عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Feb-2026

الديمقراطية الإسرائيلية ماتت في وضح النهار

 الغد

أفيهو زكاي* - (هآرتس بالعربي) 20/1/2026
في العام 2018، صدر كتاب ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات المعنون: "كيف تموت الديمقراطيات"، الذي يبيّن كيف يقوم قادة منتخبون ديمقراطيًا بإضعاف النظام الديمقراطي تدريجيًا ويغيّرونه من الداخل، من دون تدخل خارجي دراماتيكي.
 
 
يصف الكاتبان ديمقراطيات لا تختفي بانقلاب عسكري، بل تنهار أيدي قادة منتخبين يقوّضون المؤسسات والأعراف الديمقراطية -غالبًا بموافقة الجمهور أو في ظل لامبالاته. وعقب صدور الكتاب، كان العنوان الرئيسي لصحيفة "الواشنطن بوست" (خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب): "الديمقراطية تموت في الظلام". لكن الديمقراطية في إسرائيل لا تموت في الظلام، وإنما علنًا، في وضح النهار.
في النظام الديمقراطي قد يصل إلى السلطة قادة يعملون بعد انتخابهم على تغيير النظام السياسي نفسه. هكذا يبدو المشهد اليوم في إسرائيل تحت حكم بنيامين نتنياهو -ومؤخرًا أيضًا في الولايات المتحدة تحت إشراف ترامب. هكذا كان الأمر في ألمانيا حين صعد الحزب النازي إلى الحكم (حتى من دون أغلبية)، وعُيّن أدولف هتلر مستشارًا ليُنهي الديمقراطية الألمانية بانقلاب ذاتي تدريجي، إلى أن أصبح ديكتاتورًا كامل الصلاحيات. وكذلك كان حال بينيتو موسوليني، زعيم الحزب الفاشي في إيطاليا، الذي عُيّن رئيسًا للحكومة في العام 1922، وجعل هدفه الأول بعد توليه المنصب إقامة نظام توتاليتاري يكون فيه القائد الأعلى -الدوتشي.
حتى الآونة الأخيرة، كان أساس دولة إسرائيل هو أن تكون ديمقراطية ليبرالية -مزيج من مبادئ مثل حكم الأغلبية، مع مبادئ مثل حماية حقوق الفرد، والمساواة أمام القانون، والحماية من طغيان الأغلبية. وقد قيّدت هذه الصيغة من الحكم القوة السياسية للممثلين المنتخبين عن طريق سيادة القانون والقوانين الأساسية، بهدف حماية حقوق المواطنين.
ولكن، يجري في السنوات الأخيرة انتقال إسرائيل من ديمقراطية ليبرالية إلى دولة أوتوقراطية، تتركز فيها السلطة إلى حدّ كبير في يد شخص واحد: رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وهو يعكف، صحبة رفاقه، على مهاجمة المؤسسات الديمقراطية، ويحطّمون أنماط ثقافة احترام القانون، ويعملون ضد المحكمة العليا، ويدفعون نحو انقلاب قضائي يمنح الائتلاف سيطرة على اختيار القضاة، ويتجاهل قرارات المحكمة العليا عندما تبطل قوانين غير دستورية.
إحدى النتائج الخطيرة المترتبة على ذلك هي تدمير المكانة والدور الحيوي للمجال العام، الواقع بين المجال الخاص والمجال السياسي (والذي لا يخضع لأهواء السلطة)، حيث يستطيع المواطنون التعبير عن آرائهم عبر صحافة حرة، وثقافة، وفنون، وغيرها. ويدفع نتنياهو وجماعته نحو فرض تجانس زائف، وتوزيع الميزانيات وفق الانتماء الحزبي. والأمثلة كثيرة، لكن بالوسع التركيز على الأكاديميا والثقافة. وتُستخدم السيطرة عليهما كجزء من الوسائل التي يجري عبرها دفع الانقلاب السلطوي، الساعي إلى سحق كل عامل مستقل: الجهاز القضائي؛ الخدمة العامة؛ الإعلام، والثقافة.
هكذا قرر ميكي زوهار، وزير الثقافة، أنه يستطيع الحكم على ما هو "الفن الجيد" وفق معايير ائتلافية. وقد ألغى عشرات جوائز الإبداع للعام 2025 في جميع مجالات الثقافة (ومن بينها جائزة أدب الأطفال باسم دفورا عومر، التي مُنحت طوال عشرين عامًا وبلغت قيمتها مائة ألف شيكل). وفي المقابل، وزّع زوهار مليون شيكل في حفل جوائز سينما بديلة من صنعه هو نفسه. وكانت حجته أن الجوائز مُنحت، لسنوات، لفنانين ومبدعين في المجالات المختلفة من أموال الضرائب التي يدفعها جميع مواطني إسرائيل، بينما يجري تجاهل فنانين يحملون آراء تعتنقها "أغلبية الشعب".
كما ألغت وزارة الثقافة هذا العام أيضًا جميع جوائز الإبداع التي مُنحت على مدى عقود في مجالات الأدب، والرقص، والفنون التشكيلية، والموسيقا. ومن بين الجوائز التي لن تُمنح: جوائز ليفي أشكول للكتّاب والشعراء؛ وجائزة إريك أينشتاين للفنانين المخضرمين؛ وجائزة الإنجاز مدى الحياة باسم فرانك فليغ لمغنٍ أو قائد أوركسترا؛ وجائزة رئيس الحكومة للمؤلفين الموسيقيين؛ وجوائز للكتّاب والشعراء في بدايات مسيرتهم؛ وخمس جوائز في الموسيقا الكلاسيكية؛ وجائزة واحدة في مجال موسيقا الجاز.
في مجال الأكاديميا تُطرح خطط لإخضاع مؤسسات التعليم العالي لآليات رقابة وإنفاذ سياسية، تستطيع تقييد النشاط الأكاديمي وحجب الميزانيات. وفي الحقيقة، لا علاقة لمشروع قانون "تعزيز الشفافية والرقابة العامة على مجلس التعليم العالي" بالشفافية ولا بالرقابة العامة. إن هدفه واحد: تصفية الاستقلال الأكاديمي في إسرائيل وإخضاعه للحكومة. وبالإضافة إلى ذلك، من المتوقّع أن تصادق لجنة الوزراء لشؤون التشريع على منح الحكومة صلاحية التدخل المباشر في عمل مجلس التعليم العالي ولجنة التخطيط والميزانيات في أي قضية تختارها وتعلنها "ذات أهمية وطنية".
كل ذلك سيعني توجيه ضربة قاتلة لثقافة أكاديمية تقدّس حرية البحث والتفكير النقدي. وستكون نتيجة إلغاء الحرية الأكاديمية تراجع البحث العلمي في إسرائيل عن المعايير الدولية، ودفع العلماء والعالمات الشباب إلى الهجرة إلى دول لا تعتمد فيها حماية حرية الفكر على تغيّر الحكومات.
إن هذه ظاهرة مدمّرة شهدتها بريطانيا في عهد مارغريت تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي. وقد رأت "المرأة الحديدية"، كما لُقّبت، في الأكاديميا جهازًا يجب أن يخدم السوق والدولة، فقلّصت استقلال الجامعات لتحويلها إلى مؤسسات تعمل وفق احتياجات السلطة والاقتصاد. وكانت النتيجة هجرة عدد كبير من الباحثين، خصوصًا إلى الولايات المتحدة.
كل ذلك مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة السياسية. بدلاً من انتهاج سياسة قائمة على النزاهة والاحترام، يعتمد نتنياهو ورفاقه على الشتائم والتشهير والتحريض ضد كل من يعارضهم. وهكذا تتحوّل الساحة السياسية إلى ميدان قتال يحكمه الأقوى. وليس هذا بالتأكيد مكانًا محترمًا ولا مُشرّفًا. وقد أصبح شغل أعضاء الائتلاف الشاغل هو الدفع نحو مجتمع مغلق لا ينفتح على تأثيرات العالم الحديث؛ مجتمعٍ نقيض للمجتمع الديمقراطي الليبرالي المفتوح، القائم على صحافة حرّة ومؤسسات ديمقراطية. ويستخدم هؤلاء الائتلافيون النظام الديمقراطي ومبادئه وفق أهوائهم -وفقط حين يخدمهم.
والنتيجة عالم مقلوب: الباحثون يصبحون موضع تحقيق؛ والقضاة يصبحون متهمين؛ والوزارات تُسلَّم لوزراء لا يفهمون معنى الوزارة التي يتولونها ولا أهميتها. وكذلك يحدث مع رؤساء لجان الكنيست. هكذا يقوّضون قواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئها. وفي ما يخص إسرائيل، تموت الديمقراطية الآن علنًا، في وضح النهار -لا في الظلام ولا في الخفاء.
 
*أفيهو زكاي: مؤرخ وأكاديمي إسرائيلي يشغل صفة أستاذ فخري في قسم التاريخ في الجامعة العبرية في القدس، ومتخصص في التاريخ الفكري والثقافي الأوروبي والأميركي الحديث، ولا سيما تاريخ الأفكار الدينية والفلسفية منذ عصر الإصلاح البروتستانتي حتى القرن العشرين. تركز أبحاثه على التراث البروتستانتي، والفكر البيوريتاني، وتجربة المنفى الفكري اليهودي في أوروبا الحديثة، وقد نشر عددًا من الكتب والدراسات الأكاديمية لدى دور نشر مرموقة، مثل كامبريدج وبرينستون، كما شغل مناصب أكاديمية وبحثية كزائر في جامعات أميركية بارزة.