الغد
تحرير: علاء الدين أبو زينة
أوري ميسجاف* - (هآرتس بالعربي) 12/3/2026
حرب اندفعت إليها إسرائيل والولايات المتحدة ويقودها رجلان منفصلان عن الواقع: مهووسان بالعظمة، نرجسيان، ومثقلان بأزماتهما السياسية والقضائية.
أريد أن أكتب رأيي في هذه الحرب -بصراحة وبلا مرشّحات. ومن المهم بالنسبة لي أن أفعل ذلك قبل أن يسقط -لا قدّر الله- صاروخ على الشقة التي نستأجرها في يافا، أو على الغرفة المحصّنة في دار المسنين القريبة التي نلجأ إليها مع كل انطلاق لصفارات الإنذار التي لا تنتهي. وأود أن أستغلّ لهذا الغرض المنبر الحر الذي مُنح لي في صحيفة "هآرتس" -وهي الصحيفة التي تتعرّض في السنوات الأخيرة لهجوم مباشر من الحكومة. وأستند أيضًا إلى حقي في رفع صوت مدني في دولة ديمقراطية -أو هكذا يُفترض أن تكون، على الأقل.
إنني أرى في هذه الحرب ضربًا من الجنون. إنها حرب اندفعت إليها إسرائيل والولايات المتحدة ويقودها رجلان منفصلان عن الواقع: مهووسان بالعظمة، نرجسيان، ومثقلان بأزماتهما السياسية والقضائية. رجلان يقفان على رأس أكثر الحكومات أصولية وعداءً للديمقراطية في تاريخ بلديهما، ومع ذلك لا يترددان في إلقاء الدروس والمحاضرات في الديمقراطية على الآخرين.
إنها حرب دخلتها الولايات المتحدة فيما يتولى وزارة دفاعها بيت هيغسيث، الذي يفضّل أن يُنادى بـ"وزير الحرب". وهو إنجيلي يصل إلى عمله بينما تفوح منه رائحة الكحول، ويحمل على جسده وشومًا لصلبان صليبية ارتبطت باليمين المتطرف، والذي واجه اتهامات بالتحرش الجنسي، وجاء إلى منصبه من مقعد محلل في برنامج صباحي على قناة "فوكس نيوز".
وهي حرب دخلتها إسرائيل فيما يتولى وزارة الدفاع فيها يسرائيل كاتس، وهو سياسي من حزب الليكود يفتقر إلى أي خلفية أمنية تُذكر أو إلى أي ثقل سياسي يتجاوز حدود حزبه. أما تنفيذ الأوامر فيقع على عاتق قيادات عسكرية تكنوقراطية مطيعة، أدمنت استخدام القوة بلا قيود ومن دون أفق استراتيجي.
حتى كتابة هذه السطور، تبدو هذه حرب رفاهية؛ إنها حرب تُدار من السماء، وتخاض عبر قصف جوي من ممرّ مفتوح تقريبًا وخالٍ من أي تهديدات جدية للدفاعات الجوية أو للطائرات المعادية. وتخاض أحيانًا بصواريخ كروز أميركية تصيب -بين حين وآخر- منشآت تحلية مياه أو مدرسة للبنات. أمّا لحم المدافع الحقيقي فهو المدنيون: في إسرائيل وفي دول الخليج؛ وكذلك من الشعب الإيراني الذي يشجّعه ترامب ونتنياهو على الخروج لإسقاط حكم الملالي بينما يتعرض في الوقت نفسه لقصف عنيف ويمطر عليه دخان أسود بعد استهداف خزانات النفط. وهناك أيضًا مليون لبناني طُلب منهم مجددًا إخلاء بيوتهم، أو صادفهم سوء الحظ فوجدوا أنفسهم يعيشون في بيروت. وكل هذا يُقدَّم باعتباره الطريق إلى "تغيير وجه الشرق الأوسط لأجيال".
إنها حرب بلا أهداف واضحة ولا خطط مرتبة. وإن كانت لها أهداف، فإنها تتبدّل من يوم إلى آخر وفق نزوات الرئيس ترامب وكلماته المرتجلة. وهو رئيس يثرثر على الأقل يوميًا مع وسائل الإعلام. أمّا نتنياهو فلم يقف أمام الجمهور ليجيب عن أسئلة صحفيين حقيقيين منذ اندلاع الحرب، واكتفى فقط بمقاطع مصوّرة مسجلة، وبإحاطات صادرة عنه أو عن حاشيته باسم "مصدر سياسي" أو "مصدر أمني" أو "جهة مطلعة".
من الحقيقة التي تتسرّب إلينا بين صفّارات الإنذار، نعرف أن أهداف هذه الحرب تحولت من تغيير النظام إلى "تهيئة الظروف" لتغيير النظام. ومن إزالة البرنامج النووي إلى مجرد "تأجيل تاريخ إثماره". ومن تدمير الصواريخ الباليستية إلى "المساس بقدرات الإطلاق الإيرانية". وكانت هناك أيضًا أحاديث عن القضاء على "حزب الله" وقطع صلته بإيران. هذه الوعود تقف اليوم تقريبًا في المكان نفسه الذي يقف فيه "النصر المطلق" على "حماس" و"إسقاط حكمها" في حرب غزة.
تذكير: في تشرين الأول (أكتوبر) فقط انتهت حرب استمرت عامين. وفي كانون الثاني (يناير) أُعيدت جثة آخر رهينة إسرائيلية. ولوهلة ظهرت بوادر حياة طبيعية: اقتصاد يحاول أن ينهض، مدارس مفتوحة، مباريات في الدوري الأوروبي، حفلات، وقليل من السياح. ثم، في ظل محاكمة نتنياهو والتحقيقات التي تُجرى مع مقرّبيه وانهيار حكومة التهرّب والتخلّي عن المسؤولية، بدأ تضخيم التهديد الإيراني -ذلك التهديد الذي قيل قبل بضعة أشهر إننا "أزلناه لأجيال".
وها نحن من جديد في الملاجئ، وفي "رحلات الإجلاء". وها هو ترامب يلمح إلى عفو؛ وأيال زامير يطالب بـ"طول النفس"؛ ويعقوب عميدرور وديدي سمحي يشرحان باسم نتنياهو أنه لا بأس إذا بقينا في الملاجئ حتى الفصح -أو حتى بُوريم القادم. وفي الأثناء تُضخّ مليارات من عجز الميزانية إلى الجيش وإلى الحريديم والمستوطنين، وقريبًا سنغرق مرة أخرى في المستنقع اللبناني. إن لهذه الحرب اسمًا واحدًا عندي: زئير المجانين.
*أوري ميسجاف Uri Misgav: صحفي وكاتب رأي إسرائيلي بارز، يكتب بانتظام في صحيفة "هآرتس" المعروفة بتوجهها النقدي للسياسات الحكومية الإسرائيلية. يركّز في مقالاته على الشأن السياسي الداخلي في إسرائيل، وقضايا الديمقراطية، والفساد، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة، إضافة إلى نقده لسياسات اليمين الإسرائيلي، ولا سيما خلال حقبة بنيامين نتنياهو. يُعرف بأسلوبه الحاد والتحليلي، وغالبًا ما يتناول قضايا حساسة تتعلق بالحكم وسيادة القانون والحريات العامة داخل إسرائيل.