عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Aug-2025

لا فيلر ولا فلتر* رنا حداد

الدستور -

 
«كبرت خطوط وجهي مع ضحكاتي، وظهرت التجاعيد كما تظهر فصول العمر على شجرة قديمة  فما المشكلة؟»
بهذا المنطق البسيط بدأت نساء عاديات في أوروبا حملة «مفاجأة». المفاجأة لم تكن قصة ريجيم صارم أو إطلالة جديدة بعد الخضوع لحقن تحت مسمى جديد، بل إعلان صريح: «لن نُخفي ملامحنا بعد الآن، ولن نطارد الكمال الزائف الذي تفرضه صور الفلاتر والإعلانات».
لأعوام طويلة، كان النقاش حول التجاعيد والحقن و»إصلاح العيوب» يدور في الخفاء، بين الصديقات أو أمام المرآة بصمت. لكن فجأة، قررت بعض النساء أن يكسرن الصمت ويقلن على الملأ: «أنا أحب شكلي كما هو». هذه الجرأة الصغيرة تحولت سريعًا إلى تيار اجتماعي واسع، تبنّته سيدات من خلفيات مختلفة، حتى وصل إلى الإعلام والمشاهير. الممثلات في الغرب اعلن بصريح العبارة «أريد أن أترك لملامحي حقها في أن تكبر معي.» وبتن يظهرن امام الكاميرا بلا خوف.
هذه الأصوات لا تهاجم التجميل كخيار شخصي، لكنها ترفض أن يتحول إلى شرطٍ للقبول. الاعتراف هنا يصبح قوة، لأن المرأة تقول بصدق: «أنا لست نسخة معدّلة، أنا الأصل.»
الحملة لمست شيئًا أعمق من البشرة أو الشكل، إنها تتعلق بالكرامة وبالإحساس بالقيمة الذاتية. قبول التجاعيد لم يعد مجرد قرار جمالي، بل فعل مقاومة ضد ثقافة استهلاكية ضخمة تبني أرباحها على فكرة أن المرأة «ليست كافية» كما هي، بل عليها إجراء تعديلات وتحسينات لتكون موضع قبول.
أعتقد أننا اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف الجمال ليكون أكثر إنسانية، جمال لا يخاف من العمر ولا يتنكر للتجارب. جمال يُحتفى به لأنه يعكس شخصية حقيقية، لا وجهًا مكررًا من قوالب الجراحة والفلاتر، التي بالفعل أصبحت مملة، مكلفة ومتكلفة. التشابه فعلا،  غير جميل بالمناسبة.
ربما المفاجأة ليست أن نساءً توقفن عن البوتوكس والفيلر، بل أنهن اكتشفن أن الراحة في تقبّل الذات أجمل من أي إجراء تجميلي. أن يضحكن بلا خوف من ظهور خطوط جديدة، وأن ينظرن إلى المرآة فيرين وجوهًا يعرفنها، لا وجوهًا غريبة عليهن.
المفاجأة الحقيقية ليست في تغيير وجهكِ، بل في أن ترفعي رأسكِ عاليًا وتعلني حبك لذاتكِ كما أنت. لا تدعي أحدًا يقنعكِ أنك بحاجة إلى إصلاح أو تعديل لتكوني جميلة. جمالك ليس في إخفاء الزمن، بل في قدرتك على أن تعيشيه بصدق.
المسألة أعمق من مجرد «جمال طبيعي». إنها تعبير عن رغبة في إعادة تعريف الثقة، والبحث عن معنى أوسع للقبول. حين تبتسم امرأة وهي لا تخشى أن يظهر خط حول عينها، فهي لا تتحدى الجماليات فقط، بل تتحدى ثقافة كاملة مبنية على إخفاء العيوب.
ولعل قوة هذا التوجه تكمن في أنه لا يفرض نفسه على الجميع، بل يفتح بابًا اختياريًا: أن تحب نفسك كما أنت. أن تحتفل بجسدك، ببشرتك، بملامحك التي حملت سنواتك وأيامك. أن تقول: أنا كافية، بلا تعديل، بلا إضافات.
إنها ليست دعوة لإلغاء أدوات التجميل أو رفض من يختارها، بل لإعادة التوازن بين ما نريده لأنفسنا وما يُفرض علينا من صور جاهزة. في النهاية، الحرية في أن نكون أنفسنا، كما نحن. حين تنظرين في المرآة وتبتسمين لوجهك بلا شروط، تكونين قد صنعتِ أجمل موضة  موضة لا تزول أبدًا: قبول الذات.