الكرك في مرآة العالم.. رفض للإرهاب ورسالة تضامن لحماية استقرار الأردن
الغد-إيمان الفارس
من الكرك، حيث تركت الجريمة الإرهابية وجعها وأسئلتها، انطلقت رسائل الإدانة والاستنكار العربية والإقليمية والدولية، حاملة موقفا واضحا يرفض الإرهاب واستهداف الأبرياء، ويؤكد الوقوف إلى جانب الأردن في مواجهة جريمة تمس أمن المجتمع وطمأنينته.
ولم تكن هذه المواقف مجرد بيانات تنديد بحادثة مؤلمة أو تعبير عن المواساة، بل حملت في مضامينها رسالة أعمق مفادها أن استهداف الإنسان هو اعتداء على المجتمع بأكمله، وأن حماية الأردن وأمنه واستقراره تكتسب أهمية تتجاوز حدوده.
وفي قراءة ما حملته هذه الإدانات من رسائل، يرى خبراء سياسيون وإستراتيجيون، في تصريحات منفصلة لـ"الغد"، أن تقاطع المواقف العربية والإقليمية والدولية يكشف عن دلالتين متلازمتين؛ إنسانية تنطلق من رفض العنف والإرهاب وانتهاك حرمة الحياة والعبادة، وإستراتيجية تعكس إدراكا لأهمية استقرار الأردن في منطقة تتقاذفها الأزمات والصراعات، وتتشابك فيها التهديدات الأمنية وتتجاوز آثارها الحدود.
وبين ألم الجريمة ووقع الإدانات، تتجاوز الرسالة حدود التعاطف مع الضحايا إلى التأكيد على حق الأردنيين في الحياة الآمنة والتعايش، ورفض كل ما من شأنه بث الخوف أو زرع الانقسام في المجتمع.
فبحسب قراءات الخبراء، لا تنبع أهمية التضامن من توقيته أو اتساع نطاقه فحسب، بل من المعاني التي يحملها؛ إذ يجمع بين الانحياز الإنساني لضحايا الجريمة والإدراك السياسي والإستراتيجي بأن صون أمن الأردن ووحدته الوطنية يمثلان جزءا مهما من استقرار المنطقة.
ومن هنا، تبرز ضرورة ألا تبقى الإدانة في حدود الكلمات، بل أن تتحول إلى تعاون فعلي في مواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه والتصدي للفكر المتطرف، بما يحمي الإنسان ويحول دون استغلال المآسي لتهديد المجتمعات واستقرارها.
وتشير قراءات المختصين إلى أن تقارب المواقف العربية والدولية، يعكس إدراكا لطبيعة التهديد، ولأهمية حماية التعايش والوحدة الوطنية في الأردن، الذي واجه على مدى سنوات ارتدادات أزمات إقليمية متلاحقة.
ويبين الخبراء أن التضامن لا يكتمل بمجرد التعزية والإدانة؛ فقيمته الحقيقية تظهر حين يتحول إلى تعاون عملي في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، وتجفيف منابع التطرف، والتصدي للتحريض، مع احترام القانون وضمان العدالة.
ويرى المختصون أنه بين وجع الضحايا ورسائل المساندة، تحمل المواقف المتضامنة دلالتين متكاملتين؛ إنسانية ترفض الجريمة وتتمسك بحق الناس في الأمان، وإستراتيجية تدرك أن استقرار الأردن وتماسك جبهته الداخلية عنصران مهمان في استقرار المنطقة.
تضامن ودلالات
وحول دلالات التضامن العربي والدولي مع الأردن، يؤكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الإدانات العربية والدولية لجريمة الكرك، عكست موقفا رافضا للعنف والإرهاب واستهداف المجتمع الأردني، مؤكدا أن تقارب مضامين البيانات الصادرة عن الدول يعبر عن إدراك لطبيعة الجريمة وخطورتها، وما تحمله من تهديد للنسيج المجتمعي وقيم التعايش والاستقرار في المملكة.
ويشير شنيكات إلى أن بشاعة الجريمة دفعت إلى صدور مواقف متضامنة مع الأردن، تركزت على رفض استهدافه والتأكيد على ضرورة حماية أمنه واستقراره. ويوضح أن هذه المواقف لم تقتصر على إدانة الفعل الإرهابي، بل عكست أيضا إدراكا لما يمكن أن تتركه مثل هذه الجرائم من آثار على التماسك الاجتماعي، لا سيما أن الأردن، بحسب وصفه، لم يشهد أعمال عنف بالمستويات التي شهدتها دول مجاورة.
وفي هذا السياق، يشدد شنيكات على أن التضامن مع الأردن يأتي في إطار موقف أوسع من رفض الإرهاب واستهداف المجتمعات، مشيرا إلى أن المملكة تمتلك سجلا من المواقف الإقليمية والدولية في مكافحة هذه الظاهرة، وكانت عضوا في التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش الذي بدأ العام 2014.
ويرى أن هذا الدور أسهم في ترسيخ حضور الأردن ضمن الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى مواجهة الإرهاب، وهو ما يفسر أهمية المواقف المتضامنة معه عند تعرضه لعمل إرهابي.
ويلفت إلى أن أهمية استقرار الأردن تمثل محورا حاضرا في تصريحات قادة الدول الذين يزورون المملكة، إذ تتكرر التأكيدات على ضرورة حماية أمنها والحفاظ على استقرارها.
ومن هذا المنطلق، فإن المواقف العربية والدولية الرافضة لجريمة الكرك تتجاوز الإدانة المباشرة، إلى التأكيد على رفض أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو المساس بالوحدة الوطنية.
تصريحات ورسالة
ويشدد شنيكات على أن الرسالة الأساسية التي حملتها هذه التصريحات تتمثل في أن استهداف الأردن أمر مرفوض، وأن حماية أمنه واستقراره تمثل أولوية في مواجهة التهديدات الإرهابية.
ويقول إن المواقف الدولية والإقليمية تركز على "حماية الأمن والاستقرار داخل الأردن ورفض أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو ضرب الوحدة الوطنية"، بما يعكس إدراكا لأهمية الحفاظ على تماسك المجتمع الأردني وقدرته على مواجهة التحديات.
وبذلك، يجمع التضامن مع الأردن، وفق قراءة شنيكات، بين موقف إنساني يرفض الجريمة والعنف واستهداف المجتمع، وموقف سياسي يعبر عن أهمية استقرار المملكة وصون وحدتها الوطنية؛ فالإدانة لا تتعلق بالجريمة وحدها، بل تشمل أيضا رفض ما قد تستهدفه من تهديد للتعايش المجتمعي ومحاولات للمساس بأمن الأردن واستقراره.
تفكيك المشهد
وعلى صعيد ما حملته رسائل التضامن من دلالات إنسانية وسياسية، يبين الخبير والمحلل العسكري والإستراتيجي د.نضال أبو زيد، أن قراءة جريمة الكرك وما رافقها من مواقف تضامن مع الأردن، تستدعي تفكيك المشهد إلى ثلاثة أبعاد رئيسة: إستراتيجي وتكتيكي وعملياتي، بما يساعد على فهم خلفيات الحادثة وأهدافها، إلى جانب إدراك طبيعة التحديات الأمنية التي واجهتها المملكة في ظل الاضطرابات الإقليمية المتلاحقة.
وعلى المستوى الإستراتيجي، يوضح أبو زيد أن الموقع الجيوسياسي للأردن جعله يتأثر بالأزمات المحيطة به، سواء في سورية أو العراق أو الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرا إلى أن انعكاسات هذه الأزمات لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى الواقع الأمني داخل المملكة.
ويستشهد في هذا السياق بتفجيرات عمان العام 2005، وما شهدته المملكة من محاولات وعمليات مرتبطة بامتدادات الصراعات الإقليمية، معتبرا أن ما يجري في المنطقة يترك ارتدادات مباشرة على البيئة الأمنية الأردنية.
ويؤكد أن فهم هذه الخلفيات يقتضي النظر إلى الإرهاب باعتباره ظاهرة تتغذى على الأزمات والصراعات المحيطة، وهو ما يضع الأردن أمام تحديات تتجاوز حدود المواجهة الأمنية المباشرة، لتشمل التصدي للأفكار المتطرفة والجهات التي تسعى إلى استغلال الاضطرابات الإقليمية لتحقيق أهداف داخل المملكة.
أما على المستوى التكتيكي، فيرى أبو زيد أن أحد الأهداف المحتملة للعملية يتمثل في استهداف التوافق الاجتماعي الأردني ومحاولة إضعاف تماسك الجبهة الداخلية، مشددا على أن هذا التوجه يصطدم بطبيعة المجتمع الأردني وتاريخه في التعايش والتماسك، ويقول إنه "لم يسجل في تاريخ الأردن أن حدثت عملية إرهابية أو أي مواجهة إسلامية مسيحية"، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على النسيج الاجتماعي في مواجهة محاولات بث الفرقة والانقسام.
ويضيف أن الهدف من العملية، وفق قراءته، كان "شق الصف الاجتماعي الأردني"، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، إذ أظهر التفاعل الرسمي والشعبي منذ اللحظات الأولى قدرة الأردن على امتصاص تداعيات الحادثة وتعزيز التماسك الداخلي.
ومن هنا، تبرز أهمية التضامن مع المملكة بوصفه موقفا إنسانيا في مواجهة الجريمة، ورسالة ترفض استهداف المدنيين وتهديد أمن المجتمع، كما يعكس، في الوقت ذاته، إدراكا لأهمية بقاء الأردن مستقرا ومتماسكا في منطقة تعصف بها الأزمات.
أهمية الاستقرار الأردني
وفي رأي أبو زيد لا ينفصل التضامن الدولي عن دلالته السياسية والأمنية، إذ إن مساندة الأردن في مواجهة الإرهاب تتجاوز التعبير عن الإدانة إلى التأكيد على ضرورة حماية استقراره وصون وحدته الاجتماعية.
فالمملكة، بحكم موقعها الجيوسياسي وتأثرها المباشر بما تشهده المنطقة من اضطرابات، تمثل استقرارا لا تقتصر أهميته على الداخل الأردني، بل يمتد أثره إلى البيئة الإقليمية المحيطة.
وفيما يتعلق بالبعد العملياتي ومكافحة الإرهاب، يشير أبو زيد إلى أن التعامل مع مثل هذه الحوادث لا ينبغي أن يقتصر على ملاحقة المنفذين أو كشف تفاصيل العملية، بل يجب أن يمتد إلى تجفيف منابع الإرهاب الفكرية والتنظيمية.
ويشرح أن ما يعرف في دراسات مكافحة الإرهاب بـ"سياسة التوحش"، يفرض التعامل مع البيئة التي تسمح بنمو الفكر المتطرف وانتشاره، بما يشمل الخطاب الذي يبرر العنف أو يدعمه أو يحرض عليه.
ويشدد على أن "اجتثاث الخطاب الراديكالي المتطرف" ومواجهة أشكال دعمه وتأييده، أيا كانت الجهات التي تقف وراءه، يمثلان جزءا أساسيا من جهود مكافحة الإرهاب والحد من قدرة الجماعات المتطرفة على استقطاب الأفراد وتوجيههم نحو العنف.
ومن هذا المنطلق، يربط أبو زيد بين المواجهة الأمنية المباشرة والعمل على معالجة الجذور الفكرية التي قد تفضي إلى تكرار مثل هذه العمليات.
وفي قراءته لتوقيت الإعلان عن تفاصيل العملية، يرى أبو زيد أن التأخير قد يرتبط بمتطلبات التحقيق والسعي إلى استكمال خيوط الحادثة، في إطار مقاربة أوسع تستهدف التعامل مع مصادر التهديد، وليس الاكتفاء بمعالجة نتائجها المباشرة.
ويشير أبو زيد إلى أن التجارب الأمنية التي مر بها الأردن، سواء المرتبطة بتنظيم داعش أو بجهات أخرى متطرفة، تعكس حجم التأثير الذي تتركه الاضطرابات الإقليمية على أمن المملكة.
ولذلك، فإن مواجهة الإرهاب تتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، التصدي للخطاب المتطرف وتجفيف منابعه ومنع استغلال الصراعات المحيطة لاستهداف الداخل الأردني.
وبذلك، فإن التضامن مع الأردن في مواجهة جريمة الكرك يحمل، وفق هذه القراءة، دلالتين متكاملتين؛ الأولى إنسانية تتمثل في إدانة الجريمة ورفض استهداف المجتمع، والثانية إستراتيجية تعبر عن أهمية الحفاظ على استقرار المملكة وتماسك جبهتها الداخلية، في ظل بيئة إقليمية تجعل أمن الأردن واستقراره جزءا مهما من معادلة الاستقرار في المنطقة.
المواطنة لا تتجزأ
وفي قراءة أبعاد رسائل التضامن مع الأردن، يؤكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن رسائل التضامن العربي والدولي مع الأردن عقب جريمة الكرك تجاوزت الإدانة والمواساة، لتعبّر عن موقف إنساني يرفض استهداف الأبرياء وانتهاك حقهم في الأمن وحرية العبادة، وتعكس في الوقت ذاته إدراكا لأهمية استقرار المملكة في محيط إقليمي تتشابك فيه الصراعات والتحديات الأمنية.
ويرى الدعجة أن خطورة الجريمة لا تقتصر على الضحايا، بل تمتد إلى ما قد تستهدفه من بث الخوف وإثارة الانقسام والمساس بالتعايش الديني والاجتماعي، مشددا على أن استهداف مواطنين من أي مكون هو اعتداء على المجتمع الأردني بأكمله، إذ إن "المواطنة لا تتجزأ والأمن لا يمكن أن يكون انتقائيا".
ويشير إلى أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يمثل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات الإرهاب تحويل الألم إلى فتنة، والصدمة إلى أزمة ثقة بين أبناء المجتمع.
وعلى المستوى الإستراتيجي، يوضح أن أهمية الأردن لا تنفصل عن موقعه ودوره في منطقة تواجه أزمات متلاحقة، ما يجعل الحفاظ على استقراره مصلحة تتجاوز حدوده إلى محيطه الإقليمي.
ومن هنا، فإن التضامن مع المملكة لا يعكس التعاطف مع ضحايا الجريمة فحسب، بل يؤكد أيضا ضرورة حماية أمنها ومؤسساتها وتماسك مجتمعها، في مواجهة تهديدات قد تتجاوز آثارها حدود الدولة.
التعاون بمكافحة الإرهاب
ويشدد الدعجة على أن قيمة التضامن الدولي الحقيقية تكمن في الانتقال من بيانات الإدانة إلى التعاون العملي في مكافحة الإرهاب، من خلال تبادل المعلومات وملاحقة شبكات التمويل والتجنيد، والتصدي للتحريض والتطرف العابر للحدود.
كما يؤكد أن المواجهة لا تقتصر على ملاحقة المنفذين، بل تشمل تجفيف منابع الفكر المتطرف، وتعزيز الجاهزية الأمنية، والتصدي للشائعات والمعلومات المضللة، بما يحول دون استغلال الجريمة لإثارة الخوف والانقسام.
ويبين أن الإرهاب يسعى إلى تحقيق آثار تتجاوز الجريمة ذاتها، تتمثل في "الخوف بعد الرصاصة، والشك بعد الصدمة، والانقسام بعد الحزن"، الأمر الذي يجعل حماية التماسك المجتمعي جزءا لا يتجزأ من الأمن الوطني.
وبذلك، يحمل التضامن مع الأردن دلالتين متكاملتين؛ إنسانية تنطلق من رفض الجريمة والدفاع عن حق الإنسان في الأمان وحرية العبادة، وإستراتيجية تؤكد أن استقرار المملكة ووحدتها الوطنية يشكلان عنصرا مهما في أمن المنطقة، وأن مواجهة الإرهاب تتطلب شراكة دولية تتجاوز التعاطف إلى العمل المشترك.