عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Apr-2026

"حين يحمل الجمر رماده".. نصوص تستكشف الرمز وأسئلة المعنى

 الغد-عزيزة علي

 تأتي نصوص "حين يحمل الجمر رماده"، للكاتب سمير اليوسف، لتقترح مسارًا مغايرًا، حيث لا يقدم المعنى بوصفه إجابة جاهزة، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا على احتمالات. في هذه التجربة، حيث يكتب اليوسف نصوصًا تنأى عن المباشرة، وتقترب من تخوم اللغة والوجود، مستندةً إلى رؤية تجعل من الرمز أداة كشف، ومن الصورة فضاءً للتأويل، ومن القلق جسرًا نحو فهمٍ أعمق للذات والعالم.
 
 
هذه النصوص ليست مجرد تأملات أدبية، بل محاولة لملامسة ما يتوارى خلف الكلمات، حيث تتقاطع الفلسفة بالشعر، ويتحول النص إلى مساحة حوار بين القارئ وذاته، أكثر مما هو خطاب مكتمل. ومن خلال هذا الاشتباك الهادئ مع أسئلة المعنى والزمن والغياب، يفتح اليوسف أفقًا لقراءة لا تبحث عن يقين، بل تنصت لما يتشكل في الهامش، وما يتوهج في المسكوت عنه.
في كلمةٍ على غلاف النصوص، يشار إلى أن هذا الكتاب لا يُقدم ليفهم من القراءة الأولى، ولا بوصفه معنىً جاهزًا ينتظر أن يُلتقط، بل بوصفه تجربة عبور في منطقةٍ قلقة بين السؤال وأثره، وبين ما يُقال وما يظل مؤجلًا في عمق اللغة.
في هذه الصفحات، لا يكتب المؤلف ليقبض على الفكرة، بل ليحركها، ويتركها تنزلق وتتشظى، فتنتج توترها الخاص، لا يقينها. هنا، تتحول الكتابة إلى فعل إنصاتٍ بطيء لما يتخفى خلف الكلمات، حيث لا يكون الرمز زينةً أو غموضًا مفتعلًا، بل كائنًا حيًا يتنفس داخل النص، ويقود القارئ إلى علاقة مفتوحة مع المعنى، لا إلى تفسير مغلق له.
وتتجاور في هذا العمل ثنائيات لا تبحث عن الحسم: النار والرماد، الضوء والظل، الحضور والغياب. ليست صراعات، بل حالات تحول مستمر، يصبح فيها كل طرف أثرًا للآخر، ويغدو المعنى ذاته في حالة تشكل دائم.
أما اللغة، فتميل إلى الشعر من دون أن تفارق تأملها، وتلامس الفلسفة من غير أن تتحول إلى خطابٍ نظري. إنها لغة تربك بقدر ما تضيء، وتراكم صورها ببطء، وتدعو القارئ إلى ما هو أبعد من المشاهدة، ليغدو ساكنًا في النص، ومشاركًا في إعادة بنائه.
و"حين يحمل الجمر رماده" كتاب لا يعد بالطمأنينة، بل بالصدق؛ لا يمنح إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة. وهو، في جوهره، دعوة إلى قراءة مختلفة: قراءة تصبر، وتتأمل، وتقبل أن يجرحها المعنى قليلًا… قبل أن يمنحها دفأه".
وفي مقدمة هذه النصوص، أكد اليوسف أنها ليست مقدمة تُكتب لشرح النصوص، ولا تمهيدًا يقود إلى يقينٍ مُسبق، بل هي وقفة عند التخوم، ومحاولة لإنصاتٍ بطيء لما يتخمّر في هذه النصوص من أسئلة، وما يتحرّك في ظلالها من رجفة جمالية وفلسفية، قبل أن يبدأ الفعل الحقيقي: القراءة.
ويقول اليوسف "حين كتبتُ هذه النصوص، لم أكن أبحث عن المعنى بوصفه يقينًا، بل بوصفه توترًا. ولم أكن أطمح إلى القبض على الفكرة، بل إلى دفعها كي تنزلق، وتتَشظّى، وتترك أثرها لا صورتها.
لذلك جاءت الكتابة هنا كتابة رمزية معمقة، لا تُحيل الرمز إلى وظيفة زخرفية، ولا تستعمله قناعًا للغموض، بل تتعامل معه بوصفه كائنًا حيًا، له تنفسه الخاص، ومساره الذي لا يستقيم إلا إذا ترك حرًا، غير مروض، وغير مفسر حتى النهاية".
وأضاف المؤلف أن الرمز في هذه النصوص ليس بديلًا من الواقع، بل طريقٌ آخر للعبور إليه. هو ليس شيفرةً تُحلّ، بل علاقة تُبنى؛ علاقة بين القارئ والنص، بين التجربة واللغة، بين ما يُقال وما يُؤجَّل.
لذلك، كثيرًا ما تتحرك الصور الشعرية هنا في مساحات مفتوحة، لا تستقر على معنى واحد، ولا تغلق بابها أمام تأويلٍ نهائي. فالصورة لا تشير إلى شيءٍ خارجها فحسب، بل تُنشئ فضاءها الخاص، وتدعو القارئ إلى أن يسكنه، لا أن يراقبه من الخارج. أما عن اللمسة الفلسفية في هذه النصوص، فيقول اليوسف: "إنها ليست نزوعًا تنظيريًا، ولا استعارةً لمفاهيم جاهزة، بل هي اشتباكٌ وجودي مع أسئلة الإنسان الأولى: المعنى، الزمن، الخوف، الحلم، الكلمة والغياب".
ويرى المؤلف أن الفلسفة هنا لا تظهر بوصفها خطابًا، بل بوصفها قلقًا كامنًا في النص، وانحصارًا في الجملة، وتردّدًا مقصودًا في الخاتمة؛ إنها فلسفة السؤال الذي يعرف أنه لن يصل، ومع ذلك يواصل السير.
وأشار اليوسف، إلى أن هذه النصوص تعمل على تفكيك المركزيات الصلبة: مركز المعنى الواحد، ومركز الصوت المتعالي، ومركز الحقيقة المكتملة. في المقابل، تُقترح الكتابة بوصفها فعل كشفٍ إشكالي، يُضيء بقدر ما يُربك، ويمنح بقدر ما يأخذ. 
ويرى المؤلف، أن هذه النصوص تتجاور مع الثنائيات الضدية: النار والرماد، الضوء والظل، الحضور والغياب، الصوت والصمت. وليست هذه الثنائيات صراعاتٍ محسومة، بل حالات عبور، يتحول فيها كل طرف إلى أثرٍ للآخر.
أما عن الصور الشعرية في هذه النصوص، فيوضح اليوسف أنها لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تراهن على الإرباك الجميل؛ فهي صور تُراكم طبقاتها ببطء، وتُحيل إلى أكثر من مستوى: حسّي، ورمزي، ووجودي.
وكثيرٌ منها يقوم على الانزياح، وكسر العلاقة المتوقعة بين الأشياء، حيث يغدو المألوف غريبًا، ويغدو الغريب مأهولًا بإمكانات التأويل.
أما الإحالات، فهي جزء من نسيج النص، لا زينة خارجية له. تحضر الفلسفة، والتاريخ، والأسطورة، والأصوات الإنسانية الكبرى، لا بوصفها مراجع، بل ظلالًا تتحرّك في الخلفية. إنها إحالات لا تطلب من القارئ التعرف إليها بقدر ما تدعوه إلى الإحساس بذبذبتها، والتقاط أثرها في نبرة النص ومساره؛ فالمعرفة هنا ليست استعراضًا، بل ذاكرة تعمل تحت السطح.
وبين المؤلف أن هذه النصوص لا تُقرأ منفصلة، بل بوصفها مسارًا داخليًا تتكرر فيه الثيمات، وتتبدل وجوهها، وتعيد الأسئلة طرح نفسها بأقنعة مختلفة. قد يشعر القارئ أنه يعود إلى الفكرة ذاتها، ولكن من زاوية أخرى، أو عبر لغة أشد احترافًا أو أكثر هدوءًا. إنها كتابة دائرية، لا تبدأ من نقطة ولا تنتهي عند أخرى، بل تتحرّك في فضاء مفتوح، حيث لا تكون الخاتمة إغلاقًا، بل وعدًا باستمرارٍ دائم.
وقال "أكتب هذه النصوص وأنا أعلم أنها لا تقدم نفسها بسهولة، ولا تمنح معناها من القراءة الأولى. لكنها، في المقابل، تُكافئ القارئ الذي يمنحها صبره، ويقبل أن يدخلها لا بوصفه باحثًا عن إجابة، بل بوصفه شريكًا في القلق. فكل قراءة تُعيد كتابة النص، وكل قارئ يضيف طبقة جديدة إلى جمره المتوهج".
وخلص اليوسف، إلى أن هذه ليست مقدمة لتفسير ما سيأتي، بل دعوة إلى قراءة النصوص كما كتبت: بأناة، وبانتباه، وباستعداد لترك المعنى يجرحنا قليلًا قبل أن يمنحنا دفأه. فالكتابة هنا لا تعد بالطمأنينة، بل بالصدق، ولا تقترح خلاصًا، بل تقترح أثرًا… وما بين الأثر والرماد، يولد الجمر من جديد.