عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Aug-2025

الفضاء العام.. من المشاركة إلى وهم الوعي*موفق ملكاوي

 الغد

كتبت الصديقة والزميلة تمارا خزوز إدراجا على صفحتها في "فيسبوك"، حول ما يمكن تسميته غياب أسس الحوار في أي قضية يمكن طرحها في الفضاء العام، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكن لهذا الأمر أن يتحول إلى "سوء أدب" في طبيعة الحوار نفسها، ينقله من مجرد طريق للكشف عن الحقيقة، إلى انطلاق مخزون هائل من الاتهامات والشتائم والسباب.
 
 
تقول خزوز "الحديث في الشأن العام في هذا البلد شائك ويحتاج إلى جلد سميك. تنتقد الدولة تصنف (معارضة)، تنتقد المعارضة تصنف (دولة)، تنتقد فساد المسؤول تصبح بطلا. تنتقد فساد المواطن تنهال عليك تعليقات لها أول وليس لها آخر. بعض التعليقات مدرسة في الأخلاق والدماثة وبعضها الآخر يتضمن فجاجة لا توصف". انتهى الاقتباس.
إن ما تتحدث عنه الزميلة هنا، أفرزه تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منبر للنقاش العام حول كل شيء، لتصبح النقاشات السياسية حدثا يوميا. ورغم أكثر من عقدين على شيوع استخدام هذه المنصات لإثارة النقاشات حول الشأن العام، فهل يمكن لنا الادعاء أن النشاط والوعي الاجتماعي والسياسي قد تأثرا إيجابا، وهل تنشئ هذه المنصات حوارا مثمرا، أم أنها أفرزت ظواهر سلبية طغت على كل شيء؟
خلال الفترة الماضية، مثّل الإنترنت وما أفرزه من أشكال عديدة للتلاقي الفكري، بديلا للمؤسسات الإعلامية التي احتكرت التعبير خلال عقود طويلة، وهو ما أتاح النشاط السياسي لأفراد الطبقات جميعها، خصوصا  المتوسطة، التي شعرت بالرضا عن وعيها الاجتماعي بواسطة أشكال تعبيرية لا تتطلب جهدا كبيرا، وأحيانا بواسطة فكرة "ثقافة الإلغاء"، التي تكون غير معنية بنقاش الفكرة نفسها، بل بالقفز نحو إلغاء الشخص نفسه، والفوز عليه بـ"الضربة القاضية" عن طريق سيل من الاتهامات والشتائم.
جزء من هذا السلوك الفج على مواقع التواصل، يتأتى من شعور بالنقص لدى العامة، وهو شعور تأسس على مدى سنوات من الإقصاء عن الخوض بالشأن العام، والذي كان حكرا على طبقة معينة من الكتّاب والسياسيين والنخب، بينما تحول الوضع فجأة ليصبح متاحا للجميع،  لذلك، أرادوا استغلاله "أوسع" استغلال، وأن يتم التأكيد على أنهم قادرون على الإسهام في هذا الحوار، وأيضا قادرون على أن يكونوا مؤثرين فيه، حتى لو كان ذلك عن طريق الإلغاء والاغتيال والاتهام والشتائم والسخرية.
ورغم أن بنية وسائل التواصل الاجتماعي مصممة لتعظيم التفاعل وليس لتعزيز التفاهم، كما يرى خبراء، وأن الخوارزميات تفضل الإثارة على الحقيقة، إلا أن الكتّاب والأكاديميين والسياسيين المحترفين الذي يلجأون لهذه المواقع، يكونون قادرين على حفظ الخيط الرفيع بين مناقشة الوصول للحقيقة، وبين "إثارة الخوارزميات"، لكنهم بالتأكيد لا يكونون قادرين على ردع "طوفان العوام" الذي يريد المشاركة في "الحفلة"، لكي يثبت أحقيته في النقاش العام، وهو الأمر الذي غالبا ما يتبدى بـ"سفسطائية" واضحة، أو من خلال "انهيار السياق"، أو احتكار الحقيقة.
تتشكل الهوية الرقمية للمساهمين في النقاش العام على وسائل التواصل من ثقافة مؤثرين وغضب ناتج عنها، ومن طبيعة القضايا المطروحة، وخلفيات المنخرطين فيها، وهي في مجملها خليط غريب، ومن الصعب على إنسان غير متمرس أن يعتبرها مكانا جيدا ليكون شخصا حقيقيا فيه. 
لكن المسألة لا تتعلق بالخوارزميات، ولا بمفهوم انهيار السياق فقط، بل بأمية وسوء خلق يتجليان بوضوح في جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الأمية التي لا تعترف بحدود وعيها، ولا بمواردها وإمكانياتها المحدودة، بل تنطلق من الادعاء بقدرتها الكاملة على "التأثير" في سياق النقاش بما لديها من "معرفة"، وهي معرفة فقيرة بالتأكيد، يعبر عنها أميون وإقليميون وعنصريون ومرضى نفسيون وجهلة يعتقدون بعبقريتهم، وهم على استعداد للخوض بكل ما يتم طرحه، لإثبات الأحقية والندية.