الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سكوت هيبارد* - (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 8/9/2026
قبل خمسة وعشرين عاماً، سيطر 19 خاطفاً على أربع طائرات ركاب أميركية، واقتحموا بها وحطموها في رموز للقوة الأميركية، في ما أسفر عن مقتل أكثر من 3000 شخص. وشاهد الشعب الأميركي الأحداث وهي تتكشف لحظة بلحظة. وكان ذلك حدثاً صادماً من الناحية العاطفية غيّر البلد بصورة حاسمة.
من بعض الوجوه، لم تكن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في حاجة إلى تفسير. كان تدمير مباني "مركز التجارة العالمي"، والخسارة الهائلة والعشوائية في الأرواح، شأنين مروّعين للجميع. لكنّ دلالة الهجمات -والدوافع التي حرّكت خاطفي الطائرات- لم تكن واضحة بنفس المقدار.
أدى السعي إلى تفسير الدوافع الكامنة وراء الهجوم، وفهم "لماذا يكرهوننا"، إلى دفع الجدل القائم مُسبقاً حول التشدد الإسلامي إلى قلب الحياة العامة الأميركية. في العقد الذي سبق 11 سبتمبر، كان مجتمع السياسات في واشنطن منقسماً حول كيفية التعامل مع الحركة الإسلامية، وخاصة المتطرفين الذين سعوا إلى استخدام العنف لفرض رؤية ضيقة من الأرثوذكسية الدينية على مجتمعات ترفضها.
كان في صميم الجدل السياسي خلال تسعينيات القرن الماضي خلافٌ حول السببية: هل الدين والأيديولوجيا هما مصدر التطرف العنيف؛ أم أن الفقر والتهميش وسوء الحكم الاستبدادي هي المسؤولة عنه؟ وكان المعلّقون والسياسيون في اليمين ينظرون إلى المسألة بطريقة تذكّر بأجواء الحرب الباردة. في نظرهم، كان الصراع مع الإسلاموية -أو "الأصولية الإسلامية" صراعاً أيديولوجياً بطبيعته، وكان يتعين مواجهته بالقوة -شأنه شأن الشيوعية الدولية. وبذلك ترتَّب على السياسة الخارجية الأميركية أن تعطي الأولوية للأمن، وأن تدعم حلفاءها الإقليميين في جهودهم للقضاء على المعارضة الإسلامية والمتطرفين العنيفين على حد سواء.
في المقابل، رفض الطرف الآخر في هذا الجدل هذه الرؤية عن "الخطر الأخضر" الجديد، ورأى أن الادعاءات الكامنة وراءها غير دقيقة ومضللة. وكان الرأي الذي طُرح آنذاك هو أن الانطلاق من مثل هذه الافتراضات المعيبة سيؤدي إلى انتهاج سياسة خارجية لا تخدم المصالح الأميركية ولا مصالح السكان العرب (والمسلمين) الأكثر تأثراً بها مباشرة. وكانت أفضل إستراتيجية للتعامل مع كلٍّ من العنف المسلح والمعارضة غير العنيفة تتمثل في التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي.
وسَعَت إدارَتا جورج بوش الأب وبيل كلينتون إلى إيجاد أرضية مشتركة وسط بين هذين المنظورين، تجمع بين معالجة الهواجس الأمنية والحاجة إلى الإصلاح. لكنّ الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر قلبت هذا التوازن رأساً على عقب. فقد أتاح وقع الصدمة والرعب اللذان خلّفهما ذلك اليوم لإدارة جورج دبليو بوش حرية واسعة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية. وفي ذلك المسعى، انحازت إدارة بوش الثانية إلى الجانب الأمني من الجدل، وإلى ما ترتب عليه من توجهات وسياسات. وكان الدافع إلى ذلك رؤية تعتبر أن هذه الحرب الجديدة على الإرهاب تمثل -شأنها شأن الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة- "صراعاً وجودياً بين الحرية والاستبداد". وفي مواجهة مثل هذا التهديد الداهم، يجب أن "تُنزع القفازات"؛ وتُرفع القيود التي كانت تكبح استخدام القوة.
أصبح كثير من الخبراء يدركون الآن أن الاستجابة العسكرية لحدَث 11 سبتمبر جاءت بنتائج عكسية. في العقدين التاليين، ازداد عدد الجماعات والمقاتلين الذين أعلنوا ولاءهم للقضية الجهادية، كما اتسعت أيضاً رقعة نشاطهم الجغرافي. وحتى مع إحراز القوات الأميركية تقدماً في مواجهة تنظيم القاعدة، ظهرت جماعات جديدة، مثل (داعش)، والتي كانت أشد تطرفاً وعنفاً. كما أظهر الانهيار السريع للحكومة الأفغانية في آب (أغسطس) 2021 -وعودة طالبان إلى السلطة- مرة أخرى حدود القوة العسكرية الأميركية.
حدث كل ذلك على الرغم من الجهود المنسقة التي بذلتها الحكومة الأميركية وغيرها للحد من التشدد الإسلامي ومواجهة أيديولوجيا التطرف العنيف. وباختصار، تفاقمت المشكلة بدلاً من أن تتحسن.
تشخيص خاطئ للمشكلة
كانت إخفاقات "الحرب الأميركية على الإرهاب" متجذرة في تشخيص خاطئ للمشكلة. فقد روّجت إدارة بوش لفكرة أن خاطفي الطائرات في 11 سبتمبر كانوا مدفوعين بكراهيتهم للقيم الأميركية، ورفضَت أي تصور يقوم على أن السياسات الأميركية أسهمت، بصورة أو بأخرى، في استنهاض المشاعر المناهضة للولايات المتحدة أو في التطرف العنيف. وقيل إنّ "هم" يكرهوننا بسبب هويتنا وما نحن عليه وليس بسبب ما نفعله.
من خلال تأطير تحدي التشدد الإسلامي ضمن خطاب الإرهاب والصراع الحضاري، تبنى قادة الحكومة الأميركية اعتقاداً شائعاً في أوساط اليمين السياسي، يرى أن "استخدام القوة [العسكرية] هو أهم عنصر في كسب الحرب على الإرهاب". وعلى هذا الأساس، ذهب صانعو السياسة الأميركيون إلى انتهاج إستراتيجية عسكرية لإحداث تغيير سياسي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا على حساب البدائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها. وهكذا انتهى الجدل الذي دار في تسعينيات القرن الماضي فعلياً بانتصار الذين كانوا يدعون إلى سياسة المواجهة.
بينما كان الهدف المعلن للإستراتيجية العسكرية الأميركية هو حرمان الجماعات الإرهابية من الملاذات الآمنة، جاءت نتائجها العملية على النقيض من ذلك. فقد أدت التدخلات العسكرية الأميركية إلى زعزعة استقرار مناطق بأكملها، وخلقت ذلك النوع من الفوضى المنفلتة من القانون الذي تزدهر فيه الجماعات المسلحة وتتكاثر. كما فاقمت التدخلات الأميركية المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، وأتاحت للجماعات المسلحة أن تقدم نفسها بوصفها مدافعين وطنيين يقاتلون عدواً محتلاً.
جسّد غزو العراق في العام 2003 هذا الاتجاه بوضوح، حيث أصبح الاحتلال الأميركي "قضيةً تستقطب الجهاديين"، وأحيا من حيث لم تقصد الولايات المتحدة الحركة المتشددة من جديد. وتُقدم السياسة الأميركية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي واليمن صورة مماثلة. في كل واحدة من هذه الحالات أوجد التدخل العسكري الظروف التي ازدهر فيها التشدد الإسلامي. وأدى ذلك بدوره إلى تبرير مزيد من التدخلات الأميركية، لتنشأ بذلك حلقة مفرغة من الصراع الدائم.
بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الإستراتيجية العسكرية الأميركية أيضاً على الأنظمة السلطوية الإقليمية في خوض "الحرب على الإرهاب". ومثّل هذا الجانب من السياسة الأميركية مفارقة أساسية. بينما قيل إن التحركات الأميركية تدافع عن الحرية، كانت وكالات الحكومة الأميركية في الواقع تعطي الأولوية لدعم الجيوش والأجهزة الأمنية التابعة لحلفاء سلطويين. ولم يُبذل الكثير لتعزيز المساءلة الديمقراطية أو حماية السكان المدنيين من الانتهاكات التي ترتكبها هذه الحكومات نفسها. وهكذا، عنت إدارة "الحرب على الإرهاب" تراجع الحريات بالنسبة للسكان الخاضعين لحكم سلطوي، كما أخفقت في معالجة العلاقة بين قمع الحكومات والتطرف.
في المُجمل، عكس إخفاق الإستراتيجية العسكرية الأميركية ميلاً إلى التركيز على الأعراض بدلاً من الأسباب. وفي حين شهدت ميزانيات وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات المختلفة وقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) توسعاً هائلاً في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، لم يتم ضخ استثمارات مماثلة في الجوانب الأخرى من عناصر القوة الأميركية. ولم يواكب ذلك أي توسع مماثل في مهمة وزارة الخارجية الأميركية أو ميزانياتها، أو في ميزانية "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID). وبدت مخصصات دعم الديمقراطية ضئيلة بالمقارنة مع الإنفاق العسكري، ولم يُبذل ما يُعتد به لمعالجة الركود الاقتصادي والتهميش اللذين غذّيا التطرف.
ومع أن هذا النهج غير المتوازن في مكافحة الإرهاب كان، في جزء منه، استمراراً لسياسة أميركية سابقة، فإنه كان أيضاً نتيجةً لنمط التفكير الذي تفرضه حالة الحرب، والذي أعطى الأولوية للقوة العسكرية على ما عداها. وكانت النتيجة "غياب الانضباط وخيبات الأمل"، حيث أخفقت العمليات العسكرية في إصلاح المشكلات، وأصبح الأميركيون يشعرون بالسأم من حروب بلدهم.
بينما نستعيد اليوم ذكرى أحداث 11 سبتمبر الرهيبة، يمكننا أن نكرّم الذين قضوا فيها بتعلّم الدرس المركزي من "الحرب على الإرهاب": الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية لا يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي. وكما هو واقع الحال في الحرب الراهنة مع إيران، أظهرت القوات المسلحة الأميركية مراراً قدرتها على تحقيق انتصارات تكتيكية -مع إخفاقها في نهاية المطاف في بلوغ الغايات الإستراتيجية.
لا يُقتصر المطلوب على مجرد إجراء تغيير في السياسة، وإنما يجب إحداث تحول في الطريقة التي تفكر بها القيادة السياسية الأميركية في المشكلات التي تسعى إلى حلها. وعلينا دَين لملايين الأميركيين الذين نشأوا في ظل 11 سبتمبر بألا نكرر أخطاء الماضي.
*سكوت و. هيبارد Scott W. Hibbard: أستاذ مشارك ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة ديبول. وهو مؤلف كتاب "الحرب الأميركية الطويلة مع التشدد الإسلامي" America’s Long War with Islamist Militancy، (سيصدر قريباً عن دار بلومزبيري)؛ وكتاب "السياسة الدينية والدول العلمانية: مصر والهند والولايات المتحدة" Religious Politics and Secular States: Egypt, India and the United States (مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 2010). كما شارك، مع ديفيد ليتل، في تأليف كتاب Islamic Activism and U.S. Foreign Policy "النشاط الإسلامي والسياسة الخارجية الأميركية" (مطبعة المعهد الأميركي للسلام، 1997).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: 25 years after 9/11, the US still doesn't know 'why they hate us'