عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Oct-2026

"الكرم والبخل في الشعر الجاهلي".. بواعث الصفتين بشعر حاتم وأُحيحة

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن "الآن ناشرون وموزعون" كتاب "الكرم والبخل في الشعر الجاهلي"، للباحث الأردني عبد الرحمن محمد العياصرة، الذي يتناول حضور هاتين الصفتين في الشعر العربي الجاهلي، وما ارتبط بهما من قيم ودلالات اجتماعية وأخلاقية وفنية في حياة العرب وشعرهم.
 
 
ويركز الكتاب على تجربتَي الشاعرين حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح الأوسي، بوصف الأول من أبرز الرموز التي ارتبط اسمها بالكرم في التراث العربي، فيما عُرف الثاني بالبخل، ويسعى المؤلف إلى الكشف عن بواعث هاتين الصفتين وتجلياتهما من خلال دراسة سيرتي الشاعرين وتحليل نماذج من شعرهما.
ولا تقتصر الدراسة على الجانب التاريخي أو الأخلاقي للكرم والبخل، بل تمتد إلى تحليل المعجم الشعري واللغة والتراكيب والإيقاع، للكشف عن كيفية انعكاس صفات الشاعرين في نتاجهما الأدبي، وما تحمله الألفاظ والصور والتراكيب من دلالات مرتبطة بتجربتهما الشخصية والاجتماعية.
ويقدم العياصرة قراءة تطبيقية لرائية حاتم الطائي ولامية أُحيحة بن الجلاح، مستندًا إلى المنهج الأسلوبي على المستويين الصوتي والتركيبي، للوقوف على الخصائص الفنية والجمالية في القصيدتين، وتحليل توظيف الأصوات والإيقاع والتكرار والقافية والتراكيب في بناء المعنى.
ويبحث الكتاب في حضور صفتَي الكرم والبخل في الشعر الجاهلي، وما حملتاه من دلالات اجتماعية وقيمية في حياة العرب وموروثهم الأدبي. حيث يوضح العياصرة في مقدمة الكتاب أن الكرم من أبرز الصفات التي شغلت الشعراء والأدباء العرب منذ العصر الجاهلي، لما تمثله من قيمة أخلاقية رفيعة، وما حظيت به من مكانة في الثقافة العربية والإسلامية.
ويشير المؤلف إلى أن الكرم أسهم في تخليد أسماء أصحابه، مستشهدًا بحاتم الطائي الذي ظل ذكره حاضرًا في الذاكرة العربية عبر القرون، بوصفه من أشهر رموز الجود والسخاء، حتى أصبح مضربًا للمثل في الكرم العربي الأصيل.
وفي المقابل، يوضح العياصرة أن البخل مثّل النقيض المباشر للكرم، وشغل كذلك مساحة بارزة في الشعر والأدب العربي؛ إذ لجأ الشعراء إلى وصف الشخص بالبخل في سياق ذمه والحط من مكانته الاجتماعية، وربطه بصفات مذمومة، كعدم المروءة وانعدام الثقة.
ولا يقتصر حضور هذه الصورة على الأفراد، بحسب المؤلف، بل امتد إلى القبائل؛ إذ كان الشعراء يستخدمون الهجاء وسيلة للنيل من القبيلة الخصم، فيصفونها بالبخل ويجعلونه وصمة اجتماعية تنعكس على علاقتها بالقبائل الأخرى، بما قد يؤدي إلى القطيعة والعزلة، ويؤثر في المصاهرة والتجارة والتعامل معها.
ومن خلال ذلك، يتناول الكتاب صورة الكرم والبخل في الشعر الجاهلي، وما ارتبط بهما من قيم ومعايير اجتماعية، ودورهما في تشكيل صورة الفرد والقبيلة داخل المجتمع العربي القديم.
ويرى العياصرة أن كتب التاريخ والسير تزخر بأسماء أدباء وشعراء عُرفوا بالبخل، إلا أن الكتاب يسلط الضوء بصورة خاصة على الشاعر أُحيحة بن الجلاح الأوسي، الذي اشتهر بشدة بخله، وفق ما أوردته كتب السير، وما تكشف عنه نماذج من شعره يتناولها الكتاب بالتحليل والدراسة.
ويوضح المؤلف أن الكتاب يتناول شخصيتَي حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح، من خلال الكشف عن بواعث الكرم والبخل لدى كل منهما، اعتمادًا على تحليل الأبيات الشعرية التي تعكس هذه الصفات ودلالاتها.
وينقسم الكتاب إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. ويتناول التمهيد مفهومَي الكرم والبخل، لغةً واصطلاحًا، ومكانتهما في القرآن الكريم والسنة النبوية والشعر العربي، إلى جانب التعريف بحياة حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح.
ويبحث الفصل الأول في بواعث الكرم لدى حاتم الطائي وتجلياته في شعره، مقابل بواعث البخل لدى أُحيحة بن الجلاح وتجلياته في شعره. ويتناول الفصل الثاني اللغة والمعجم الشعري لدى الشاعرين.
أما الفصل الثالث، فيقدم دراسة تطبيقية لرائية حاتم الطائي ولامية أُحيحة بن الجلاح، من خلال تحليل القصيدتين وفق المنهج الأسلوبي، على المستويين الصوتي والتركيبي، للكشف عن الثراء اللغوي والبراعة الأدبية لدى الشاعرين.
وتختتم الدراسة بعرض أبرز النتائج التي توصل إليها المؤلف من خلال بحثه في صور الكرم والبخل ودلالاتهما في شعر الشاعرين. حيث تشير الخاتمة إلى أن هذه الدراسة تناولت ظاهرتَي الكرم والبخل، من خلال التعمق في نماذج وشخصيات اتصفت بهما، مع التركيز على سيرة حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح الأوسي، وبيان مظاهر الكرم والبخل في حياتهما وشعرهما.
ويخلص المؤلف إلى مجموعة من النتائج، أبرزها أن الكرم من أسمى الصفات الإنسانية، لما يترتب عليه من آثار إيجابية على الفرد والمجتمع، وهو ما تؤكده النصوص الدينية والشعر العربي وكتب السير. وفي المقابل، شكّل البخل صفة مذمومة نبذتها الشرائع والقيم الإنسانية.
ويبين العياصرة أن عددًا من البواعث أسهم في تشكيل شخصية حاتم الطائي، وجعلت منه رمزًا للكرم العربي، وأن هذه الصفة انعكست بوضوح في شعره؛ إذ خلصت الدراسة إلى أن الكرم كان سجيّة ملازمة له طوال حياته، حتى في الظروف الصعبة، وأن غايته من جمع المال كانت إنفاقه في وجوه الخير ومساعدة الآخرين. كما كان حاتم سيد قومه وفارسًا شجاعًا.
وفي المقابل، تكشف الدراسة عن مجموعة من البواعث التي أسهمت في تشكيل شخصية أُحيحة بن الجلاح الأوسي، الذي انعكس بخله على شعره رغم ما كان يتمتع به من ثراء. ويرى المؤلف أن غايته من جمع المال تمثلت في تنميته والاحتفاظ به، دون إيلاء مساعدة الآخرين اهتمامًا، حتى بلغ به البخل حد الدعوة إلى قطيعة ذوي رحمه.
ويشير العياصرة إلى أن دراسة المعجم الشعري كشفت عن جوانب مشتركة بين حاتم الطائي وأُحيحة بن الجلاح، ولا سيما اهتمام كل منهما بالمرأة، وإن اختلفت طريقة التعبير عن ذلك، وكان حضور المرأة في شعر حاتم أكثر وضوحًا. كما وظّف الشاعران ألفاظًا وتراكيب ذات دلالات تتحدد وفق سياقاتها الشعرية.
وأظهرت دراسة المعجم الشعري لدى حاتم الطائي بروز قيمة الكرم بصورة واضحة في ديوانه، من خلال الحقول الدلالية المرتبطة بألفاظ الكرم ومشتقاتها ومرادفاتها، فضلًا عن التراكيب والكنايات التي تكررت في قصائده. ويرى المؤلف أن هذا الحضور المكثف يعزز ما ورد في كتب التراث من أخبار عن كرمه، ويؤكد المكانة التي احتلها بوصفه رمزًا للكرم العربي الأصيل.
كما كشفت دراسة لامية أُحيحة بن الجلاح، وفق المنهج الأسلوبي وعلى المستويين الصوتي والتركيبي، عن براعة الشاعر في توظيف الأصوات بما ينسجم مع المعاني والحالة النفسية في القصيدة. ونُظمت القصيدة على البحر الوافر، بما أتاح لها إيقاعًا موسيقيًا ملائمًا، كما أسهم التصريع في مطلعها وتكرار الحروف والكلمات في تعزيز موسيقاها الداخلية وترابط بنائها.
وفي دراسة رائية حاتم الطائي، خلص المؤلف إلى أن القصيدة نُظمت على البحر الطويل، الذي انسجم مع طبيعة الأفكار والمعاني التي أراد الشاعر التعبير عنها. كما تميزت بموسيقا داخلية وخارجية واضحة، وأسهم التصريع في مطلعها والقافية المطلقة وتكرار الحروف والكلمات في تعزيز الإيقاع وترابط النص وتوكيد معانيه.
ويخلص العياصرة إلى أن الشاعرين أظهرا قدرة لافتة في توظيف اللغة والتراكيب والإيقاع، بما أسهم في بناء قصيدتين تتمتعان بالثراء الموسيقي واللغوي، وإبراز الخصائص الفنية والأسلوبية لكل تجربة شعرية.