بيروت لا تموت... «ست النشر والكتاب»* حمزة عليان
الجريدة -
التقيت عدداً من أصحاب دور النشر والمكتبات والمطابع في بيروت، وتلك الزيارات جزء من برنامج عمل ألتزم به كلما سنحت لي الفرصة.
عاصمة النشر والكتاب تبقى عروس المنطقة، فهي تضج بالحيوية والنشاط الثقافي والفكري، نظراً لبيئة الحريات من جهة، ولدورها وإرثها التاريخي والمتجدد.
الدبلوماسي والكاتب د. خالد زيادة يمنحك الكثير من الحوافز التي تدفعك للقراءة، فالحديث معه من قلب بيروت، حيث يدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وكتابة «حوارات في الثقافة والتاريخ» يفتح لك نافذة جديدة عن دور «المثقف التنويري» الذي انتهى عصره، في موازاة كتاب آخر له عن «كاتب السلطان - حرفة الفقهاء والمثقفين».
لم يشأ أن نودعه قبل تزويدنا بمجموعة من الإصدارات الصادرة عن المركز، وهو الذي يقوم بالطباعة والتأليف معاً، إضافة إلى كتاب يعني له الكثير عن أبناء طرابلس، وهم رواد ونهضويون خرجوا من عاصمة شمال لبنان يضم سيرة 14 شخصاً تناولهم عدد من الباحثين.
وتبقى رشا الأمير علامة فارقة في عالم النشر والكتابة، فدار الجديد التي جمعتها مع شقيقها لقمان سليم قبل اغتياله، ضخّت فيها روحاً متوقدة، فالناشر هنا يمارس مهنة التأليف التي يعشقها وليس من باب التجارة، وأصدرت مؤلفات يغلب عليها سمة التمرد على المألوف، إذ راحت إلى حيث لا يجرؤ الآخرون على الذهاب إليه، كتب ومؤلفون بأنماط بحثية تعمل على تشريح الاستبداد والأنظمة الدكتاتورية، وهي أقرب إلى موقع الرأي الآخر والمختلف تماماً عمّا هو سائد، خاصة عهد الأسد وعبدالناصر، وهي اليوم تشرع بإصدار سلسلة تحت عنوان «لا للاغتيالات السياسية... نعم للعدالة»، وهو مشروع سيتناول عدداً من الذين قتلوا على أيدي مجرمين من دون أن تطولهم العدالة ومعرفة الجاني والمحرّض.
وأنا في قلب بيروت دخلت مكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر، واخترت مجموعة المفكر البولندي زيغمونت باومان تحت عنوان «السيولة»، وهي ثمانية عناوين، اشتريت واحدة منها؛ «الثقافة السائلة» يختصر فكرة الكتاب بالقول:
«انتقلت الثقافة من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، كذلك إلى عالم السلع الاستهلاكية، فانسحبت الدولة من دعمها للثقافة، وبدلاً من دعمها صارت عائقاً أمام الثقافة الحقيقية، حيث اقتصر اهتمامها على توظيف الثقافة والإعلام في تزييف الوعي».
وفي مؤسسة الدراسات الفلسطينية العريقة، كانت لي جلسة مطولة مع الباحث أيهم السهلي ولقاء مديرها العام رامي الريس، اللذين أبديا تطلعاتهما بتوسيع دائرة العلاقات مع الكويت والخليج العربي والدعوة إلى رجال الأعمال والمهتمين بالقضية الفلسطينية بوقفة كريمة مع مؤسسة بحثية علمية ومستقلة عن أي نظام أو تنظيم، فالإصدارات التي تدفع بها إلى المكتبات والرأي العام العربي والعالمي لها مكانة وتقدير من النخب المثقفة والجامعات، وفعلاً وجدت في أحدث الإصدارات ما يواكب ما تتعرّض إليه فلسطين والعرب، ما هو جدير بالقراءة، مثل كتاب كنيسة القيامة وجريدة القدس وما يحدث في غزة، وهذه المؤسسة لا تزال تحافظ على مكانتها ودورها انطلاقاً من بيروت، حيث ولدت فيها ونمت وكبرت ولا تزال حتى اليوم.
في هذه الجولة كان لا بُد أن نحط الرحال في دار الصديق والزميل نزيه كركي، ابن مهنة الصحافة والطباعة الذي تشهد له بيروت وعواصم عربية، فمؤسسة نقيب المطابع السابق صمدت وعملت وأكملت مهمتها بأن أصبحت إحدى منارات الطباعة والنشر، خرجتُ منها بعد حديث شيق وممتع مع صاحبها بصندوق كرتون من الإصدارات الجديدة التي تحتاج إلى أشهر لقراءتها.
تلك هي مشاهد وانطباعات عن «سِتّ النشر والكتاب» في العالم العربي... بيروت التي لا تموت.