عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Feb-2026

ضمّ الضفة الغربية يهدّد الأردن والفلسطينيين|لميس أندوني
العربي الجديد-
 
ليست قرارات الحكومة الاسرائيلية المعلنة أخيراً رمزية، وليست من باب التهديد، بل هي خطوات مفصلية في خطّة ضم معظم أراضي الضفة الغربية، بما يعني مصادرة الأراضي، ووضع مدن وقرى تحت خطر التهديم والتهجير، فهي تكملة للمشروع الصهيوني العنصري الكولونيالي الذي بدأ قبل أكثر من مائة عام، وليست مجرّد وليدة أفكار مجموعة متطرّفة وصلت إلى الحكم في إسرائيل. وهي قراراتٌ تهدّد الفلسطينيين والأردن معاً. فالتهجير حلقة من تفريغ الأرض واستكمال التطهير العرقي للفلسطينيين، وهي أيضاً تهدّد استقرار الأردن، سواء بطرد أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأردن أو من تمدّد الجيش الإسرائيلي عبر نهر الأردن بحجة حماية أمن إسرائيل، كما فعلت في سورية ولبنان.
 
التحرك الإسرائيلي أخيراً، وإن لم يوافق عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب كما يدّعي، يفرض وقائع جديدة تمهد لضم أراضي مناطق في الضفة الغربية، ويلغي السلطة الإدارية والأمنية التي منحها اتفاق أوسلو للسلطة الفلسطينية، ويشطب القانون الأردني الذي يمنع بيع عقارات وأراضٍ عربية لليهود، خشية ضمّها إلى إسرائيل. إذ يعتبر القانون الإسرائيلي أي أراضٍ أو ممتلكات يشتريها يهود جزءاً من إسرائيل. ولذا، كان القانون الأردني صارماً في نصه، فجريمة بيع الأراضي لليهود في الأردن والضفة الغربية يطاولها حكم الإعدام.
 
خطر الضم الإسرائيلي الضفة الغربية كان ماثلاً دائماً، وبدأت إسرائيل عملياً بتنفيذه بعد حرب 1967 حين أعلنت ضم القدس الشرقية المحتلة، تلاها بدء مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في قرار اتخذته حكومة حزب العمل الإسرائيلي، التي كانت تقدّم نفسها معتدلة، واحتفى الغرب بقادتها، ومنهم شمعون بيريز، أنهم رسل سلام. فالاستيطان الإحلالي جوهر الحركة الصهيونية، وليس قفزة مشوّهة "اخترعها" غلاة اليمينيين، مثل وزير المالية والأمن الإسرائيلين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وهما عملياً المسؤولان عن توجيه هجمات المستوطنين على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، بما في ذلك ترويع الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948. لكن المشروع الصهيوني وصل إلى مرحلة اندفاع غير مسبوقة في استعجاله عملية الضم، وذلك يتطلب إنهاءً تدريجياً للسلطة الفلسطينية ولأي نفوذ أو سلطة إدارية أردنية، وبخاصة على رعاية المقدّسات الإسلامية والمسيحية، فحتى لو اعتبرنا السلطة الفلسطينية متخاذلة أو متواطئة، وانتقدنا تباطؤ أو عجز الأردن في التحرّك عالمياً لمواجهة اعتداءات المستوطنين والجيش الإسرائيلي على المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي بشكل خاص، لا بد من الوعي والتحذير من تداعيات إنهاء الدور الأردني أو أي سلطة إدارية ومعنوية أردنية على المقدّسات في القدس والضفة الغربية، فوجود إدارة أردنية، ونتحدّث هنا عن الدولة والقصر الهاشميين، بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، عوائق حقيقية لبسط سيطرتها الكاملة، خصوصاً أن هدم المسجد الأقصى هدف يجاهر به المستوطنون.
 
الدور الأردني في رعاية المقدسات، بغضّ النظر عن الخلافات، يبقى دوراً عربياً مسلماً، لدولة لها تمثيل وحضور دولي واسع وتعتبر المقدسات جزءاً من إرث العائلة الهاشمية المالكة
 
هنا تجب الإشارة إلى نقطتين: الأولى، أن الدور الأردني في رعاية المقدسات، بغضّ النظر عن الخلافات والاختلافات التاريخية بين منظمة التحرير الفلسطينية والأردن بشأن تمثيل الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، يبقى دوراً عربياً مسلماً، لدولة لها تمثيل وحضور دولي واسع وتعتبر المقدسات جزءاً من إرث العائلة الهاشمية المالكة. ... وفي هذه المرحلة، يأخذ معنى أهم في مواجهة المخططات الإسرائيلية، بعيداً عن إذكاء أي خلافات أو اختلافات، ولكن يجب أن يكون توافقاً واتفاقاً واضحاً مع السلطة الفلسطينية، ويبدو أن هذا موجود، غير أنه يجب أن يكون ضمن رؤية دفاع عن الضفة الغربية والقدس والمقدسات، ومطالبة الدول العربية والإسلامية بدعم الطرفين.
 
النقطة الأخرى، أن الدفاع عن الأقصى في القدس والحرم الإبراهيمي في الخليل، وكذلك المقدسات المسيحية، وقد رأينا كيف استهدفت إسرائيل الكنائس في قطاع غزة، مهمة وطنية لمنع تهويد الضفة ومحو الهوية والتاريخ الفلسطيني، وهو ما يجري في الضفة وقطاع غزة معاً، فالهدف الإسرائيلي إبادة جزء من الشعب الفلسطيني وشطب هويته وتاريخه.
 
إثارة تاريخ الخلاف على تمثيل الضفة الغربية سيعطل من الجهود المشتركة، ويضر بنسيج المجتمع الأردني وبصمود الفلسطينيين على أرضهم
 
فكون أهم مقدسات مسيحية وإسلامية موجودة في فلسطين، هو ما يستدعي تدميرها، وبخاصة هوية المسجد الأقصى، وكذلك تهويد الحرم الإبراهيمي ومسح الطابع الوطني للكنائس المسيحية، التي تمكنت، مثل مثيلاتها الإسلامية، من الإفلات من السيطرة الصهيونية السياسية والذهنية. أي إن الدفاع عن المقدّسات واجب وطني، يقتضيه الدفاع عن كل من فلسطين والأردن.
 
لا بد من الحديث الصريح في تقصير السلطة الفلسطينية في مواجهة المخطط الاستيطاني، فهي كانت وما زالت مشغولة بضمان بقائها وركزت تنافسها مع حركة حماس وتحجيم (وتهميش) أصوات المناضلين من داخل حركة فتح وخارجها.
 
وأيضا قصّر كل من السلطة والأردن في مواجهة، ولو بقيادة بحملة إعلامية وحقوقية عالمية، بفضح الاعتداء على المسجد الأقصى، الذي هو في قلب الخطة الإسرائيلية لتهويد القدس. فوفقاً لمسؤولين في وزارة الأوقاف الفلسطينية اقتحم الأقصى أكثر من 65 ألف مستوطن إسرائيلي في عام 2025، واستولت سلطات الاحتلال على إدارة الحرم الإبراهمي، في جزء من تقسيم نهائي لمدينة الخليل وإحكام سلطة المستوطنين هناك على المدينة.
 
يحتاج ما تقدّم خطة أردنية فلسطينية، لا تشوبها منافسة على تمثيل الضفة الغربية، التي تحاول أصواتٌ في الأردن نبشها، مع أن الملك عبدالله الثاني، ومنذ تبوئه العرش، لم يسع، بالتصريحات أو بخطوات عملية، إلى بسط نفوذ الدولة الأردنية على الضفة الغربية، فيما عدا التمسّك برعاية المقدسات، المتفق مع الفلسطينيين عليها، فإثارة تاريخ الخلاف على تمثيل الضفة الغربية سيعطل من الجهود المشتركة، ويضر بنسيج المجتمع الأردني وبصمود الفلسطينيين على أرضهم، فالفلسطيني في الضفة الغربية وكل أراضي فلسطين يعتبر الأردن عمقه الأمني والسياسي، وصلته بمحيطه العربي وأهله. وتخريب هذه العلاقة يضيق عالم الفلسطيني المحاصر على أرضه، والتهديد اليومي من جيش يجول ومستوطنون يدمّرون ويروّعون من يستهدفه بن غفير وسموتريتش، الذي يحلم ويعمل على تحقيق "خطة الحسم" التي أطلقها عام 2017، بغرض تسريع ضم الضفة وتبنته الحكومة الإسرائيلية وتُسارع في اتخاذ قرارات للمضي بها مهما كان الثمن على الفلسطينيين والأردن.
 
يريد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس البقاء على أرضه، وادّعاءات إسرائيل بأن الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين لن تمرّ
 
المهم هو الوعي الفلسطيني الأردني لهذا التحدّي، الذي يتطلب ثقة متبادلة، والأهم الوعي الكامل لأهداف المخطّط الإسرائيلي الواضح، والأكثر أهمية ألّا يؤدّي إلى التفريق بينهما، فهي معركة في مواجهة إسرائيل، ويجب أن لا تنقلب إلى صراع هوياتي فلسطيني أردني، فالفلسطيني في الضفة الغربية والقدس يريد البقاء على أرضه، وادّعاءات إسرائيل بأن الأردن هي الوطن البديل للفلسطينيين لن تمرّ، والحكومة الإسرائيلية ترى في كل من الفلسطينيين والأردنيين أعداء، وهي لا تنسى أن الشعب الأردني، بغض النظر عن الأصول، وقف ويقف مع فلسطين، ولن تنسى أن الشباب الأردنيين الذين حاولوا التسلل، تاريخياً، عبر نهر الأردن أو تهريب السلاح إلى المقاومة في فلسطين في جلّهم من أبناء العشائر الأردنية.
 
أخطر ما يمكن حدوثه مساواة مواجهة التهجير بالتحريض على الفلسطينيين في الأردن. يجب أن لا تُعطى المنابر لهذه الأصوات التي تحذر من الفلسطيني وكأنه العدو، بحجّة الدفاع عن الهوية الأردنية. بل ما يجب فعله هو الضغط على كل من السلطة الفلسطينية والدولة الأردنية لمواجهة التحرّك الإسرائيلي، وعدم التراخي بحجّة أن حرب الإبادة انتهت، وأن وضع قطاع غزّة آيل إلى التهدئة، وأن عملية إعادة البناء مسألة وقت، وكلها أوهام في ظل سيطرة مجلس ترامب الاستعماري على غزّة.
 
في الضفة الغربية، كما في الأردن، مع اختلاف الأوضاع، إطلاق الحريات العامة ومشاركة الفعاليات والهيئات الشعبية والمهنية أساس بناء جبهة المواجهة، فالاعتماد على رضا واشنطن وتوفية شروطها هو طريق التفتت بل والهلاك الذي حذّر منه الملك عبد الله الثاني نفسه في أكتوبر/ تشرين الأول الفائت، فكبت الحريات لا يفضي إلى فتح ثغرة لنشر وعي مشوّه يقوّض اللحمة الأردنية الفلسطينية ويفتح ثغرة للعدو.