الغد
ناثان ج. براون* – (مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/7/22
سوف تُستهلّ إعادة الإعمار والترتيبات الإدارية في المناطق التي يتم فيها توطيد السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بينما ستشهد سائر المناطق جهود إغاثة مُرتجلة، وانهياراً مؤسّسياً، وحرماناً مستمرّاً. وهذا يعني للكثير من سكان غزة أن الحرب اللامتناهية في طور التحوّل إلى حالةٍ من البؤس اللامتناهي -ليس لأن الدبلوماسية فشلت، بل لأن الدبلوماسية هي التي تنتج هذا الواقع.
في الآونة الأخيرة، شهد النشاط الدبلوماسي المتعلق بغزة حراكاً متجدّداً على نحو مفاجئ. فقد عاد توني بلير، المبعوث الخاص السابق للجنة الرباعية المعنيّة بالشرق الأوسط، إلى الواجهة. وحتى هيلاري كلينتون نفسها أصبحت تشير علناً إلى أن خطة ترامب هي الخيار الوحيد المتاح. وتُنبئ هذه الجهود الدولية المتجدّدة بأمرٍ أكثر أهمية وأكثر جذريةً بكثير ممّا توحي به العبارات الدبلوماسية المبتذلة حول إعادة إعمار غزة. وكما هو واضح، لا تبذل الجهات التي تسعى اليوم إلى إحياء خطة ترامب أيّ جهد للإجابة عن السؤال المتعلّق بمَن هو الذي يمثّل فلسطين، وتسعى بدلاً من ذلك جاهدة إلى جعل هذا السؤال يختفي تماماً. ولا يعدو ما يجري تسويقه الآن تحت مُسمّى الإدارة وإعادة الإعمار في الحقيقة سوى كونه هندسة دستورية.
لا تتعلّق المسألة المطروحة للنقاش اليوم ببساطة بمَن هو الطرف الذي سيقدّم الخدمات أو يموّل المشاريع، وإنما تدور حول مَن سيمارس السلطة. أما الإجابة، فصادمة: لن ينشأ كيان فلسطيني وطني. لن تُحكَم فلسطين بوصفها مجتمعاً سياسياً وإنما بطريقة تضمن أن يكون فلسطينيو غزة سكاناً بلا صوت، ومن سيدير شؤونهم -كشعبٍ- جهاتٌ دولية خاصة وأخرى عامة غامضة، تحت إشراف مجموعة صغيرة مقرّبة من الرئيس دونالد ترامب، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
لطالما ظلّت النقاشات الدولية على مدى سنوات تردّد الوعد القائل بأن "السلطة الفلسطينية" ستتولّى في نهاية المطاف حكم غزة. وكان الزعم، المقرون بدعواتٍ طقسيةٍ إلى "الإصلاح" أو "إعادة التنشيط"، أن المؤسسات الوطنية الفلسطينية سيتم تعزيزها حتى تصبح قادرةً على إدارة القطاع.
لكن هذه الفكرة كانت دائماً موضع شكّ. أولاً، رفضت القيادة الإسرائيلية الحالية مراراً وتكراراً وعلى نحوٍ صريح أيّ دورٍ مهم لـ"السلطة الفلسطينية" في حكم غزة. وقد تحوّل هذا الموقف إلى مبدأ راسخ، حيث باتت إسرائيل تصوّر "السلطة الفلسطينية" على أنها تمثّل مشكلةً لا تقلّ إشكالية عن "حماس". ويمتد هذا الرفض ليشمل أيّ مؤسسة وطنية فلسطينية. كما تصرّفت إدارة ترامب باتساقٍ لافتٍ مع هذا التوجه انطلاقاً من النزعة نفسها -ولو أنها لم تعلن موقفها صراحة.
ثانياً، فقدت "السلطة الفلسطينية" في كلٍّ من الضفة الغربية وغزة منذ عقود أيّ مصداقية لها بوصفها قيادةً وطنية. وعندما تحدّثت الأطراف الخارجية عن إصلاحها، فإنها ركّزت في الغالب على جعلها مستساغةً لدى القادة الإسرائيليين -وهو مسعى عقيمٌ بطبيعته، ولم يسهم سوى في تعميق القطيعة بين القادة الفلسطينيين وشعبهم فقط. وقد تَمثّل النجاح الوحيد لهذه في تحويل مصطلح "السلطة الفلسطينية" إلى مفارقة لفظية.
تكشف ردود فعل الأطراف التي كان يُتوقَّع منها أن تقاوم هذا المنحى عن دلالات لافتة. فقد هُرعت "السلطة الفلسطينية" إلى إجراء انتخاباتٍ وإثبات أنها ما تزال تضطلع بدور. وأعلن الرئيس محمود عباس عن إجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، والتي ستكون الأولى منذ عقدَين. لكن من غير الواضح على الإطلاق كيف يمكن إجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية في ظلّ الظروف الراهنة. ولعل الأقلّ وضوحاً من ذلك هو كيف يمكن لمرسومٍ انتخابي أن يعكس مسار عقودٍ من التدهور المؤسّسي، والتشرذم السياسي، والاستياء العام.
في المقابل، سلكت حركة "حماس" المسار المعاكس فأعلنت حلَّ حكومة الأمر الواقع التي تديرها في غزة، واستعدادَها لتسليم المسؤولية الإدارية إلى لجنة إدارة تكنوقراطية. ولا تبدو هذه البادرة بديلاً حقيقياً بقدر ما هي محاولة لتجنّب تحميلها مسؤولية التعطّل المتوقّع لخطة ترامب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الحركة من دون ربط ذلك بأيّ إستراتيجية بديلة قابلة للتطبيق.
بالإضافة إلى ذلك، انهارت المعارضة الدبلوماسية السابقة. وأصبحت المبادرة السعودية - الفرنسية وإعلان نيويورك، اللذان تم تقديمهما ذات مرة على أنهما مجهود دولي كبير لإحياء الدولة الفلسطينية وحلّ الدولتَين، مجرّد ذكرى بعيدة لم يبقَ لها من أثر سوى إشارة عابرة في قرار مجلس الأمن الدولي الذي منح عملياً شيكاً على بياض للجهود الأميركية. ومن جهتها، تلجأ "السلطة الفلسطينية" إلى إجراءاتٍ لا تستطيع إضفاء أيّ معنى حقيقي عليها؛ بينما تتخلى "حماس" عن مسؤوليتها الإدارية من دون أن تطرح خطةً سياسية واضحة، فيما تترك القوى الخارجية وراءها بهدوء البنية الدبلوماسية التي كانت قد أقامتها بنفسها.
لم يتمثّل ردّ فعل الكثير من الأطراف الخارجية في التصدّي لهذه الحقائق أو الالتفاف حولها، بل في تجاهلها ببساطة. وأدّى ذلك إلى حجب تحوّل لافت في طريقة تصوّر الحوكمة بحدّ ذاتها. وفي الوقت الراهن، لا يسعى "مجلس السلام" الذي يقوده ترامب إلى تجاوز تلك الحقائق؛ ويسعى بدلاً من ذلك إلى مأسستها فحسب. فبدلاً من البحث في كيفية إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، تركّز مناقشاته على الوظائف الإدارية: من يوزّع المساعدات؟ ومن يقدّم الرعاية الصحية؟ ومن يتولّى إدارة السجلات المدنية؟ ومن يشرف على عملية إعادة الإعمار؟ ومن ينسّق الشؤون الأمنية؟ ويجري تناول كل واحدة من هذه المسائل من منظور تقني، فيما يظلّ الثابت الوحيد هو إقصاء أي قيادة وطنية فلسطينية. ويجري تقديم هذا في الوقت الراهن على أنه المسار الوحيد المتاح.
تؤدّي المؤسسات الوطنية وظيفة دمج المسؤوليات الإدارية ضمن سلطة سياسية تدّعي تمثيل الشعب. وهي ترسي مسارات المساءلة، وتحدّد مَن يمارس السلطة وباسم مَن، وتربط العمل الروتيني للحكم بمجتمعٍ سياسي أوسع. ولم تُحسِن "منظمة التحرير الفلسطينية" و"السلطة الفلسطينية" أداء هذه المهام قطّ، لكنهما مع ذلك ظلّتا تسعيان إلى القيام بها. والآن، ومع فصل كل وظيفة وإسنادها إلى آلية مختلفة، فإن مسألة التمثيل السياسي تتلاشى بهدوء فحسب.
يُركّز الهيكل الناشئ سلطة استثنائية في "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب. وينص ميثاقه على أن يتولّى الرئيس رئاسة المجلس إلى أجل غير مسمّى، ويمنحه صلاحية اختيار خلفه. كما يتمتّع هو ومعاونوه المقرّبون بسيطرة كاملة وشخصية على هيكل المجلس. وبذلك، تستبدل هذه الخطة ببساطة التمثيل الفلسطيني بحكمٍ شخصي تحت غطاء دولي، بالتنسيق مع إسرائيل. وهي لا تقدّم سوى وعودٍ فضفاضة للغاية بشأن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم في نهاية المطاف، وتكتفي في أحسن الأحوال بورقة تين فلسطينية رمزية في شكل لجنة بلا أنياب، تضمّ شخصيات غير معروفة ومحرومة من التمويل والسلطة، ومجبرة على الانتظار في فندقٍ في القاهرة شهراً بعد شهر.
كما تُعيد الخطة تأطير الصراع. وهو لم يعد صراعاً على التمثيل والسيادة والمؤسسات الوطنية، بل أصبح مشكلة تتعلّق بإدارة سكان (بات معظمهم الآن مشرّدين وبلا مأوى). وقد تُفضي المساعي الدبلوماسية الحالية إلى اتفاقات بشأن دخول المساعدات الإنسانية، أو مشاريع إعادة الإعمار، أو ترتيبات إدارية جديدة. وقد تُسهم في تحسين ظروف الحياة اليومية من نواحٍ مهمة. لكنّ واقعاً أكثر قتامة يبرز خلف هذا المشهد، وهو أن الترتيبات التي تتبلور راهناً سترسّخ وقائع مختلفة في أنحاء مختلفة من غزة: سوف تُستهلّ إعادة الإعمار والترتيبات الإدارية في المناطق التي يتم فيها توطيد السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بينما ستشهد سائر المناطق جهود إغاثة مُرتجلة، وانهياراً مؤسّسياً، وحرماناً مستمرّاً. وهذا يعني للكثير من سكان غزة أن الحرب اللامتناهية في طور التحوّل إلى حالةٍ من البؤس اللامتناهي -ليس لأن الدبلوماسية فشلت، بل لأن الدبلوماسية هي التي تنتج هذا الواقع.
يمكن للترتيبات الإدارية أن تؤدّي إلى توزيع المواد الغذائية، أو إعادة بناء المستشفيات، أو تسجيل الولادات، أو تنظيم عملية إعادة الإعمار -على الرغم من أنها لم تحقّق الكثير من ذلك حتى الآن. ولكن حتى لو تم توسيع نطاقها، فإنها لا تستطيع الإجابة عن سؤال مَن يمتلك الشرعية للتحدّث باسم الفلسطينيين، أو كيف سيُعاد تشكيل المشهد السياسي الوطني الفلسطيني بعد سنوات من التفكُّك والحرب والتدهور المؤسّسي. فهذه الترتيبات ليست مُصمَّمة أصلاً لهذا الغرض.
لا يكمن الخطر إذن في فشل المساعي الدبلوماسية بقدر ما يكمن في نجاحها. وقد يفضي نجاحها فقط إلى إرساء أنظمة أكثر تعقيداً لإدارة شؤون الفلسطينيين، مع إبقاء السؤال السياسي الذي جعل جميع الترتيبات السابقة مؤقتة مفتوحاً وبلا إجابة.
*ناثان ج. براون Nathan J. Brown: هو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومتخصص في السياسة العربية، ولا سيما السياسة الفلسطينية والمصرية، والحركات الإسلامية، والدستورية وسيادة القانون في العالم العربي. عمل سابقاً زميلاً في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، وحصل على زمالة غوغنهايم. ألّف تسعة كتب، من أبرزها "السياسة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو"؛ و"حين لا يكون النصر خياراً: الحركات الإسلامية في السياسة العربية"؛ و"الجدل حول الإسلام بعد عودة السياسة العربية". شغل أيضاً رئاسة جمعية دراسات الشرق الأوسط بين العامين 2013 و2015، وكان مستشاراً للجنة صياغة الدستور الفلسطيني.