الغد
إيريك لويس* - (الإندبندنت) 2026/9/16
في 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2001، كنتُ في لندن في رحلة عمل. وتولى أحد الأصدقاء اصطحاب أطفالي الصغار من المدرسة وإعادتهم إلى المنزل. وكان والدي، الذي كان ما يزال يعمل وهو في أواخر السبعينيات من عمره، في مترو الأنفاق متجهاً إلى مكتبه القريب من "مركز التجارة العالمي" قبل أن يعود إلى المنزل مغطى بالرماد. توقفت الرحلات الجوية الدولية لنحو أسبوع. وفي 14 سبتمر وقفتُ وسط حشد هائل في لودغيت هيل، بينما كانت وسائل الإعلام تنقل مراسم تأبين أقيمت في كاتدرائية القديس بولس في لندن.
في ذلك الحين، ندد رئيس أساقفة كانتربري بما وصفه بـ"الشر العبثي"، ودعا الناس إلى الصلاة من أجل قادة أميركا الذين كانوا يبحثون في كيفية الرد على الهجمات. وقال: "أنا متفائل بشأن الشعب الأميركي، وآمل أنه مثلما سينهض من الأنقاض، سيستعيد شعب هزته الصدمة عافيته".
وأشار إلى أنه حتى بعدما سقط البرجان التوأمان في مانهاتن السفلى، "واصلت شمس صباح سبتمبر إشراقها على تمثال الحرية، فيما بقي مشعله مرفوعاً كمنارة للأمل، ورمزاً -في نظر الملايين حول العالم- لأفضل ما في أميركا".
في ذلك الحين، خرقت الملكة إليزابيث الثانية البروتوكول، وأمرت بعزف النشيد الوطني الأميركي "الراية المرصعة بالنجوم" في قصر باكنغهام، وكذلك خلال مراسم التأبين في كاتدرائية القديس بولس. ورددت جلالتها كلمات النشيد مع آلاف الحاضرين داخل الكاتدرائية، وآلاف آخرين تجمعوا في الخارج. واختُتمت المراسم بـ"ترنيمة معركة الجمهورية". وما تزال أصوات البكاء عالقة في ذاكرتي من يوم الجمعة المشمس ذاك، فيما كانت تلك الأناشيد الشهيرة تتردد في أرجاء العاصمة التي خيم عليها الصمت.
مع حلول الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، أصبحت تلك الأحداث بالنسبة لجيل جديد جزءاً من التاريخ أكثر منها تجربة عاشها بنفسه. فهناك نحو 100 مليون أميركي لم يكونوا قد وُلدوا آنذاك -أو كانوا أصغر من أن يتذكروا ذلك اليوم.
كانت تلك لحظة استثنائية كان يمكن للأميركيين فيها أن يتكاتفوا ويحولوا الخوف والألم والغضب إلى شيء بنَّاء ومستدام وقادر على توحيدهم. لكن الرئيس جورج دبليو بوش أعلن، خلال أيام، حرباً عالمية على الإرهاب. والإرهاب، بطبيعة الحال، هو أسلوب أو وسيلة وليس عدواً قائماً بذاته. وهكذا أعاد بوش إحياء منطق الحرب الباردة القائم على مبدأ: "إما أن تكون معنا، أو مع الإرهابيين".
خضع المسلمون لمراقبة واسعة النطاق، ولعمليات استهداف أمني على أساس هويتهم، فيما احتُجز أشخاص من دون توجيه تهم إليهم. وكثيرون منهم لم تكن لهم أي صلة بهجمات 11 سبتمبر.
وبعد أسبوعين، بدأ بوش الحرب في أفغانستان، حيث كان نظام طالبان يؤوي قيادة تنظيم القاعدة. وخلال الأشهر التالية، تم نقل نحو 780 رجلاً إلى معتقل غوانتانامو. وكان كثير منهم قد أسرتهم قوات باكستانية أو أفغانية -غالباً مقابل مكافآت مالية. كما شاب التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة نظام الاحتجاز، فيما لم يتم توجيه أي تهم بارتكاب جرائم إلى الغالبية العظمى من المعتقلين.
استمرت الحرب في أفغانستان 20 عاماً. ووافق الرئيس دونالد ترامب على موعد محدد للانسحاب قبل أن ينفذه الرئيس جو بايدن، وسط فوضى عارمة تركت آلاف الأفغان الذين ساعدوا قوات التحالف تحت رحمة طالبان التي عادت إلى السلطة بعد الانسحاب وتحكم البلاد اليوم بوحشية.
وبعد 18 شهراً من بدء الحرب في أفغانستان، شن الرئيس بوش الحرب على العراق، مستنداً جزئياً إلى ادعاءات بأن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل. لكن المعلومات الاستخباراتية كانت شديدة القصور، ولم يُعثر على مخزونات كبيرة من تلك الأسلحة. ومع ذلك، استمرت الحرب ثماني سنوات وانتهت من دون انتصار. ثم جاءت عمليات عسكرية لاحقاً في سورية وأماكن أخرى.
واليوم، نجد أنفسنا منخرطين في حرب أخرى تبدو بلا نهاية مع إيران. وفي هذا الأسبوع تحديداً، ربط الرئيس ترامب هجمات 11 سبتمبر بمبرراته المتغيرة للحرب مع إيران -الحرب التي يصر على أنها ليست حرباً.
لقد وجدنا أنفسنا، عملياً، في حالة حرب متواصلة منذ هجمات 11 سبتمبر، ندفع ثمناً باهظاً من الأرواح والثروات، فيما تحولت الولايات المتحدة تدريجاً إلى دولة يهيمن عليها هاجس الأمن القومي.
ويقدر "مشروع تكاليف الحرب" في "معهد واتسون" بجامعة براون أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 8 تريليونات دولار على هذه الحروب، وما يزال الإنفاق مستمراً. كما طلب وزير الحرب 1.5 تريليون دولار للعام المقبل وحده. وتشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 430 ألف مدني بشكل مباشر في حروب ما بعد 11 سبتمبر.
عندما تولى الرئيس باراك أوباما منصبه في العام 2009، تعهد بعدم خوض مزيد من "الحروب الغبية"، والاكتفاء بـ"الحروب الذكية". واعتبر حرب العراق غبية و"متهورة" وقائمة على "أدلة ضعيفة". وكان محقاً في ذلك. لكنه دعم في المقابل "حرباً ذكية" في أفغانستان.
صحيح أن لأفغانستان، على الأقل، صلة ما بهجمات 11 سبتمبر، ولكن كان ينبغي لأوباما أن يقرأ من التاريخ ما يكفي ليفهم لماذا غرق البريطانيون والسوفيات في تضاريس أفغانستان المستعصية وصراعاتها التي لا تنتهي. كانت الحرب هناك، هي الأخرى، حرباً غبية. وكان تنظيم القاعدة قوة صغيرة يمكن استهدافها بعمل استخباراتي جيد وضربات دقيقة بدلاً من خوض حرب برية لا تنتهي في أرض معادية.
وإذن، ماذا خلفت أحداث 11 سبتمبر بعد 25 عاماً؟
تغلغل رهاب الإسلام في الحياة السياسية الأميركية. وقال رودي جولياني، عمدة نيويورك السابق الذي عُرف بعد هجمات 11 سبتمبر بلقب "عمدة أميركا"، أنه لا ينبغي للعمدة زهران ممداني حضور مراسم إحياء الذكرى، كما أجرى مقارنات تحريضية بين ممداني وخاطفي طائرات 11 سبتمبر. ويكشف ذلك بوضوح كيف أن لغة 11 سبتمبر ما تزال تُستخدم كأداة لتعميق الانقسام.
وفرض الرئيس ترامب ما عُرف لاحقاً بـ"حظر المسلمين"، وهو إجراء أيدته "المحكمة العليا" في وقت لاحق، كما استخدم لغة تحريضية بحق مرشحين سياسيين مسلمين. وزاد خطابه تجاه المهاجرين ودفاعه عن التعذيب من فظاظة المناخ السياسي الأميركي.
كان رئيس أساقفة كانتربري محقاً جزئياً. لقد أُعيد بناء الأنقاض، لكن الشعب الذي هزته الصدمة لم يستعد عافيته. بل جرى تأجيج ألمه وغضبه واستثمارهما لتحقيق مكاسب سياسية.
ما يزال تمثال الحرية شامخاً في ميناء نيويورك، لكنه لم يعد يبدو حاملاً للأمل نفسه. فقد طغت على قصيدة إيما لازاروس المنقوشة عند قاعدته ثقافة سياسية فجة، ونزعة لا تنتهي لإشعال الحروب، وعداء للأجانب لا رادع له.
في زمن ما، كانت سيدة الحرية تفتح ذراعيها للعالم، قائلة:
"هاتوا إليّ المتعبين والفقراء
وحشودكم المتراصة التواقة لاستنشاق نسيم الحرية
والبؤساء المنبوذين من شواطئكم المكتظة
هاتوهم إليّ، هؤلاء المشردين وضحايا العواصف
فأنا أرفع مصباحي بجوار البوابة الذهبية"!
واليوم، يُفصل أفراد تلك الجموع عن عائلاتهم ومجتمعاتهم، ويُرسلون إلى أماكن لم يسبق لهم أن وطئوها. لقد أُطفئ المصباح، وأُوصدت البوابة الذهبية.
وهذا جزء لا يمكن إنكاره من إرث 11 سبتمبر، ولكن بالتأكيد لم يكن محتماً أن تنتهي الأمور على هذا النحو.
*إيريك لويس: كاتب وصحفي أميركي، يكتب في قضايا السياسة الأميركية وحقوق الإنسان والشؤون الدولية، وشغل سابقاً منصب رئيس "منظمة العفو الدولية–الولايات المتحدة".