عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jan-2026

ترامب في سعيه لإيقاف الحروب يشتعل العالم بين يديه

 الغد

عواصم - شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا في طبيعة الصراعات وحدود إدارتها، حيث لم تعد الحروب تُحسم، ولا النزاعات تُغلق، بل باتت تُدار في حالة من التعليق الدائم بين الانفجار الكامل والتسوية المؤجلة.
 
 
وفي قلب هذا المشهد، برز الدور الأميركي -خاصة في عهد دونالد ترامب- بوصفه نموذجا صارخا لمفارقة القوة حيث تمتلك الولايات المتحدة أدوات الضغط دون امتلاكها القدرة على إنهاء الصراعات.
لا يكمن جوهر هذه المفارقة في تناقض الخطاب مع الفعل فحسب، بل في تحول أعمق طال وظيفة القوة الأميركية ذاتها. إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تعريف ما الذي تسعى إليه على المدى البعيد، ولا على تقديم تصور متماسك لمعنى "الاستقرار"، ولا على رسم نهاية واضحة للصراعات التي تتدخل فيها. وبدلا من أن تكون القوة أداة للحسم أو لإنتاج تسويات مُستدامة، تحولت إلى وسيلة لإدارة التوتر وضبط الانفجار وتأجيل الانهيار؛ دون معالجة الجذور البنيوية للأزمات المختلفة الطبيعة والسياقات.
يتجلى هذا التحول بوضوح في منطقتنا، حيث أسهمت السياسات الأميركية في إدارة تصعيد مستمر بلا مسار سياسي نهائي، سواء في الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو في التوتر مع إيران، أو في تداعيات الحروب المفتوحة في أكثر من ساحة.
بيد أن خطورة هذا النمط لا تكمن في الإقليم وحده، بل في تعميمه عالميا، من أوروبا الشرقية إلى الساحل الأفريقي، ومرورا بأوروبا الشرقية وآسيا المحيط الهادي ووصولا إلى أميركا اللاتينية، بما يشير إلى دخول النظام الدولي مرحلة يمكن توصيفها بزمن ما بعد اليقين الأميركي؛ زمن تظل فيه القوة حاضرة لكنّ المعنى غائب والإستراتيجية معلّقة.
بين الوعد السياسي
والفشل الإستراتيجي
شكل الخطاب السياسي لدونالد ترامب حول "إنهاء الحروب التي لا تنتهي" أحد أكثر عناصر حملته الانتخابية جاذبية وتأثيرا، سواء أكان ذلك داخل الولايات المتّحدة أم لدى جمهور دولي أنهكته سنوات من التدخلات العسكرية الأميركية الممتدة منذ مطلع الألفية. فقد قدّم ترامب نفسه بوصفه رئيسا "غير تقليدي"، يرفض إرث التدخل الليبرالي، ويعارض الحروب المكلفة التي لا تحقّق بحسب تعبيره عائدا مباشرا للمصلحة الأميركية.
ضمن هذا الإطار، لم يكن خطاب إنهاء الحروب مجرّد شعار انتخابي، بل ركيزة تأسيسية في سردية "أميركا أولًا"، التي أعادت تعريف السياسة الخارجية بوصفها أداة لخدمة الداخل بدلا من أن تكون مشروعا لإدارة النظام الدولي. 
ورغم لهجته الانسحابية الظاهرية، لم يقدم "الخطاب الترامبي" تصوّرا واضحا لكيفية إنهاء الحروب فعليا. إذ ظلّ مفهوم "الإنهاء" غامضا، يتأرجح بين الانسحاب العسكري المباشر وتقليص الوجود ونقل العبء إلى الحلفاء، أو الاكتفاء بسياسات ردعية محدودة. لم يكن هذا الغموض تفصيليا، بل بنيويا، إذ عكس غياب رؤية متماسكة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تفكيك الصراعات، أم الاكتفاء بإدارة تداعياتها بأقل كلفة ممكنة.
الممارسة "الترامبية"
في الساحات العالمية
إذا كان الخطاب الترامبي قد قدّم نفسه بوصفه مشروعا لإنهاء الحروب، فإن الممارسة الفعلية كشفت عن نمط مختلف تماما، كانت نتيجته تفكيك آليات إدارة الصراع من دون بناء بدائل تسوويّة. إذ لم تسعَ إدارة ترامب إلى رعاية تسويات سياسية شاملة، ولا إلى تثبيت ترتيبات أمنية مستدامة، بل ركزت على تقليص الالتزامات الأميركية المباشرة، حتى وإن كان الثّمن تفجير توازنات هشّة قائمة.
في الفضاء اللاتيني، الذي يُفترض تقليديا أنه مجال نفوذ مباشر ومستقر نسبيا للولايات المتحدة، كشفت سياسات ترامب عن أثرها التفكيكي بوضوح. فقد أدى تشديد العقوبات وتسييس ملف الهجرة والتعامل الفج مع حكومات المنطقة.
في حالة فنزويلا، لم يؤد الضغط الأقصى إلى انتقال سياسي منضبط، بل انتهى مداه إلى تعميق الانقسام الداخلي وتدويل الأزمة، ومن ثم تحويلها إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى دولية. وهكذا، تحوّل السعي لإسقاط نظام إلى عامل إطالة لأمد الأزمة الإنسانية والسياسية، من دون أفق تسوية واضح ومحدد الآجال.
أما في أميركا الوسطى، فقد أسهمت مقاربة ترامب لملفّ الهجرة -بوصفه تهديدا أمنيا وليس أزمة تنموية سياسية -في إعادة إنتاج شروط عدم الاستقرار التي تدفع أصلا نحو الهجرة، فكان أن خلق ذلك حلقة مفرغة من الضغط والفوضى بدل المعالجة الجذرية.
أما في القارة الأفريقية، فتجلّى أثر سياسة ترامب في ما يمكن تسميته الانسحاب الصامت؛ حيث شهدنا  تقليص الاهتمام السياسي والدبلوماسي في مقابل إبقاء حضور أمني محدود وغير مؤطّر إستراتيجيا. هذا النمط لم يُنهِ النزاعات، بل فتح المجال أمام تمدّد الفاعلين غير الدوليين، وتصاعد أدوار قوى منافسة.
وفي آسيا، أسهمت المقاربة الترامبية القائمة على الصفقات والضغط الأحادي في زعزعة توازنات دقيقة. فالتعامل المتقلب مع كوريا الشمالية -بين التهديد العسكري والانفتاح الشخصي- لم يُفضِ إلى نزع سلاح بيونغ يانغ النووي، بل أفضى إلى ترسيخ الأمر الواقع، مع إضعاف مصداقية الردع التقليدي.
أما في العلاقة مع الصين، فقد أدت الحرب التجارية، غير المقرونة بإطار إستراتيجي متكامل، إلى تصعيد تنافسي واسع النطاق تجاوز الاقتصاد ليشمل التكنولوجيا والأمن، من دون أن ينتج قواعد اشتباك مستقرة، وهو ما أدى، بالتالي إلى في رفع منسوب التوتر العالمي بدل احتوائه.
وفي أوروبا، مثّل التشكيك العلني بحلف شمال الأطلسي، والتعامل النفعي مع الحلفاء، عامل إرباك بنيوي. إذ لم يؤدّ الضغط الأميركي إلى تعزيز قدرات أوروبا الدفاعية ضمن إطار متماسك، بل إلى فتح نقاشات وجودية داخل الاتحاد الأوروبي حول الاعتماد الإستراتيجي، في وقت كانت فيه القارة تواجه تصاعد التهديدات على حدودها الشرقية.
وفي هذا السياق، تمثّل الحرب الرّوسية الأوكرانية المثال الأوضح على هذا التحول. فهي ليست مجرد نزاع إقليمي، بل هي تحدٍّ مباشر لمنظومة ما بعد الحرب الباردة، وللافتراض القائل إن الحدود في أوروبا باتت محصّنة بالقانون والمؤسسات.
أما في الشرق الأوسط، فبدت نتائج السياسات الترامبية أكثر حدة. فالانسحاب من الاتّفاق النوويّ مع إيران، دون بديل تفاوضي واقعي، أعاد المنطقة إلى منطق التصعيد المفتوح، ورفع احتمالات المواجهة غير المباشرة عبر الوكلاء.
وفي سورية، كشف التّذبذب الأميركي -بين الانسحاب والعودة المحدودة- عن أثر بالغ في إعادة خلط الأوراق الميدانية، وفتح المجال أمام عدد من الدول الإقليمية لترسيخ أدوارها، في غياب أفق سياسي دولي جامع.
لم يكن التحول الأخطر في تقليص التدخلات العسكرية الأميركية، بل في التخلي عن وظيفة الضبط. فقد كانت الولايات المتّحدة تسعى، في مراحل سابقة حتى عندما تنسحب جزئيا، إلى تفويض منضبط يجمع بين شركاء، وأطر تفاوض، وخطوط حمراء واضحة. أما في المرحلة الترامبية، فقد بدا الانسحاب أقرب إلى إخلاء الساحة منه إلى إعادة تموضع.
وهذا ما يفسّر تعدد الساحات التي شهدت انفلاتا متزامنا؛ وذلك ليس لأن واشنطن فقدت القدرة، بل لأنّها فقدت -أو تخلّت عن- الرغبة في إدارة التعقيد. ومع غياب الضابط المركزي، لم يُنتَج نظام متعدّد الأقطاب متوازن، بل فوضى تعدّدية، تتنازع فيها القوى الإقليمية والدّولية على قواعد لم يعد متفقا عليها.
في هذا السياق، يبدو المستقبل الدولي مرهونا بمآلات ثلاثة متشابكة؛ أولا، مدى قدرة القوى الكبرى على فرض أطر تعاون أو تعدد متوازن، ثانيا، تطور أطر أمنية إقليمية ودولية قابلة للانضباط، وثالثا، تحديد دور الفاعلين من غير الدول في إعادة تشكيل ميزان القوة وإنتاج فوضى جزئية أو توسيع الفراغات. إن غياب أي عنصر من هذه العناصر سيعني استمرار حالة "تعددية صراعية مفتوحة"، حيث يصبح الاستقرار هو الاستثناء، وليس القاعدة.-(وكالات)