"الإعلام الرقمي".. فضاء مرن يتطلع لمواكبة التطورات التكنولوجية والتشريعية
الغد-محمد الكيالي
في وقت أضحى فيه الإعلام الرقمي، يهيمن على المشهد الإعلامي المحلي والعالمي، ويعيد تشكيل مفاهيم الإعلام الجديد، فإن الحاجة لبلورة نظام تشريعي مرن، يؤسس له، ويبلور انشغالاته، في نطاق لا يمس حرية الإعلام كسلطة رابعة، برز دور هيئة الإعلام في إنتاج نظام، ينظم الإعلام، ويسهم بترسيخ بيئة إعلامية متطورة، تواكب التحولات المتسارعة لوسائط الاتصال الرقمية والإعلام الحديث وتشريعاته، أكد مختصون، أن النظام الذي أنهت الهيئة مسودته الأولى، هو نقلة نوعية تعنى بتطوير بيئة إعلامية حيوية تواكب العصر.
وفيما ستعرض المسودة على نقابة الصحفيين، وشركاء الهيئة، للمشاركة بمراجعته، ورؤية مدى توافقه مع واقع الإعلام الجديد في نطاقاته المتنوعة، بخاصة الرقمية، فإن المساعي حاليا تتجه، لأن يغدو نظاما قابلا للتطور، يلتزم بحرية الرأي والتعبير، وتنظيم العمل الإعلامي، بما يكرس إعلاما حرا وحيويا وفاعلا، قادرا على مواكبة ما يستجد من تطورات وتحديثات في القوانين والتشريعات، إلى جانب قدرته على مواكبة التطور التقني والفني لمقتضياته.
مراعاة التغذية الراجعة قبل اعتماده نهائياً
وفي هذا النطاق، بين مدير عام هيئة الإعلام بشير المومني، في تصريح لـ"الغد"، أن النسخة الأولى من النظام ستعرض على نقابة الصحفيين وشركاء الهيئة من مؤسسات ومرخصين ومتخصصين في التكنولوجيا والإعلام الرقمي، لاستقبال الملاحظات والاقتراحات، بهدف تحسينه قبل الشروع في الإجراءات الرسمية.
وأوضح المومني، أن المرحلة التالية من العمل على النظام، تتضمن تقديمه بعد إقراره إلى مجلس الوزراء، ثم إحالته إلى ديوان التشريع والرأي، ومن ثم ينشر لعموم الجهات المختصة والجمهور، لتلقي الآراء والتعليقات، ومراعاة التغذية الراجعة قبل اعتماده نهائياً.
أما المرحلة الثالثة فتركز على متابعة وتقييم عمله طوال عام ونصف العام، عقب نشره في الجريدة الرسمية وتطبيقه عملياً، وذلك بغرض رصد أي ملاحظات، أو تطورات تتطلب تحديثات أو تعديلات لضمان فعالية التنظيم وتطوره المستمر.
مظلة تشريعية لتطوير الإعلام
وأضاف المومني، أن النظام يهدف لتوفير مظلة تشريعية واضحة، تنظم العمل الإعلامي في الفضاء الرقمي وتسهم بتطويره، مضيفا أن ما يجري وضعه من قيود على النشر في العالم كله، يتصل بالإشاعات والأخبار الكاذبة والتزييف العميق وخطاب الكراهية، والخطاب العنيف والتحريض على الجريمة والعنف.
وتابع "لذلك، لا علاقة نهائيا بين ما يجري تداوله من أن وضع نظام لتنظيم مناخ إعلامي يواكب التطور التشريعي والتقني، قد يحد من الحريات وهو ما يثير حوله بعض التخوفات، وتنظيم بيئة إعلامية حيوية ورحبة، وذلك لأن النظام لا علاقة له بالأفراد بل بالأنشطة القطاعية، كالبث الإذاعي والتلفزيوني عبر الإنترنت".
وأوضح المومني، أن النظام رسّخ أخلاقيات استخدام التقنيات الرقمية، بخاصة الذكاء الاصطناعي، وضرورة ألا تنتهك خصوصية الأفراد والجمهور المتلقي أو المتفاعل مع الوسيلة الإعلامية الرقمية، وحق الجمهور في الإفصاح عن استعمال هذه الوسائل، مؤكدا "ضرورة ضمان حقوق الملكية الفكرية لحماية حقوق المرخص لهم أنفسهم من الانتهاك".
وتابع قائلا "عليه، يمكننا القول إن النظام جاء ليعزز حقوق الإنسان الرقمية، ويحمي الحريات الرقمية للجمهور والمرخص لهم من العبث على حد سواء، ويضمن عدم انتهاكها، وفي الوقت نفسه يعترف ويعزز الإبداع في الإعلام الرقمي".
وتتمثل أهمية النظام المستحدث، بحسبه، بمواكبة التطورات المتسارعة في قطاع الإعلام الرقمي، وضمان بيئة آمنة للمحتوى، تحترم التشريعات الوطنية والمعايير الدولية والممارسات الفضلى، ويرسخ الالتزام بالقواعد الأخلاقية عند توظيف الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة الضوابط العالمية لحماية الملكية الفكرية بحدود الاختصاص.
وقال "إن النظام في هذا الجانب، يشرعن ويعترف بوجود الأدوات الإعلامية الحديثة، ويمكن المؤسسات الإعلامية من استعمالها على نحو منظم، يمنع النزاعات بين العاملين في هذا المجال، ويحمي حقوقهم على نحو واضح ضمن أسس حديثة".
وبشأن الرسوم، أوضح المومني أن التوجه العام ينص على تخفيض الرسوم المفروضة على العاملين في المجال الرقمي للإذاعة والتلفزة، بحيث تكون أقل بكثير من رسوم التراخيص التقليدية، بحيث تصل إلى نصف قيمة الرخص القطاعية المشمولة بقانون المطبوعات والنشر، وإلى ربع قيمة الرخص القطاعية المشمولة بقانون الإعلام المرئي والمسموع، في حين أن بدل الخدمات سيكون رمزيًا.
وأكد أن النظام، جاء نتيجة جهد مكثف بذلته كوادر الهيئة في الأشهر الماضية، بالتعاون الوثيق مع الشركاء والمؤسسات المعنية، الذين شاركوا في اجتماعات استمرت لنحو عام. مضيفا أن الأردن سيكون من بين الدول الرائدة بإطلاق مثل هذا النظام.
نقلة نوعية لتطوير البيئة الإعلامية
المختص بالتشريعات الإعلامية والجرائم الإلكترونية د. أشرف الراعي، قال إن "نظام تنظيم الإعلام الرقمي، إذا ما طُبّق بشفافية ومهنية، فإنه سيحدث نقلة نوعية في مسار تطوير البيئة الإعلامية"، مضيفا أن النظام "قادر على دعم استقلالية وسائل الإعلام وتعزيز مصداقية المحتوى الرقمي، إذا جرى تصميمه وتنفيذه على نحو يصون التعددية الفكرية"، وأن نجاحه مرهون بكيفية تطبيقه.
وتابع الراعي، "نحن أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذج أردني متوازن، يراعي خصوصية المشهد الإعلامي الرقمي محليا، ويستجيب للمعايير الدولية بتنظيم الفضاء الإلكتروني، وهذا النموذج ينبغي أن يضع أطرا واضحة لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بإنتاج المحتوى وتوزيعه، ويضمن حماية حقوق الملكية الفكرية، وتوفير آليات شفافة للمراجعة والتحديث المستمرين، بحيث تبقى القوانين مواكبة للتطور التكنولوجي السريع".
وأكد الراعي أن التحوّل الرقمي المتسارع وتنامي التحديات المرتبطة بالإشاعات والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية، تفرض وجود إطار تشريعي مرن وشفاف يشمل التحفيز على الإبداع والابتكار الإعلامي، ويمنح الجمهور الحق في الوصول للمعلومات الموثوقة، لافتا إلى أن القضية ليست بتقييد النشر، بل برفع مستوى المهنية، وضمان أن تكون حرية التعبير ركيزة لبناء إعلام رقمي مسؤول، يخدم المجتمع والدولة في آن واحد.