الدستور
أنا أخاف شيئًا واحدًا: أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر إلى الأبد لا يمكن أن ينهض ثانية. قل لهم: احرصوا على ألا تُهزموا إلى الأبد - رواية الخيول البيضاء، إبراهيم نصر الله.
في عام 2011، حطّم الفلسطينيون رقمًا قياسيًا عالميًا بإطلاق أكبر عدد من الطائرات الورقية على شاطئ غزة، وذلك خلال مخيم صيفي نظمته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
وفي عام 2024 أوقفت الولايات المتحدة تمويلها للوكالة، بينما اعتبرها الكيان الصهيوني منظمة إرهابية، وألغى الاتفاقيات المبرمة معها، وأخلى مقراتها. كما هُدّد أطفال غزة بالقتل إذا ما أطلقوا حتى طائرة ورقية واحدة، رغم أن هذه الطائرات تُعد من الألعاب القليلة المتبقية التي تمنحهم لحظات من الفرح، في وقت باتت فيه حتى ابتسامة الأطفال ومظاهر سعادتهم مصدر استفزاز للصهاينة يستحق القتل.
وقبل أيام، استشهد طفل يبلغ من العمر أربعة أعوام، بعد أن أطلق الجيش صواريخ على مستودع في منطقة الوايدة بالقرب من شارع صلاح الدين، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين، من بينهم الطفل عبد السلام طه، وذلك في سياق الرد على إطلاق الطائرات الورقية.
بعدها خرج مجرم الحرب نتن ياهو ووزير دفاعه كاتس مهددين باستهداف أي منطقة تُشاهد فيها الطائرات الورقية في غزة، في تصعيد يكشف أن الاستهداف يشمل كل شيء، حتى أبسط مظاهر الفرح واللعب لدى الأطفال.
دولة نووية تمتلك أكثر الأسلحة تطورًا في العالم، وتتلقى مليارات الدولارات، وتصلها إمدادات عسكرية بلا حدود، وتحظى بحماية حاملات الطائرات، ترى أن أطفالًا صغارًا يطيرون طائرات ورقية يشكلون تهديدًا لأمنها القومي، وأن مواجهة هذا التهديد تكون بقتلهم، وكأن دماء عشرات الآلاف من الأطفال لم تكن كافية لإرواء عطشهم للدماء.
لم يخرج أي مسؤول أجنبي للتنديد باستهداف الأطفال الذين يطلقون الطائرات الورقية، بل على العكس، جرى التعامل مع الأمر وكأنه مسألة طبيعية، وكأن هذا الفعل يشكل تهديدًا يستحق الموت، وكررت وسائل الإعلام الأجنبية الرواية ذاتها، التي تزعم أن حماس تدير الطائرات الورقية، وهي الرواية نفسها التي استُخدمت ذريعة لتبرير تدمير المستشفيات والمخابز ومحطات المياه، وقصف وحرق خيام النازحين.
فعلى سبيل المثال، جاء عنوان هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إسرائيل تحذّر من رد قوي على الطائرات الورقية التي تُطلق من غزة»، فقد نُسب إطلاق الطائرات الورقية إلى جهة مجهولة، وكأنه عمل عسكري منظم، مما قدّم المشهد باعتباره مواجهة أمنية، وبالتالي صُوّر استهداف الأطفال وتحويل أجسادهم إلى أشلاء بالقنابل وكأنه رد طبيعي ومبرر.
إن منع أطفال غزة من إطلاق طائراتهم الورقية، وحرمانهم من إحدى المسرّات القليلة المتبقية لهم، لا يمكن فصله عن محاولة كسرهم نفسيًا ومعنويًا، وعن سياسة تهدف إلى جعل غزة منطقة غير قابلة للحياة، وحرمان أهلها من أبسط حقوقهم الإنسانية.
إن الجرائم اليومية في غزة، والإفلات من العقاب والمساءلة، ودعم وتشجيع من بعض الحلفاء، تكشف حجم الفساد والوحشية والظلم في هذا العالم. فالمأساة لم تتوقف؛ إذ تشير الأرقام المتداولة إلى استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين منذ دخول وقف إطلاق النار المعلن، وسط استمرار المعاناة الإنسانية.
فحتى الفرح البسيط الذي تحمله طائرة ورقية في يد طفل أصبح، في غزة، فعلًا يُعامل كأنه تهديد، وكأن الهدف لم يعد فقط هزيمة الإنسان، بل خطف ابتسامته.