عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Mar-2026

"يوميات ساعة رملية" لحسن جلنبو: حكايات من التأمل والحنين

 الغد-عزيزة علي

 صدر ديوان شعري جديد بعنوان "يوميات ساعة رملية"، للشاعر والناقد حسن عطية جلنبو، عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، وبدعم من وزارة الثقافة. ويقدم الديوان تجربة شعرية تتأرجح بين الحنين إلى الماضي والتأمل في المستقبل، وتستند إلى لغة عذبة ورؤية وجدانية عميقة، تمزج بين شعر التفعيلة والقصيدة العمودية.
 
 
يكشف الديوان، الذي جمع بين قصائد التفعيلة والقصيدة العمودية، عن شاعر يتخذ من اللغة بيتا ومن الشعر رفيقا، فيجعل منه وسيلته لفهم العالم والتعبير عن خلجات النفس وهواجسها. كما بين وزير الثقافة الأسبق الدكتور صلاح جرار بمقدمة نقدية قرأ فيها أبرز ملامح التجربة، مشيرا إلى حضور الزمن بوصفه القضية المركزية التي تتجلى منذ عنوان الديوان، وإلى هيمنة مفردة الحنين بما تحمله من أبعاد مكانية وإنسانية واسعة.
يتوقف جرار عند تعلق الشاعر بالصباح رمزا للبدايات والأمل، وعند انشغاله بالجمال في الإنسان والمرأة والطبيعة واللغة، مع ما يرافق ذلك من مسحة حزن رصين يضفي على الغزل وقارا وعمقا. ويبرز في الديوان أيضا حضور الشعر ذاته كقضية تشغل الشاعر، لا بوصفه أداة تعبير فحسب، بل بوصفه صديقا وهاجسا ومجال مساءلة، إلى جانب استلهام واضح للموروث الديني والأدبي في صياغة تجربة معاصرة تنفتح على الهم الوطني والقومي والإنساني.
ويقول جلنبو إن هذا الديوان "ليس توثيقا للحظات العشق والفقد، بل هو ضربٌ من الغزل على الرمل الهارب، وحكاياتٌ من التأمل والحنين والانكسار الجميل.
إنه وقوفُ القلب على حافة الانتظار، حيث تتداخل الأزمنة والذكريات، وتغدو القصائد رسائل مؤجلة كتبتها الروح على مهل، في مواجهة الغياب والوقت والحب الذي لا يكف عن التشكل.
هنا لا شيء ثابت سوى النبض، ولا يقين سوى اللغة... اللغة التي تقطر شوقا، وتبحث عن المعنى بين ظلال الضوء والريح".
فيما كتب وزير الثقافة الأسبق الدكتور صلاح جرار في المقدمة للديوان، أنه إذا كان الكلام مفتاحا لشخصية المتكلم، فإن الشعر هو السبيل إلى معرفة ما ينبض به قلبه وما يختلج في عقله. ويشير إلى أن الشاعر والناقد حسن عطية جلنبو، الذي تتسم شخصيته في ظاهرها بالهدوء، لا يمكن الوقوف على ما يدور في خاطره إلا بقراءة قصائده أو الاستماع إليه وهو ينشدها في مجالس الأدب والشعر.
ويضيف جرار: "لقد سعدتُ أنا وصديقي الشاعر سعيد يعقوب بإصدار مجموعة من الدواوين الشعرية التي شارك فيها شعراء عرب بارزون من مختلف الأقطار العربية، وكان الشاعر حسن جلنبو من أوائل الذين لبوا نداء المشاركة".
ويشير جرار إلى أن جلنبـو شارك في دواوين عدة، هي: "رباعيات جنين"، (2023)، و"طوفان الأقصى"، (2024)، "سلام على الشهداء"، (2025)، حيث كان له حضور مميز يؤكد التزامه الصادق بالقضايا الوطنية والقومية والإنسانية.
ويبين جرار أن الديوان الجديد "يوميات ساعة رملية"، يمزج بين قصائد شعر التفعيلة والشعر العمودي، وهي نصوص رشيقة ومتوسطة الطول. ويحمل العنوان دلالات تكشف عنها قصائد الديوان، وهو في الأصل عنوان إحدى قصائده، ولعلها الأطول بينها، والأكثر تعبيرا عن رؤية الشاعر وهمه الذي يؤرقه.
ويرى جرار أن القضية الأولى التي تشغل بال الشاعر في هذا الديوان، وتتجلى منذ العنوان، هي قضية الزمن؛ ذلك الزمن الذي يمضي سريعا، فيجعل الماضي أكثر بُعدا وتواريا. لذلك جاءت الكلمة المحورية في البيت الأول من المقطوعة الأولى: "الحنين"، لتشير إلى فضاء واسع وممتد، يحتضن كل ما يعمر ذاكرة الشاعر المكانية والإنسانية.
ومن هنا يتبدى سر تعلق الشاعر بالصباح، بوصفه رمز البدايات ومجال الانبعاث. فمن بين ست وأربعين قصيدة يضمها الديوان، حملت قصيدتان عنوانين على صلة مباشرة بالصباح: "قهوة الصبح"، "صباح الخير". كما تكررت مفردات الصبح والصباح والفجر عشرات المرات في ثنايا النصوص، في مزج دلالي بين الحنين إلى الماضي بوصفه زمن البدايات، والتطلع إلى المستقبل بوصفه أفق الأمل.
ويوضح جرار أن الشاعر في ديوانه الجديد لا ينسى فضل الشعر عليه؛ فهو الوسيلة التي تعينه على التعبير عن حنينه وآماله وسائر مشاعره. لذلك يتخذه صديقا يصونه ويرعاه ويؤانسه، بل ويعاتبه عتاب الصديق لصديقه. ويتجلى ذلك في عدد من القصائد التي تحمل عناوين دالة، منها: "شاعر قنوع"، "اجتياح شعري"، "رقية شعرية"، "عتاب شديد للشعر"، "حيرة الشعر"، "تعويذة شعرية".
ومن هنا، لم يكن الشعر في هذا الديوان مجرد أداة للتعبير عن مكنونات النفس من مشاعر وآراء ورؤى، بل غدا-إلى جانب ذلك-قضية تؤرق الشاعر وتشغله، وهو أمر غير مستغرب ما دام الشاعر ناقدا أيضا، يعيش الشعر ممارسة وتأملا وتقويما ومن وفائه للشعر أن جعل الشاعر قصيدة الافتتاح شعرا عموديا في ثمانية أبيات، تعبيرا عن عمق ثقته بالشعر وتعلقه به.
ويلاحظ في الديوان كذلك استلهام الموروث الديني والأدبي والثقافي، وهو ملمح بارز في كثير من قصائده، كما في دواوينه الأخرى. ففي قصيدته "حيرة الشعر"، التي يقول في مطلعها: "يحار الشعر فيك ولا يفيني/كلامي حين يغلبني حنيني".
تتبدى أصداء واضحة من التراث الشعري العربي، بما يذكر بمطلع قصيدة المثقب العبدي: "أفاطم قبل بينك متعيني/ومنعك ما سألت كأن تبيني". وهو استحضار جميل وبديع يشي بوعي الشاعر بالتراث، وقدرته على محاورته واستثماره في سياق معاصر.
ويرى جرار أن انشغال الشاعر بالحنين إلى الماضي، وتأمله في المستقبل، هو في جوهره انشغال بكل ما هو جميل. لذلك نراه يتغنى بالجمال في مظانه المختلفة: في الإنسان، ولا سيما المرأة، وفي الزمان والمكان، وفي اللغة والطبيعة. غير أن هذا التغني يظل مشوبا بحزن دفين وألم خفي، ما يضفي على غزله مسحة من الوقار والاحتراس.
أما لغة الشاعر، فيصفها جرار بأنها لغة طيعة وعذبة، تسعفه في التعبير عن مختلف أحواله، وخلجات نفسه، وخطرات فكره. ويؤكد أن ديوان "يوميات ساعة رملية"، عملٌ إبداعي جدير بالتأمل والقراءة، مثلما هو جدير بالإشادة والثناء والتقدير.
وفي القصيدة التي تحمل عنوان الديوان "يوميات ساعة رملية"، يقول فيها الشاعر "وكساعة رملية تقسو على الزمن البطيء/فتلعن الأوقات والساعاتِ والأحداث/ثم تعيد ترتيب لدقائق من جديد/كي تظل دقيقةُ الأحلام خمس دقائق/ودقيقةُ الشوق اللعين دقيقة/ودقيقةُ الأحزان نصف دقيقة/فتعود تنتظر البداية مرة أخرى/لتبدأ رحلة الوقت العقيم".