"بالعربي".. أثر يبقى*فريهان سطعان الحسن
الغد
عدت، وفي جعبتي قصص إنسانية شجاعة وملهمة، حملتها معي من يومين في ملتقى "بالعربي"، التابع لمؤسسة قطر، تحت عنوان “بأفكارنا نبني”.
يومان في الدوحة كان لهما أثر كبير علي، اطلعت خلالهما على حكايات وأفكار، أثارت أسئلة كثيرة في داخلي، ورافقتني في رحلة العودة.
أربعة عشر متحدثا، حملوا حكاياتهم إلى المسرح، ونثروا تجارب ملهمة عاشوها في سياقات مختلفة؛ من المعرفة والعلم والابتكار والثقافة والتكنولوجيا والطب والبيئة والعمل الاجتماعي، إلى تجارب إنسانية في الفقد والصمود، وغيرها من النماذج التي حملت الكثير من الدروس والخبرات والعبر.
القصص، على اختلاف مساراتها، جمعها خيط إنساني واحد؛ فأصحابها اختاروا تجاوز التحديات والمعيقات، والمضي بتحقيق أهدافهم وصناعة الأثر. كان لافتا فعل التحدي وأثره، من خلال الإنسان الذي بدأ من نقطة ما، وتعثر أحيانا وخسر كثيرا، لكنه لم يستسلم، بل أكمل الطريق حتى بلغ هدفه.
في "الملتقى" لا توجد إلا العربية؛ لغتنا الجميلة بكل ما تحمله من إرث وتاريخ وحضارة. ففي كل زاوية من زوايا قمة "بالعربي"، تحضر جماليات لغة الضاد، ويتجدد معها الشعور بالفخر.
إنها رسالة قوية نشرتها مؤسسة قطر للأجيال الجديدة، بتجذيرها وتكريسها العربية في الواقع والوجدان، خصوصا خلال الوقت الراهن الذي يرى فيه كثيرون أن الميزة اليوم باتت للإنجليزية، حتى رأينا أسرا عديدة لا تحفل بتعليم العربية لأبنائها.
لكن مؤسسة قطر تسير عكس تيار التغريب، وتقول: هذه لغتكم، بها كتبت حكاياتنا، وعبر مفكرونا وعلماؤنا عن أفكارهم، وقدموا إسهامات تركت أثرها في العلم والثقافة والحضارة. فافتخروا بها وتمسكوا بها، فمهما اختلفت بلداننا ولهجاتنا، تبقى العربية لوحة ابداعية ولغة تجمعنا.
هذا الفخر لا يتوقف عند تاريخ اللغة وإرثها، بل يمتد إلى قدرتها على أن تكون حاضرة اليوم، وأن يجد فيها المبدعون في مختلف المجالات مساحة للتعبير عن أفكارهم وطروحاتهم. فلا يكفي أن نقول للأجيال الجديدة إن لغتهم جميلة، ولا أن نحدثهم فقط عن تاريخها ومكانتها، فهي تبقى حية حين نستخدمها في حاضرنا ونصنع بها مستقبلنا.
نحن نعيش في مجتمعات ترسم عادة توقيتا لما يفترض أن يحققه الإنسان في مسيرته، حتى إن مساحة الأحلام تبدأ بالتراجع عند مرحلة عمرية معينة، وكأن للفرص تاريخ صلاحية. غير أن ما سمعته في ملتقى "بالعربي" يفند هذه النظرة؛ وما نظنه فات أوانه قد يكون بداية لنجاح لم نتوقعه. فالأحلام لا ترتبط بعمر أو وقت محدد، وحتى إن جاءت بعض البدايات متأخرة.
نحتاج كثيرا إلى مثل هذه التجارب اليوم، خصوصا ونحن نعيش في عالم مضطرب، تحيط به تحديات وحروب وأزمات اجتماعية واقتصادية لا تنتهي. في مثل هذا الواقع، نحتاج إلى سماع نماذج تذكرنا بأنه مهما بلغ بنا الظلام واليأس، تبقى هناك مساحة للأمل وصناعة التغيير؛ إن وجدت الارادة.
حمّلتني الدوحة رسائل عديدة من خلال قصص مؤثرة، أجملها أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى أن يغير العالم، بل يكفي أن يبدأ بالتغيير من مكانه، فالتغيير الكبير قد يبدأ بحلم صغير، ومساحة واسعة تسمى "المحاولة".
مبدعون وملهمون من أنحاء العالم العربي، قدموا خطابا متماسكا، مؤكدين بتجاربهم أنهم بلغتهم الأم وصلوا إلى العالم، بعدما صنعوا التغيير في مجتمعاتهم.
ما بقي في الذاكرة من تلك التجربة، لم تصنعه فقط الكلمات، بل أصحاب تجارب عرفوا أنهم وصلوا لعبارة "لقد حان الوقت"، فآمنوا بأنفسهم، وانطلقوا لكتابة فصل جديد من الحكاية.