الغد
عواصم - في ضوء التطورات المتلاحقة فيما يخص التهديد الأميركي الإسرائيلي بضرب إيران، يبرز سؤال يتعلق بكيفية استعداد حزب الله للمرحلة المقبلة، في ظل بيئة إستراتيجية متغيرة، وضغوط دولية متصاعدة، واحتمالات مواجهة تتطلب جاهزية عسكرية وسياسية ومجتمعية صلبة رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها الحزب في حرب عام 2024 التي أطلق عليها معركة "أولي البأس".
الحرب التي لم تنته
ألحقت الضربات الإسرائيلية، خصوصا في خريف 2024، خسائر كبيرة بالبنية القيادية والأمنية والعسكرية لحزب الله. وشملت هذه الضربات اغتيالات نوعية واختراقات تقنية جعلت الحزب مكشوفا للجانب الإسرائيلي، لدرجة فقدانه بحسب تصريح أمينه العام نعيم قاسم نحو 5000 من مقاتليه، وإصابة نحو 13000 آخرين في معركتي "الإسناد" و"أولي البأس"، فضلا عن اغتيال الاحتلال لنحو 350 من عناصر الحزب بعد وقف إطلاق النار في هجمات شبه يومية، طالت مستويات متفاوتة من عناصره، بمن فيهم قائده العسكري الجديد هيثم طبطبائي.
رغم ما سبق، يعتبر الحزب أن الخسائر المذكورة بقيت محصورة في الإطار التكتيكي، ولم تؤد إلى حدوث انهيار شامل في صفوفه، ويبرهن على ذلك بعدم قبوله بخيار تسليم سلاحه، أو اعترافه بشرعية وجود إسرائيل.
ويرى الحزب أن أولوياته الميدانية الحالية تتمثل في إعادة ملء بنيته التنظيمية بالكوادر، وترميم وحداته القتالية، مع تشديد الإجراءات الأمنية، وإعطاء الأولوية لتعزيز وضعية دفاعية تركّز على منع الاجتياح الإسرائيلي البري، ورفع كلفته حال حدوثه، بدلا من السعي إلى فرض معادلات جديدة بالقوة أو السعي لردع الاحتلال عن تنفيذ غارات واغتيالات يومية.
يدرك الحزب أن إسرائيل نجحت في استثمار ثغرات أمنية بشرية وتقنية، راكمتها في حقبة ما بعد حرب 2006 بعد أن توسعت البنية التنظيمية للحزب، وتغير نمط عمله من شكل خلايا ومجموعات قتالية صغيرة ليصبح أكثر نظامية، وهو ما بلغ ذروته خلال فترة مشاركته في الساحة السورية دعما لنظام الأسد.
وفي لحظات عصيبة وبمدى زمني قصير، انكشف حجم الاختراق ليطال الآلاف من كوادر الحزب في تفجيرات أجهزة البيجر، واللاسلكي وصولا إلى تدمير العديد من مخازن الأسلحة، وانتهاء بتصفية الأمين العام للحزب حسن نصر الله وجمع من كبار قادته. ومن ثم أصبحت عملية إعادة بناء المنظومة الأمنية للحزب بما فيها أنظمة الاتصالات والقيادة والسيطرة على رأس الأولويات، وهو التحدي الذي ما زال يتعرض لاختبارات ميدانية دامية في ظل تواصل اغتيالات الاحتلال لكوادر الحزب في أنحاء لبنان.
رفض نزع السلاح وخيار الحرب
ركز الخطاب الإسرائيلي بداية وقف إطلاق النار على منطقة جنوب نهر الليطاني بوصفها محور الإشكال الأمني. غير أنه سرعان ما اتسع ليكشف أن القلق الحقيقي يتمركز شمال النهر، حيث توجد منظومات الصواريخ الثقيلة، ومنصات الإطلاق بعيدة المدى، ومنشآت تصنيع الطائرات المسيرة، وتتوافر مساحات جغرافية أكبر تسمح بالحركة والمناورة.
لقد قبل حزب الله بترتيبات نزع سلاحه جنوب الليطاني لكنه رفض تماما نزع سلاح شمال النهر، وربط أي نقاش حول السلاح شمال الليطاني بإطار داخلي لبناني يتعلق بالتفاهم حول إستراتيجية دفاع وطني، كما لوح باستعداده للمضي نحو خيار الصدام لوقف مسار نزع السلاح، ولو أدى ذلك إلى حرب أهلية وفتنة داخلية.
يتشكّل قرار الحرب لدى حزب الله ضمن شبكة معقّدة من الاعتبارات، يتقدّمها العامل اللبناني بما يحمله من قيود سياسية واجتماعية واقتصادية. فالحزب يتعامل مع لبنان باعتباره ساحة منقسمة في مواقفها وتوازناتها الداخلية، ما يجعل أي انتقال إلى تصعيد واسع قرارًا عالي الكلفة داخليًا قبل أن يكون كذلك خارجيًا.
ولذا تقوم مقاربة حزب الله الحالية على الحفاظ على الوجود، وكسب الوقت لترميم الأضرار، وانتظار مآل التهديدات الأميركية لإيران التي تمثل الداعم الأساسي وربما الوحيد حاليا للحزب سياسيا وماليا ولوجستيا وأمنيا، ووفقا لمسؤولين أميركيين قدمت إيران نحو مليار دولار إلى الحزب في عام 2025.
ولذا يحرص الحزب على تجنب الانجرار لأي صدام مع الاحتلال، أو الانخراط في أي صراع إقليمي، مثلما تجلى أثناء الحرب الإيرانية الإسرائيلية منتصف عام 2025. ويربط الحزب انخراطه في القتال بتعرض الأراضي اللبنانية لاجتياح بري أو عملية عسكرية موسعة. ويعبّر هذا التقدير عن قراءة واقعية لحدود القدرة على إدارة حرب طاحنة في ظل انقسام داخلي حاد بلبنان، وأزمة اقتصادية خانقة، وتوازنات سياسية لم تعد تميل لصالح الحزب.
غير أن هذه القاعدة تبقى مشروطة بطبيعة الصراع نفسه، ففي حال انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة ومتعددة الجبهات، قد يتبدّل خيار الحزب إذا شعر بتعرض إيران لتهديد وجودي يتطلب المساندة.
يكرر نعيم قاسم في خطاباته الحديث عن الصراع مع إسرائيل وجذوره، ويركز على أن المشكلة هي في الاحتلال واعتداءاته لا المقاومة وسلاحها، ويقدم إسرائيل بوصفها مشروعًا توسعيًا استعماريًا، ويهدف قاسم إلى نفي أي إمكانية لحل سياسي أو تسوية تفاوضية مع الاحتلال، ويؤسس لشرعية المواجهة بوصفها الخيار الوحيد القابل للنجاح.
ويشير إلى أن الحزب ترك للدولة اللبنانية مهمة حماية المواطنين، وإعادة الإعمار، وإخراج إسرائيل من المناطق المحتلة في الجنوب. لكنه في ذات الوقت يفتح الباب أمام خيارات أخرى قائلا مؤخرا "لا يمكن القبول باستمرار وتيرة الاعتداءات. على الدولة أن تطالب الدول الراعية بإيقافها. لكل شيء حد. لا يمكن أن تستمر الأمور بهذه الطريقة إلى ما لا نهاية".
وفي مواجهة ضربات الاحتلال اليومية التي لا تجابه برد عسكري من الحزب، يميّز قاسم بين الردع والتحرير، معتبرا أن وظيفة المقاومة هي التحرير مهما تطلب ذلك من وقت، بينما الردع حالة استثنائية حققها حزب الله بين 2006 و2023-2024.
مبادرة إقليمية
يركّز قاسم على نقل المواجهة من كونها شأنا خاصا بحزب الله إلى اعتبارها مسؤولية جماعية تشمل الدول والأنظمة والشعوب العربية والإسلامية، وبالأخص بعد القصف الإسرائيلي للدوحة. ويدعو إلى اعتبار إسرائيل الخطر الأول. ومن ثم توجه قاسم بنداء إلى عدد من الدول العربية لطي صفحة الماضي وتجميد الخلافات، والنظر للحزب في لبنان وحركة حماس في غزة كخط دفاع أول، وشدد على أن الضغط عليهما يمثل مكسبا إسرائيليا، ويمهد لاستهداف دول المنطقة لاحقا.
وفي المقابل، يقدم قاسم الولايات المتحدة كطرف منحاز بالكامل لإسرائيل يستخدم أدوات متعددة للضغط، من التسليح المشروط للجيش اللبناني بما يتيح له إدارة الوضع الداخلي ومواجهة حزب الله دون السماح له بامتلاك أسلحة تهدد جيش الاحتلال مثل مضادات الطيران، فضلا عن منع الإعمار، وتجفيف الموارد المالية للحزب عبر تقييد أنشطة مؤسسة القرض الحسن.
ومن ثم يخلص إلى أن الجهود الأميركية تهدف لأن تحقق بالسياسة ما عجزت عنه إسرائيل بالحرب. ويغلق بذلك الباب أمام التعامل بجدية أمام المبادرات الأميركية الخاصة بلبنان، لأنها جاءت من طرف منحاز، ودون تقديم ضمانات، مع الضغط لتقديم تنازلات من الطرف اللبناني فقط.
وتتمحور أولويات حزب الله الحالية حول ثلاثية "إيقاف العدوان، إخراج المحتل، وبداية الإعمار"، فضلا عن الحفاظ على الوجود، وحشد الحاضنة الشيعية حوله، وطرح مبادرات إقليمية لفتح صفحة جديدة مع الدول العربية التي شابت علاقته بها توترات، بالتزامن مع ترميم بنيته الداخلية، وترقب اتجاهات الأحداث بالمنطقة، وسياسات ترامب التي تحدث قدرا كبيرا من الإرباك في المشهد الدولي.-(وكالات)