عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Sep-2026

كلما قل الحضور الأميركي في المنطقة كان ذلك أفضل

 الغد

مايكل يونغ* - (مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/9/4
 
أعاد الفشل الذريع للحرب الأميركية ضدّ إيران إحياء سؤالٍ طُرِح للمرة الأولى قبل عقدٍ ونصف، وهو: هل سيكون من الجيّد أن تسرّع الولايات المتحدة فكّ ارتباطها بالشرق الأوسط، حيث فرضت هيمنتها منذ نهاية الحرب الباردة؟
 
 
ثمّة أسبابٌ ثلاثة على الأقلّ تدعو إلى أن تكون إجابة المنطقة عن هذا السؤال بـ"نعم". أولها أن النموذج الأميركي السائد في التعامل مع الشرق الأوسط، والقائم على الهيمنة الأمنية، قد فشل. فالصراع مع إيران حطّم الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قادرةٌ على توفير مظلّة حمايةٍ موثوقةٍ لدول الخليج، حيث دمرت الصواريخ الإيرانية منظومة القواعد الأميركية، ما اضطرّ القوات الأميركية إلى الانسحاب إلى مناطق أبعد -وخاصة إلى إسرائيل. وفي ظلّ غياب شبكة القواعد هذه، وبالنظر إلى ما أظهرته طهران من فاعليةٍ في تعطيلها، تراجعت إلى حدٍّ كبير قدرة واشنطن على إقناع دول الخليج بإعادة تفعيل هذه المنشآت من أجل احتواء إيران.
كان هذا النموذج المتمحور حول الأمن قد استُبدِل لفترة وجيزة إبّان غزو العراق بنهجٍ يفتقر بدوره إلى بُعد النظر، ويمكن وصفه فعلياً بأنه نهج إمبريالي جديد. ومن اللافت مدى تأثّر التفكير الأميركي في منطقة الشرق الأوسط الأوسع بنمطَين من السلوك يثيران استياءً شديداً في المنطقة: أحدهما إسرائيلي والآخر بريطاني. فقد استلهم الأميركيون من الإسرائيليين مَيلاً إلى استخدام العنف لإعادة تشكيل الواقع السياسي، انطلاقاً من اعتقادٍ مفاده أن ممارسة ما يكفي من الضغط العسكري على دول المنطقة كفيلٌ بجعلها تنهار وتستسلم بسرعة. لكن إيران، وهي نفسها قوة إمبريالية جديدة من نواحٍ عدّة، أظهرت ما يمكن أن تحقّقه عندما تدخل المعركة وهي مستعدّة لها، وحين تستخدم نقاط قوتها بأساليب محسوبة بدقّة لدفع الأميركيين والإسرائيليين إلى موقف دفاعي.
أما في ما يخصّ بريطانيا، فقد تغلب عبق الحنين إلى الإمبراطورية على صانعي القرار في واشنطن لفترة من الزمن بعد غزو العراق في العام 2003، حينما عيّنت إدارة بوش لويس بول بريمر مندوباً سامياً بحكم الأمر الواقع في بغداد. وجرى التخلّي عن الخطة التي تقضي بتمكين العراقيين أنفسهم من سدّ الفراغ الذي خلّفه نظام البعث وإدارة شؤونهم بأنفسهم -وهي الخطة التي عُرِفَت باسم "مشروع مستقبل العراق"، فيما حاول المسؤولون في واشنطن استنساخ صيغة مشوّهة من الحكم البريطاني الذي ساد عقب الحرب العالمية الأولى. وعلى النحو نفسه، غالباً ما دعم الأميركيون في المنطقة هياكل سياسية تعزّز، تحت ستار التغيير، منظومات السيطرة التي يسعون إلى الحفاظ عليها، كما هو الحال في الضفة الغربية وقطاع غزة.
والسبب الثاني الذي يدعو إلى تأييد خروجٍ أميركي أسرع من الشرق الأوسط هو التزام واشنطن تجاه إسرائيل، الذي حرَف نظرة الأميركيين إلى المنطقة. وعلى الرغم من أن كل رئيس أميركي منذ جورج دبليو بوش أدرك ضرورة انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لم يكن هناك إجماع يُذكر بين صانعي القرار حول ما ينبغي أن يملأ الفراغ الذي سيخلّفه ذلك. وقد رأى أوباما في توازن القوى بين المملكة العربية السعودية وإيران حجر الأساس لمنطقةٍ مستقرة، وهو ما أوضحه في مقابلته المطوّلة مع جيفري غولدبيرغ من مجلة "ذا أتلانتيك" في نيسان (أبريل) 2016.
ليس مستغرباً أن تكون هذه الرؤية قد أثارت قلق إسرائيل وداعميها في الولايات المتحدة، الذين رأوا أن توقيع أوباما على الاتفاق النووي مع إيران، المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، يمثّل اعترافاً بدور إيران الإقليمي، وهي فكرة كانوا يمقتونها. لكن ما كانوا يسعون إليه فعلياً عبر ضغوطهم الشديدة على ترامب للانسحاب من "خطة العمل الشاملة المشتركة" -التي أضفى عليها اعتمادُ قرار مجلس الأمن رقم 2231 طابعاً رسمياً أكبر- هو أن تستخدم الولايات المتحدة القوة العسكرية لتدمير البرنامج النووي الإيراني، آملين أن يؤول ذلك إلى حملةٍ لتغيير النظام.
اليوم يمكننا أن نتأمّل النجاح الباهر لذلك المسعى. لكنّ ترامب مضى أبعد من ذلك لاحقاً إلى طرح نموذج لشرق أوسط ما بعد الحضور الأميركي من خلال "الاتفاقيات الإبراهيمية"، التي رمت إلى تحقيق ثلاثة أهداف: تجاهل الاتفاقات الفلسطينيين وقضيتهم، ما يقوّض أيّ تصوّرٍ لإقامة دولة فلسطينية؛ ووضع الإسرائيليين في صُلب صفقة إقليمية كبرى تبرز فيها إسرائيل بوصفها العمود الفقري الأمني لنظامٍ إقليمي جديد يقوم على الركيزة السياسية المتمثّلة في المصالحة العربية الإسرائيلية؛ وأن يتيح دورُ إسرائيل العسكري المحوري للولايات المتحدة تقليص عديد قواتها، ما يُبقي إسرائيل في موقع الضامن الأمني لشركاء الولايات المتحدة.
لكن عمليات القتل الجماعي التي مارستها إسرائيل في غزة وضعت حدّاً لهذا الوهم. وفيما كانت إسرائيل ترتكب جرائم مروّعة في القطاع، وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية، وبينما كانت تحتلّ مساحات شاسعة من جنوب سورية -ولاحقاً جنوب لبنان- وتحاول اغتيال مسؤولين من حركة "حماس" في الدوحة، وفيما كان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يتعهّد بتغيير وجه الشرق الأوسط، أدركت معظم الدول الموالية للولايات المتحدة في المنطقة أن لديها ما يثير القلق أكثر من إيران. فقد برز احتمال ظهور قوة إقليمية متنمّرة جديدة، مدعومة هذه المرة من الولايات المتحدة، وكانت لدى تلك الدول كل الأسباب التي تدعوها إلى معارضتها.
كان ما جعل هذا الوضع ممكناً هو الولايات المتحدة التي غضّت الطرف عن تصرّفات إسرائيل وهي تمضي في ارتكاب التطهير العرقي في كلٍّ من غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. كذلك، انخرط الأميركيون في الحرب مع إيران بناءً على وعد نتنياهو بتحقيق النصر. وما يستعصي على الفهم أكثر من ذلك كلّه أن الولايات المتحدة لم تمارس أي ضغط على الإسرائيليين لكبح سلوكهم العدائي تجاه حليفتَيها تركيا وقطر، ما يدلّ بوضوح على أن الأميركيين يتيحون لإسرائيل، بوعي أو من دون وعي، مواصلة عدوانها وعنجهيّتها. وتشعر إسرائيل بأنها قادرة على فعل ما تشاء لأن الولايات المتحدة ستساندها دوماً. وفي ضوء هذا الوضع، لا يبدو الخروج الأميركي السريع من المنطقة شيئاً يُؤسف عليه.
أما السبب الثالث الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن تراجع الحضور الأميركي سيعود بالنفع على المنطقة، فهو ضعف الروابط التي تجمع بين الولايات المتحدة والدول الإقليمية -باستثناء دولةٍ واحدة. غالباً ما صُوِّر الشرق الأوسط على أنه عبء على الأميركيين، ومنطقة لا تستحق حيّزاً يُذكر في المخيال الشعبي الأميركي. والاستثناء الوحيد، بطبيعة الحال، هو إسرائيل. وكما كتبت الراحلة إيمي كابلان في كتابها المتميّز "إسرائيلنا الأميركية: قصة تحالف متشابك" Our American Israel: The Story of an Entangled Alliance: "الإيمان بأن أميركا أمةٌ ’استثنائية‘ تتمتّع بسلطة أخلاقية وقوة عسكرية شكّل أساساً لروابطها الخاصة مع إسرائيل وعزّزها. الولايات المتحدة تحمي وتصون أمن إسرائيل، تلك الجماعة الأخلاقية المؤلّفة من الناجين من المعسكرات النازية والمحاربين الأبطال. وفي الوقت نفسه، كان يُنظر إلى إسرائيل على أنها فريدة بحدّ ذاتها -دولة هشّة وصلبة لا تلين في آنٍ واحد، وضحية لا تُقهر". ما من طرفٍ آخر في المنطقة يمكن أن يقترب من هذه المكانة.
إذا كان ثمة أي التباسٍ بهذا الشأن، فقد بدّدته أحداث غزة تماماً. لو كان الضحايا إسرائيليين أو أوروبيين، لما كان يمكن تصوّر قتل أكثر من 70 ألف شخص (والعدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير على الأرجح)، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، على مدى عامَين على يد حليف للولايات المتحدة وباستخدام أسلحة متطورة قدّمتها بشكل أساسي إدارتا جو بايدن ودونالد ترامب، من دون أي مسعى من المسؤولين الأميركيين لوضع حدٍّ لذلك. والتعصّب الروتيني الغريزي الذي يكنّه بعض النواب الأميركيين ضدّ المسلمين، والصور النمطية المبتذلة عن العرب التي تزخر بها الثقافة الشعبية الأميركية، كلها تؤكّد على أن الشرق الأوسط وشعوبه ما يزالان غريبَين تماماً عن الكثير من الأميركيين.
لماذا هذا مهم؟ إذا كانت علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة نفعية بحتة، فما من سببٍ يدعوها لمواصلة أداء الدور المهيمن الذي كانت تؤدّيه على مدى ثلاثة عقود ونصف. وقد أظهر الأميركيون أنهم غير قادرين على حماية دول الخليج، وأقدموا على مجاراة حليفهم الإقليمي الرئيسي في زعزعة استقرار المنطقة على نطاق واسع، وبالتالي لا جدوى تُذكر من إضفاء شرعية عملية على هذه العلاقة. قد ترتبط دول الخليج بالولايات المتحدة ارتباطاً مالياً وثيقاً لدرجة لا تسمح لها بالتفكير في القطيعة التامّة معها، لكنّ مصالحها المشتركة مع الصين وروسيا تجعل من المنطقي لها تنويع علاقاتها وتأييد خروج واشنطن من المنطقة.
ليست الهيمنة التي مارستها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط طوال ما يقارب أربعة عقود أمراً يستحق التحسّر عليه. في كلٍّ من فلسطين والعراق وسورية ولبنان، وكذلك في تعاملات واشنطن مع إيران ودول الخليج، قلّما نجد ما يمكن وصفه بالنجاح المستدام. أما المكاسب المرحلية التي تحقّقت، فقد جرى التراجع عنها، فيما عجزت الولايات المتحدة عن التخفيف من تعلّقها بإسرائيل، الأمر الذي غالباً ما ضيّق خياراتها.
لقد أرست الأُحادية القطبية تبعات غير صحية على الأميركيين وجيشهم، في حين أن التحوّل نحو التعدّدية القطبية الآخذ في التبلور اليوم قد يدفع الدول إلى حلّ مشاكلها بنفسها عبر الوسائل الدبلوماسية. ولذلك، إذا كان الأميركيون ينوون الرحيل، فعلى دول المنطقة أن تساعدهم في حزم أمتعتهم.
*مايكل يونغ: محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط".