجاهل إخفاقات جهاز الشاباك في منع الجرائم الإرهابية اليهودية والكشف عن منفذيها. الشاباك، مثل الجيش الإسرائيلي، عزيز علي. أنا عملت لسنوات كثيرة بالتعاون مع مقاتليه وقادته في مناصب مختلفة شغلتها في السابق. أنا أعرف تفانيهم وشجاعتهم وبطولتهم وقيمهم، وأدرك تماماً قدراتهم وإنجازاتهم. لا يمكن تفسير تقاعس جهاز الأمن عن اتخاذ الخطوات التي يمكنه اتخاذها، والتي يمتلك المؤهلات والصلاحيات المطلوبة لها، لمنع الإرهاب اليهودي المتفشي في المناطق الفلسطينية المحتلة. لا يوجد أي مبرر لإعفاء الشاباك من المسؤولية عن منع هذا الإرهاب. الشاباك مسؤول عن منع الإرهاب.
لم تبدأ إخفاقات الشاباك في التعامل مع الإرهاب اليهودي في فترة تولي رئيسه الحالي منصبه فقط، والقصد هنا ليس تحميله المسؤولية استناداً إلى النقاش المشروع الذي جرى عن تعيينه. بل إن هذه الإخفاقات مستمرة منذ زمن، ولا يوجد مبرر لغض النظر عنها.
يقع على عاتق جهاز إنفاذ القانون الإسرائيلي واجب اتخاذ الخطوات المطلوبة لوقف ما يفعله اليهود في المناطق. ولكن في ظل اليقين بأن الحكومة لن تتخذ أي خطوة وأن وزير الدفاع سيستمر في رفض إصدار أوامر اعتقال إداري بحق اليهود، وأن الشرطة ستواصل التعاون مع منفذي الإرهاب، وأن الجيش سيستمر في غض النظر دون أن يسلك أحد المسار القانوني المخصص له، فإن هناك احتمالية كبيرة في أن يبدأ المجتمع الدولي بالتحرك بحزم ضد الأفراد والمنظمات والحكومة، المسؤولين عن هذه الجرائم.
ستبذل الإدارة الأميركية والحكومات في أوروبا، بالتنسيق مع أجهزة التحقيق والتنفيذ، كل ما تمتنع عنه سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية لمنع استمرار الإرهاب الذي تسمح به دولة إسرائيل في المناطق التي تخضع لسيطرتها ومسؤوليتها. ومن المرجح أن تتخذ محكمة الجنايات الدولية في لاهاي خطوات أكثر حزماً وأكثر دقة ضد القادة والإرهابيين الذين تم التعرف على كثيرين منهم، للمساعدة في وقف هذه الجرائم.
أما ردة الفعل التلقائية للإرهابيين ومؤيديهم، وعدد غير قليل من المواطنين الأبرياء الشرفاء بيننا، هي أن أي تعبير عن معارضة أو إزعاج للإسرائيليين اليهود، بما في ذلك المؤسسات في كل أرجاء العالم، هو تعبير عن اللاسامية. في الواقع توجد معاداة السامية في مناطق مختلفة في أرجاء العالم، وقد كانت جزءاً من تاريخنا طوال حياتنا، بل هي ازدادت في السنوات الأخيرة. ولكن لا يمكن الدمج بينها وبين العداء والإدانة لما تفعله حكومة إسرائيل أو تقوله، أو ربط دولة إسرائيل بها.
هل يتخيل أي أحد أنه يمكن غض النظر عن كل الانتهاكات التي يقوم بها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، وتوقع أن يغض الناس في كل العالم النظر، الذين يشاهدون الدمار والكراهية والاضطهاد والحرائق والعنف الإسرائيلي، مثلما يفعل كثيرون منا هنا؟. لقد حان الوقت للتوقف عن التظاهر بالاستقامة والنفاق، ومحاربة الأعداء في الداخل.