الجولة الملكية الأوروبية.. ثقة بالدور الأردني وتنويع للشراكات
الغد-إيمان الفارس
لا تبدو الجولة الملكية الأخيرة باتجاه فرنسا والتشيك، مجرد تحرك دبلوماسي في فضاء أوروبي، بل تعكس مسارا أردنيا أوسع لإعادة ترتيب شبكة الشراكات في مرحلة إقليمية تتبدل فيها موازين القوة بسرعة.
وبحسب تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات لـ"الغد"، فإن الرهان الأردني لا يتمثل في استبدال تحالفات قائمة بأخرى، وإنما في بناء "شبكة أمان إستراتيجية" متعددة المستويات، تمنح المملكة خيارات أوسع في الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة، وتدعم قدرتها على التعامل مع الأزمات قبل امتداد تداعياتها عبر الحدود.
ووفق الخبراء، فإن الانفتاح على أوروبا يقوم على معادلة تتجاوز السياسة إلى بناء مصالح متبادلة، مستفيدا من القرب الجغرافي لأوروبا وثقلها الاقتصادي والسياسي، ومن الثقة المتراكمة بالدور الأردني في منطقة مضطربة.
وأشار المختصون إلى عدم اقتصار المكاسب المحتملة عند حدود الأمن والدفاع، إذ تمتد إلى الاستثمار والطاقة والمياه والتجارة والصناعة، فيما يوفر الحضور الأوروبي للأردن مساحة أوسع للتأثير في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة واستقرارها.
وفي المقابل، ينظر الجانب الأوروبي إلى استقرار الأردن باعتباره جزءا من مصالحه في منطقة تتداخل أزماتها مع الأمن والاستقرار الأوروبيين.
وبرأيهم، حول البعد الأمني، حمل التحرك باتجاه فرنسا والتشيك دلالة أكثر وضوحا على تنويع مصادر التعاون الدفاعي، من المعدات والتدريب إلى تبادل الخبرات والتخطيط ونقل التكنولوجيا.
وتكتسب الشراكة مع فرنسا بعدا سياسيا وأمنيا بحكم حضورها في ملفات المنطقة، فيما تفتح التشيك مجالا للتعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، بما يعزز مفهوم أن "الأمن لا يمكن فصله عن التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد".
فرص للتعاون
وحول دلالات التحرك الأردني الأخير باتجاه فرنسا والتشيك، أكد الخبير والمحلل السياسي د. منذر الحوارات، أنه يأتي في إطار توجه أردني نحو تنويع الشراكات ذات الطابع الإستراتيجي، وليس بديلا عن التحالفات القائمة، مؤكدا أن الأردن يعمل على "إضافة طبقات من التحالف لحماية الأمن الوطني الأردني".
وقال إن توسيع هامش الحركة السياسية والأمنية للأردن، يحد من الاعتماد على مسار دولي واحد، خصوصا في ظل بيئة إقليمية "شديدة الاضطراب ومتقلبة"، مع احتمالات واضحة لتغير مراكز القوى في المنطقة.
وفيما يتعلق بفرنسا، أوضح الحوارات أن التحرك جاء في سياق لقاءات العقبة ودعم الجيش اللبناني قبيل مؤتمر المانحين، لكنه حمل في الوقت ذاته بعدا أوسع يتمثل في تعميق التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين، بما يمكن أن يسهم في تعزيز القدرات العسكرية والإستراتيجية الأردنية.
وأضاف إن أهمية التنسيق مع فرنسا تتصل أيضا باهتمامها بسورية ولبنان، وهما دولتان ترتبطان مباشرة بالأمن الإقليمي والأردني، مشيرا إلى أن التعاون يمكن أن يفتح المجال أمام دعم الدولة المركزية وتعزيز قدرات القوات المسلحة في البلدين، بما ينعكس على المصالح الأمنية الأردنية، في ظل كون سورية دولة جارة، ولبنان إحدى نقاط التوتر والتصعيد الإقليمي.
وحول الشراكة مع التشيك، أشار إلى أهمية موقعها في الصناعات الدفاعية والعسكرية، معتبرا أن ذلك يفتح فرصا للتعاون في مجالات الصناعات العسكرية والتدريب، إلى جانب التجارة والطاقة والمياه، بما "يفتح بوابة جديدة من الأردن" نحو مجالات تعاون أوسع.
الدور الملكي المحوري
وأكد الحوارات أن الدور الملكي يبقى محوريا في هذا المسار، من خلال توظيف الثقة الدولية بالموقف الأردني وبالدور الذي يؤديه الأردن في الإقليم، معتبرا أن قدرة المملكة، رغم إحاطتها بمختلف التوترات، على المساهمة في إيجاد توازنات تقود نحو السلام، عززت "مصداقية واحترام الأردن على مستوى المنطقة والعالم".
ورأى أن الأردن يسعى إلى تحويل هذه الثقة بدوره السياسي إلى شراكات تخدم مصالحه الاقتصادية والإستراتيجية، وتعزز مكانته كدولة مستقرة وازنة، فضلا عن إتاحة المجال أمامه للاضطلاع بدور قناة للحوار بين أوروبا والمنطقة العربية.
وشدد الحوارات على أن الأردن "لا يبحث عن محور بديل"، بل يعمل على بناء "شبكة أمان إستراتيجية"، عبر توسيع شبكة شراكاته، موضحا أن هذا المسار يمكن أن يوفر للمملكة قدرات دفاعية وتقنية، ودعما سياسيا لمواقفها الإقليمية، إلى جانب فرص اقتصادية واستثمارية.
ولضمان استدامة هذه النتائج، رأى أن الجهد الملكي يحتاج إلى تأطير مؤسسي وبيروقراطي من خلال المؤسسات المعنية في الأردن والدول الشريكة، بما يحول التحرك السياسي إلى مسار تعاون عملي ومستدام يمتد إلى مختلف المجالات.
بناء أطر جديدة
وحول دلالات الانفتاح الأردني المتزايد على الشراكات الأوروبية، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، أن التحركات الأردنية الأخيرة، بما فيها تحركات جلالة الملك، تأتي في إطار تقدير مستمر للموقف في المنطقة والعالم، مؤكدا أن الأردن يسعى بصورة متواصلة إلى بناء أطر جديدة لعلاقاته الخارجية وتوسيع مجالات التعاون التجارية والصناعية والاقتصادية والسياسية.
وقال الماضي إن الانفتاح على أوروبا يستند إلى عامل جغرافي واقتصادي وسياسي مهم، باعتبار أن أوروبا "قريبة جدا من المنطقة"، إلى جانب ارتباطها الوثيق بالتجارة والصناعة الأردنية، ما يتيح للأردن تنويع أسواقه وعلاقاته الاقتصادية.
وأضاف إن هذه السياسة أسهمت في بناء "علاقات مميزة مع أوروبا"، مشيرا إلى وجود ثقة أوروبية بالمنتج السياسي والاقتصادي والتجاري الأردني.
وأضاف إن الأردن استطاع أن يقدم نفسه في أوروبا بصورة مختلفة عن العديد من دول الإقليم، باعتباره دولة مستقرة وقادرة على "إعادة إنتاج نفسها في إقليم ملتهب وغير مستقر"، والحفاظ على استقراره في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، معتبرا أن هذا السياق يفسر جانبا من التحركات الملكية الأخيرة تجاه فرنسا والتشيك وغيرها من الدول الأوروبية.
وفي الجانب الدفاعي والأمني، أشار الماضي إلى أن توسيع التعاون مع الدول الأوروبية، يوفر للأردن مجالا لتنويع مصادر التعاون في السوق العسكري، خصوصا في ظل وجود شركات أوروبية متخصصة في الصناعات الدفاعية، مؤكدا أهمية أن ينسجم هذا التعاون مع طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية والتجارية القائمة بين الأردن وهذه الدول.
الأردن اعتاد التوسع
وحول دلالات توسيع شبكة التحالفات، أكد الماضي أن الأمر ليس جديدا، فالأردن اعتاد أن يوسع من تحالفاته ونطاقها وتعزيز دوره، موضحا أن السياسة الأردنية قامت تاريخيا على بناء شبكة واسعة من العلاقات وعدم وضع جميع العلاقات الخارجية ضمن محور واحد.
وبين أن العلاقات الأردنية الغربية، بما فيها العلاقة مع الولايات المتحدة، يمكن أن تتكامل مع توسيع الشراكات الأوروبية، في ظل الاحترام الواسع للدور الأردني ودور جلالة الملك في المنطقة.
وبشأن ما يمكن أن تضيفه هذه الشراكات للأردن، رأى الماضي أنها يمكن أن توفر مكاسب في أبعاد متعددة، تشمل الاقتصادي والتجاري والصناعي والأمني والسياسي، فضلا عن تعزيز موقع الأردن ضمن السياسات الأوروبية المرتبطة بالاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن مصلحة أوروبا نفسها ترتبط بالحفاظ على استقرار الأردن وهدوئه، في ضوء انعكاس الصراعات الإقليمية على الأمن والاستقرار الأوروبيين، معتبرا أن الشراكات الأوروبية تمنح الأردن مساحة أوسع للمشاركة في السياسات التي تؤثر في مستقبل المنطقة.
وربط الماضي ذلك أيضا بمسار بناء الثقة بين الأردن وأوروبا، لافتا إلى المنتدى الاستثماري الأردني الأوروبي، باعتباره مؤشرا على مستوى الثقة بالعلاقات بين الجانبين.
وقال إن وصول العلاقات إلى مرحلة طرح "فكرة الاستثمار وقمة استثمارية في الأردن"، يعكس خصوصية هذه الشراكة وإمكانية البناء عليها مستقبلا، وصولا إلى تقديمها كنموذج يمكن أن تستفيد منه دول أخرى في المنطقة.
إعادة تموضع
وفي قراءة أبعاد التحرك الأردني الأخير باتجاه العواصم الأوروبية، رأى الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن التحرك الأردني الأخير تجاه فرنسا والتشيك يعكس "إعادة تموضع محسوبة لشبكة العلاقات الأردنية" في ظل مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، موضحا أن الأردن لم يعد يتعامل مع أمنه الوطني من خلال شريك أو محور واحد، وإنما عبر شبكة أوسع من الشراكات السياسية والدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن زيارة جلالة الملك إلى فرنسا نقلت العلاقات الأردنية الفرنسية من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى أكثر مؤسسية في المجال الدفاعي، في ضوء اتفاقية التعاون الدفاعي التي هدفت إلى تعميق الشراكة بين البلدين وتعزيز مساهمتهما في الأمن والاستقرار الإقليمي.
واعتبر أن أهمية هذه الاتفاقيات لا تقتصر على المعدات أو التدريبات، بل تمتد إلى تبادل الخبرات والتخطيط والتنسيق وتطوير القدرات ورفع مستوى العمل المشترك بين المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي المقابل، قال الدعجة إن زيارة التشيك أضافت بعدا مكملا للمسار الفرنسي، خصوصا مع بحث التعاون الدفاعي والأمني والتكنولوجي والاقتصادي، ولقاء شركات متخصصة في الصناعات الدفاعية.
وأكد أن هذا التوجه يعكس قناعة بأن "الأمن لا يمكن فصله عن التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد"، وأن بناء قدرة دفاعية مستدامة يتطلب، إلى جانب المعدات، المعرفة والتدريب والصيانة ونقل التكنولوجيا وتطوير الكوادر.
وحول توسيع شبكة التحالفات، أكد الدعجة أن الأدق هو الحديث عن "توسيع شبكة الشراكات الإستراتيجية" وليس التحالفات بالمعنى العسكري الصرف، موضحا أن السياسة الأردنية قامت تاريخيا على المرونة والتوازن والحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف متعددة.
وأضاف إن تنوع العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والخليجية لا يمثل ترفا دبلوماسيا، بل "ضرورة أمنية في بيئة إقليمية تتغير بسرعة".
شراكة أردنية فاعلة
وأشار إلى أن الأردن يسعى من خلال هذا المسار إلى الانتقال من موقع المتلقي للدعم إلى موقع الشريك في إنتاج الأمن الإقليمي، مستشهدا بدوره في "اجتماعات العقبة" ودعم بناء قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية في دول عربية أخرى.
واعتبر أن هذا النهج يعكس محاولة لمعالجة مصادر عدم الاستقرار قبل تحولها إلى أزمات عابرة للحدود، مع الاستفادة من الوزن السياسي والأمني لفرنسا ومن القاعدة الصناعية والتكنولوجية التي توفرها التشيك.
وبشأن ما تضيفه هذه الشراكات للأردن، حدد الدعجة مجموعة من الأبعاد؛ في مقدمتها تعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع مصادر التكنولوجيا والتدريب والخبرات، إلى جانب تطوير الأمن السيبراني وحماية المنشآت الحيوية، فضلا عن التعاون في ملفات المياه والطاقة والاقتصاد والاستثمار.
وقال إن "الاستثمار في الأمن السيبراني ليس ملفا تقنيا فقط، بل هو استثمار مباشر في الأمن القومي"، في ظل تنوع التهديدات التي تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والتهريب والجريمة المنظمة والحرب المعلوماتية.
وأكد أن تنويع الشراكات يعزز ما وصفه بـ"الاستقلالية الإستراتيجية"، والتي لا تعني الانفصال عن الحلفاء، وإنما امتلاك أكثر من خيار في مجالات التكنولوجيا والتدريب والتسليح والتعاون السياسي، بما يقلل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد.
وبين أن العلاقة مع فرنسا توفر للأردن، إلى جانب التعاون الدفاعي، ثقلا سياسيا أوروبيا بحكم حضور باريس في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وملفات الشرق الأوسط، بينما تتيح العلاقة مع التشيك مجالا أوسع للتعاون الصناعي والتكنولوجي.
وشدد على أن الجولة الملكية الأخيرة تعكس توجها نحو "توسيع شبكة الأمان الإستراتيجية من دون أن يغير الأردن ثوابته أو اصطفافاته الأساسية"، بحيث لا يكون الهدف استبدال شريك بآخر، وإنما إضافة شركاء وبناء شبكة علاقات متعددة المستويات.
وقال إن قيمة هذا التحرك تكمن في بناء الخيارات قبل وقوع الأزمات، بحيث تصبح الدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والشراكات الدولية جميعها مكونات للقدرة على الصمود والأمن القومي.
ولفت الدعجة إلى أن اتساع الاضطرابات الإقليمية يزيد من أهمية الأردن كشريك أمني وسياسي لأوروبا، مؤكدا أن المملكة لا تسعى فقط إلى الحد من تداعيات الأزمات المحيطة بها، وإنما إلى "أن تكون جزءا من هندسة الأمن والاستقرار في المنطقة".