عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Feb-2026

جوليا صوالحة رائدة الرواية الأردنية

 الدستور-طلعت شناعة

 
عادةً ما يكتب المبدع ذاته ويتنفس روحه في نصوصه، وهذا ما ينطبق على الروائية الأردنية جوليا صوالحة، التي تُعدّ من أوائل الروائيات الأردنيات اللواتي خضن غمار الكتابة السردية في سن مبكرة. انشغلت في أعمالها بمكنونات النفس البشرية، وقدّمت نموذجًا للمرأة العربية عمومًا، والأردنية خصوصًا، بوصفها كائنًا فاعلًا في مجتمع يضجّ بالتحديات.
 
تجلّى ذلك في إصداراتها خلال أواخر السبعينيات ومنتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وعندما أتيحت لي قراءة أعمالها الروائية: «سلوى»، «الحق الضائع»، «النشمي»، «هل ترجعين»، «نار ورماد»، و«اليتيمة»، الصادرة بين الأعوام (1976–1979) و(1984–1985)، والواقعة فيما يقارب ستمائة صفحة، أدركت أن هذا المنجز – رغم ظروفها الصحية – كان يمكن أن يمتد أبعد لولا ما اعترضه من معوّقات.
 
وإذا أخذنا في الاعتبار طبيعة المرحلة الزمنية التي شهدت صدور تلك الأعمال، لأدركنا صعوبة الكتابة بالنسبة لسيدة كرّست حياتها لأسرتها وأبنائها، دون أن تُقصّر في واجبها الإبداعي. فقد عبّرت عن حقبة سياسية واجتماعية بالغة القسوة، وتمكّنت بحرفية عالية من نقل تفاصيل واقع مأزوم، فجعلت من الكتابة وسيلة لمقاومة الجهل والتخلّف والقهر والأنانية، حيث كانت المرأة الضحية الأبرز.
 
اعتمدتُ في هذه القراءة على مطالعة أعمالها الروائية، وما أورده ابنها الفنان نبيل صوالحة في مذكراته «حياة خارج العلبة»، إضافة إلى كتاب «روح المرأة الريادية في الأردن» لجاكي صوالحة، بترجمة الدكتور مروان الجراح، والصادر عن وزارة الثقافة الأردنية، والذي تناول إنجازات المرأة الأردنية في مجالات متعددة.
 
يلحظ القارئ أن المرأة في أعمال جوليا صوالحة هي الضحية الدائمة، لكنها في الوقت ذاته المكافحة والمناضلة، التي تتصدى لبنية اجتماعية كرّست ذكورية متعالية، وجعلت من الأنثى هدفًا سهلًا للاستغلال. فهي اليتيمة والمسلوبة والمغلوبة على أمرها، لكنها أيضًا الأم والمربية والعاملة والمعطاءة.
 
في رواية «سلوى» (1976)، نجد البطلة التي تذود عن عائلتها بعد أن هجرها زوجها في ريعان الشباب، فتواجه الغدر والظلم، وصولًا إلى نهاية مأساوية تُجسّد قسوة الواقع.
 
وفي «نار ورماد» (1984)، تتصدى عبلة لجشع زوج ابنتها، الذي يتآمر للاستيلاء على الفندق الذي شيّدته بعرقها، فتغدو امرأة وحيدة وسط أطماع لا ترحم.
 
أما «الحق الضائع» (1984)، فتكشف كيف يقود إغراء المال إلى ظلم عفاف ومديحة، فيما تصوّر «هل ترجعين» (1979) مأساة نجوى مع زوج ساديّ يتلذذ بإيذاء الآخرين.
 
ويتجلى الوعي السياسي في «شهب ونجوم»، حيث تحضر فلسطين بوصفها قضية وطنية. وإذا كانت المرأة ضحية البنية الاجتماعية، فإن الرجل بدوره لا ينجو من الظلم؛ ففي «النشمي» نتابع شخصية عصام، الذي يسعى لتحقيق أحلامه وسط واقع قاسٍ، وتنتهي رحلته بالاستشهاد على ثرى فلسطين عام 1948. أما في «اليتيمة»، فينتصر الحب على الكراهية، والإنسانية على المادية، وتعود الروح إلى دفء الأمومة.
 
روايات جوليا صوالحة تمثل وثيقة أدبية لمرحلة أردنية اجتماعية وسياسية مهمة. فقد استحضرت العادات الشعبية ومفردات الحياة اليومية، من تحميص القهوة العربية إلى أدوات المعيشة البسيطة، مرورًا بالأمراض الشائعة آنذاك، وأحداث كالزلازل، في لغة عربية جذابة وبسيطة، جعلت السرد أشبه بأشرطة سينمائية تنبض بالحياة.
 
كما انعكس تكوينها الثقافي – وإجادتها العربية والفرنسية – في نسيج أعمالها، حيث حضرت القصائد والعتابا بوصفها جزءًا من الذاكرة الشعبية. وقد انسجمت قناعاتها الفكرية مع تربيتها لأبنائها على الصدق وحرية التفكير، فكان من بينهم الفنان نديم صوالحة، أحد أوائل الأردنيين الذين درسوا الفن أكاديميًا، ونبيل صوالحة، أحد أبرز رواد الكوميديا في الأردن والعالم العربي.
 
وُلدت جوليا صوالحة عام 1905، وتوفيت عام 1996، بعد مسيرة حافلة بالكفاح والعطاء والإبداع. وبقيت أعمالها شاهدة على زمنٍ كتبتْه امرأةٌ لم تكن تملك ترف الحياد، بل امتلكت شجاعة الحكاية.