الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيسون بوردوف؛ وميغان إل. أوسوليفان* - (فورين أفيرز) 14/8/2026
قطيعة كاملة؟
تتمثل إحدى النتائج الإيجابية المحتملة للحرب الجارية في إيران -وللمخاوف المتجددة بشأن أمن الطاقة التي فاقمتها هذه الحرب بقوة - في أنها قد تسرّع التحول نحو منظومة طاقة أقل اعتماداً على الكربون. وكما قال رئيس "الوكالة الدولية للطاقة"، فاتح بيرول، في نيسان (أبريل): "سوف يتغير تصور المخاطر والموثوقية. وستعيد الحكومات النظر في إستراتيجياتها المتعلقة بالطاقة. وستشهد مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية دفعة كبيرة، كما سيحدث تحول إضافي نحو مستقبل أكثر اعتماداً على الكهرباء".
وهناك في الحقيقة أسباب وجيهة تدعو إلى الأمل في أن يكون هذا هو واقع الحال. في العام 1973، حفزت صدمة النفط استثمارات في الطاقة النووية والطاقة المتجددة والكفاءة، أدت إلى خفض كثافة اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري بوتيرة أسرع حتى من السياسات المناخية في السنوات التي أعقبت "اتفاق باريس" في العام 2015. وفي العام 2022، في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، ارتفع توليد الطاقة الشمسية في أوروبا بنسبة 24 في المائة -أي بأكثر من ضعف معدل النمو في السنوات السابقة. وسوف تمتلك البلدان المتضررة من صدمة النفط الحالية حوافز قوية لكهربة المزيد من وسائل النقل والقطاعات الصناعية، وتوليد الكهرباء اللازمة من مصادر محلية آمنة، بما في ذلك طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحيوية والطاقة النووية. وحتى الولايات المتحدة التي تتمتع مُسبقاً بقدر نسبي من أمن الطاقة، قد تبدأ هي الأخرى في إدراك أن أمن الطاقة الحقيقي يقوم على الكفاءة بقدر ما يقوم على زيادة إمدادات الطاقة؛ وأن الأمر لا يتعلق بالنفط والغاز وحدهما بقدر ما يتعلق أيضاً بمصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
لكن هذه النتيجة ليست حتمية بأي حال من الأحوال. ثمة أسباب تدعو إلى توقع أن تكون أقل احتمالاً. ربما تفضي القدرة النسبية للأسواق العالمية على الصمود خلال الأشهر الخمسة الأولى من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى تعزيز الثقة في قدرة منظومة النفط والغاز العالمية على التكيف بدلاً من أن تزيد المخاوف بشأنها. ولا شك أن بعض البلدان المستوردة سترى في هذا الاضطراب سبباً لتقليص اعتمادها على النفط، لكن كثيراً منها قد يستخلص الدرس المعاكس. فإذا ثبت أن السيناريو الكابوسي الذي استندت إليه خطط أمن الطاقة قابل للإدارة نسبياً، ربما تخلص الحكومات إلى أن منظومة النفط والغاز تتمتع بأمن كبير مقارنة بالبدائل، وأن المسار الأكثر عملية يتمثل في مواصلة الاستثمار في تعزيز قدرة منظومة النفط والغاز على الصمود بدلاً من تجاوزها.
تشير الاستجابات الأولية إلى تركيز يوازي -إن لم يزد على- بناء هذه القدرة على الصمود مقارنة بتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الوقود الأحفوري. وقد أعلنت عدة دول خليجية مُسبقاً خططاً لتوسيع طاقة خطوط الأنابيب أو إنشاء خطوط جديدة لتجاوز مضيق هرمز -وهو ما يُرجح أن يقلل من أهمية المضيق كنقطة اختناق خلال عدة سنوات. كما أعلنت اقتصادات ناشئة مثل الهند وجنوب أفريقيا ودول جنوب شرق آسيا خططاً لزيادة متطلبات المخزونات النفطية التجارية، وإنشاء احتياطيات حكومية إستراتيجية من النفط والغاز، وتوسيع قدرات التكرير المحلية.
بعد هذه الأزمة، قد تصبح بعض الحكومات أكثر تردداً أيضاً بشأن زيادة اعتمادها على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمدادات الطاقة النظيفة -خاصة المعادن الحيوية والبطاريات والألواح الشمسية والمركبات الكهربائية. وسيتعين على الدول أن تحدد ليس ما إذا كانت مستعدة لقبول الاعتماد على الواردات، وإنما أي أشكال الاعتماد تعدّها أقل خطورة. وقد تجعل استجابة بكين لأزمة هرمز هذه المفاضلة أقل جاذبية. ففي حين قاومت الولايات المتحدة حتى الآن الدعوات إلى تقييد صادرات النفط والغاز، التي تستند إلى اعتقاد مضلل بأن مثل هذه القيود ستحمي المستهلكين والشركات الأميركية، تمثلت إحدى أولى خطوات الصين في إعطاء الأولوية للمصالح الصينية، من خلال تقييد صادرات المنتجات النفطية المكررة، وهو ما ألحق تكاليف كبيرة بدول في أنحاء آسيا. وقد تنظر حكومات المنطقة التي تدرس زيادة اعتمادها على سلاسل إمدادات الطاقة النظيفة الصينية إلى هذه الواقعة بوصفها تحذيراً، وتسعى بدلاً من ذلك إلى زيادة الاستثمار في تعزيز قدرة منظومات النفط والغاز لديها على الصمود، وتنويع وارداتها من النفط والغاز بدلاً من زيادة اعتمادها على تقنيات ومنتجات الطاقة الصينية.
أخيراً، ليس أمن الطاقة مرادفاً للطاقة النظيفة. يمكن أن يدفع السعي إلى تأمين إمدادات محلية آمنة وميسورة التكلفة الحكومات نحو الفحم بنفس القدر الذي قد يدفعها به نحو الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة الحرارية الجوفية أو الطاقة النووية. وعلى المدى القصير على الأقل، كان الفحم جزءاً من إجراءات الاستجابة الطارئة في عدة دول آسيوية: في اليابان، سمحت الدولة باستخدام أكبر لمحطات الفحم القديمة والأقل كفاءة؛ ورفعت كوريا الجنوبية القيود المفروضة على توليد الكهرباء من الفحم؛ وزادت الصين استهلاك الفحم في قطاعها الكيميائي؛ وسرّعت الهند خطتها لإنفاق 4 مليارات دولار لتطوير صناعة تحويل الفحم إلى مواد كيميائية. وتوقعت شركة الاستشارات في مجال الطاقة، "ريستاد"، أن يبلغ الطلب الإضافي على الفحم في المنطقة، الناتج عن نقص الغاز الطبيعي المسال، نحو 70 مليون طن في العام 2026. ووفقاً لـ"الوكالة الدولية للطاقة"، سيبلغ الاستهلاك العالمي للفحم مستوى قياسياً هذا العام.
سوف تفتح التغيرات التي ستأتي في أعقاب أزمة الطاقة الحالية مجالات جديدة أمام التحول إلى الطاقة الأكثر مراعاةً للبيئة. لكن تحسين الدول استغلال هذه الفرص إلى أقصى حد ليس حتمياً. ويتعين على الحكومات في مختلف أنحاء العالم أن توجه المسار نحو هذا الهدف عن قصد من خلال وضع سياسات تخلق الحوافز المناسبة، وتخفض تكلفة حلول الطاقة النظيفة، وتخفف من المخاطر الجديدة التي تصاحب منظومة طاقة أقل اعتماداً على الكربون وأكثر اعتماداً على الكهرباء -بما في ذلك مخاطر الموثوقية والبنية التحتية والأمن السيبراني والمخاطر الجيوسياسية.
دروس للمستقبل
رغم أن أزمة هرمز ما تزال بعيدة عن الانتهاء، فإنها قدمت مسبقاً دروساً حول الكيفية التي تستطيع بها الحكومات الاستعداد لمواجهة صدمة الطاقة المقبلة. لكنّ الخلاصة الأهم تحمل طابع التحذير أكثر مما تحمل طابع الدرس. لا ينبغي أن تنتقل حالة الاطمئنان التي نشأت إزاء الاضطراب الهائل في تدفقات النفط خلال الأشهر الخمسة الماضية إلى الأشهر المقبلة. ففي حال أدى تجدد القتال في إيران إلى فترة أخرى من الاضطراب المطول، سيواجه الاقتصاد العالمي صعوبة أكبر بكثير في احتواء أضراره. وقد تؤدي التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر إلى تعريض خط الأنابيب السعودي الذي كان أساسياً في التخفيف من أزمة هرمز للخطر. كما أن مخزونات النفط العالمية أصبحت الآن مستنزفة بدرجة كبيرة بحيث تركت براميل النفط المخزنة لدى الصين واحدة من خطوط الدفاع الرئيسية في مواجهة استمرار اضطراب الإمدادات. وقد تؤدي الحاجة إلى إعادة ملء المخزونات وبناء احتياطيات إستراتيجية أقوى من النفط أيضاً إلى زيادة الطلب.
سوف تظل الركائز الخمسة التي أثبتت أهميتها في تخفيف وطأة أزمة هرمز أساسية لامتصاص الصدمات المستقبلية، أياً كان موعد حدوثها: كفاءة استخدام الطاقة؛ وتنويع الإمدادات؛ وتكامل الأسواق؛ وزيادة الإنتاج المحلي؛ وتقديم المساعدة للبلدان التي تخلق مواطن ضعفها مخاطر على الجميع.
إن خط الدفاع الأول والأكثر ضماناً في مواجهة صدمة نفطية هو، في المقام الأول، استخدام كمية أقل من النفط. وقد تمكن العالم من استيعاب الاضطراب الأولي في مضيق هرمز، جزئياً لأنه أصبح يحتاج إلى كمية أقل بكثير من النفط لتوليد كل دولار من الناتج الاقتصادي مقارنة بالماضي. وبحساب الناتج بالدولارات الثابتة للعام 2015، كان الاقتصاد العالمي يستهلك أقل قليلاً من برميل واحد من النفط مقابل كل 1000 دولار من الناتج المحلي الإجمالي للعام 1973. وبحلول العام 2019 -العام الأخير قبل التشوهات التي أحدثتها جائحة "كوفيد"- كان هذا الرقم قد انخفض بأكثر من النصف. وبالنظر إلى أن اقتصادات كثيرة أصبحت اليوم أقل اعتماداً على النفط في إنتاجها، فإن الأسعار يجب أن ترتفع حالياً بنحو أربعة أضعاف، محسوبة بالقيمة الحقيقية بعد احتساب التضخم، لإحداث صدمة اقتصادية مماثلة لتلك التي أعقبت الثورة الإيرانية في العام 1979، وفقاً لكريستوف رول، كبير الاقتصاديين السابق في شركة "بي. بي" BP.
بعد خمسين عاماً من طرح عالم الفيزياء، أموري لوفينز، حجته في مجلة "فورين أفيرز" لصالح "مسار لين" نحو أمن للطاقة يركز على الكفاءة والتقنيات الموزعة، ما تزال إحدى رؤاه الأساسية صحيحة بالقدر نفسه: على صانعي السياسات الذين يسعون إلى الحد من آثار الصدمات المستقبلية أن يضاعفوا جهودهم لتقليص تعرض الاقتصاد للنفط. وليست الحجة الداعية إلى تقليص الاعتماد على النفط بيئية فحسب، وإنما إستراتيجية أيضاً. وسيكون من شأن وضع معايير أكثر صرامة لكفاءة استخدام الطاقة، وتوسيع نطاق اعتماد المركبات الكهربائية، وتحسين وسائل النقل العام، أن تقلل جميعها من قابلية التعرض لصدمات النفط؛ في حين أن جهود إدارة ترامب للتراجع عن هذه السياسات تضعف أمن الطاقة الأميركي على المدى الطويل.
يتطلب أمن الطاقة أيضاً وجود هوامش حماية قوية في مواجهة اضطرابات الإمدادات. وتأتي هذه الأدوات بتكلفة، وتعمل بمثابة نوع من بوليصة التأمين ضد صدمات الطاقة. ولأن أي شركة منفردة لا تتحمل التكلفة التي تلحقها صدمات أسعار الطاقة بالمجتمع، يميل القطاع الخاص إلى إنقاص الاستثمار في هذه التدابير الخاصة بالحماية، ما يجعل إنشاءها معتمداً على تحرك الحكومة. ومع اتساع المخاطر الجيوسياسية، سيتطلب تعزيز القدرة على الصمود في مجال الطاقة استثمارات إضافية في المخزونات الإستراتيجية، وخطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وقدرات التكرير المحلية، وغيرها من الاستثمارات الاحتياطية التي قد تبدو غير كفؤة في الأوقات العادية، لكنها تصبح لا غنى عنها في أوقات الأزمات. وفي الولايات المتحدة، ينبغي أن تبدأ هذه الجهود باعتماد الكونغرس مخصصات مالية لإعادة ملء احتياطي النفط الإستراتيجي المستنزف وتحديثه، والذي أصبح الآن عند أدنى مستوى له منذ نحو خمسة عقود.
يشكل تنويع الأسواق وطرق الإمداد وسيلة حماية مماثلة وضرورية. وإلى جانب توسيعات خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية حول مضيق هرمز، تستكشف العراق والكويت مسارات جديدة للخروج من الخليج، ويسعى منتجون آخرون إلى تخزين النفط بالقرب من العملاء خارج نطاق هرمز. ومع تزايد تهديدات الحوثيين لمضيق باب المندب، قد يتزايد أيضاً الاهتمام بتطوير طاقة خطوط الأنابيب عبر البحر الأحمر. وخارج الشرق الأوسط، تضغط كندا من أجل توسيع البنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي المسال القادرة على خدمة أسواق آسيا وأوروبا معاً -جزئياً لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية. ويسعى المشترون الآسيويون إلى تعزيز أمن الإمدادات من خلال إبرام عقود جديدة طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال مع مصدّرين مثل أستراليا وماليزيا والولايات المتحدة.
تمثل أسواق الطاقة المتكاملة مصدراً للأمن، وهي ليست ترفاً يمكن التخلي عنه عندما ترتفع الأسعار. وينبغي للحكومات أن تقاوم الضغوط الرامية إلى الانكفاء عنها، كما فعلت الصين عندما تحركت للحد من صادراتها من المنتجات النفطية المكررة. وقد ساعدت قوى السوق على تخفيف وطأة فقدان تدفقات الطاقة: عندما أدى نقص الإمدادات عبر هرمز إلى رفع أسعار الطاقة في مناطق معينة، أعادت شركات التجارة وشركات الطاقة توجيه ناقلاتها إلى المشترين المستعدين لدفع أعلى الأسعار. وعندما أدت المخاوف من نقص وقود الطائرات إلى ارتفاع الأسعار أكثر، عدّلت المصافي عملياتها لإنتاج كميات أكبر من وقود الطائرات وكميات أقل من البنزين والديزل. وفي آذار (مارس)، على سبيل المثال، زادت المصافي الأوروبية إنتاج وقود الطائرات بنسبة 22 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لـ"الوكالة الدولية للطاقة"، مما خفّض حاجة المنطقة إلى الواردات من الخارج بأكثر من النصف.
في حين تستطيع الاقتصادات التي تقودها الدولة -مثل اقتصاد الصين- ببساطة أن تأمر المصافي بالعمل عند طاقة إنتاجية أقل، فإن قوى السوق في الاقتصادات التي تحركها السوق تساعد على توجيه الإمدادات النادرة إلى الأماكن التي تكون فيها أكثر قيمة، وتشجع على ترشيد الاستهلاك، وتحول الإنتاج نحو أنواع الوقود التي يحتاج إليها المستهلكون أكثر من غيرها. وإذا تصاعدت أزمة هرمز في مرحلتها المقبلة وارتفعت الأسعار بصورة حادة، فقد تواجه واشنطن ضغوطاً سياسية أكبر لتقييد صادرات النفط، انطلاقاً من الاعتقاد بأن ذلك سيخفف الأسعار المحلية. وستكون الاستجابة لهذه الضغوط خطأً. سوف يضر حظر التصدير بمصداقية الولايات المتحدة كمورد غير مسيّس، ويلحق الضرر بالحلفاء، ويشوّه إشارات الأسعار، ويضعف الحوافز للاستثمار في قدرات الإنتاج والتكرير الأميركية -وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى رفع التكاليف على الأميركيين.
يشكل توسيع قاعدة الإنتاج المحلي ركيزة أخرى من ركائز القدرة على الصمود. وقد أظهرت أزمة هرمز القيمة الإستراتيجية لتحول الولايات المتحدة من مستورد رئيسي للنفط إلى منتج ومُصدّر رائد. ولا يتمثل الدرس الذي يمكن أن تستخلصه الدول الأخرى ببساطة في إنتاج المزيد من النفط والغاز، وإنما في تطوير محفظة متنوعة من مصادر الطاقة المحلية الموثوقة -بما في ذلك النفط والغاز حيثما كان ذلك مناسباً- إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية وغيرها، بما يقلل تعرضها للأزمات ويمنح الحكومات خيارات أكثر عندما تقع أزمة.
دفعت فوائد الإنتاج المحلي بعض الدول مُسبقاً إلى إعادة النظر في سياساتها. في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، بدأ رئيس الوزراء آندي بيرنهام في تخفيف النهج التقييدي الذي تتبناه حكومة "حزب العمال" إزاء تطوير النفط والغاز في بحر الشمال. كما بدأت عدة دول أوروبية -من بينها بلجيكا والدنمارك وإيطاليا- في إعادة النظر في مقاومتها المستمرة منذ عقود للطاقة النووية.
أخيراً، لا يمكن أن يكون النظام الذي يعتمد على الأكثر ضعفاً لامتصاص أسوأ العواقب قادراً على الصمود على المدى الطويل. وسيقود هذا النهج إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. وسيتطلب تعزيز قدرة البلدان منخفضة الدخل على تحمل صدمات الطاقة تقديم المساعدة في مجال الطاقة النظيفة، بما في ذلك الدعم المالي والتقني لتسريع التحول إلى الكهرباء، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتوسيع مصادر الطاقة المحلية الآمنة والأقل اعتماداً على الكربون. وتُظهر أزمة هرمز أيضاً سبب استفادة هذه البلدان من مساعدات موجهة بعناية لتطوير النفط والغاز والبنية التحتية المرتبطة بهما. وعلى الرغم من أن بنوك التنمية متعددة الأطراف تراجعت إلى حد كبير عن تمويل الوقود الأحفوري، فإن هذه المنظومة ستستمر لعقود. ومن شأن الدعم الانتقائي للتخزين والتكرير وخطوط الأنابيب والموانئ أن يقلل مواطن الضعف، ويوفر أساساً أكثر استقراراً للتحول الممتد على مدى عقود نحو طاقة أنظف.
المعرفة قوة
لا يكمن الخطر الحقيقي لأزمة هرمز في الصدمة التي تحملها العالم، وإنما في الثقة المفرطة التي قد تولدها. كان ينبغي أن يدفع إغلاق أهم نقطة اختناق نفطية في العالم الاقتصاد العالمي إلى الركود، وسوف تغري حقيقة أن ذلك لم يحدث كثيرين باستنتاج أن مخاطر أمن الطاقة لم تعد مهمة. لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً. لن تصمد مخزونات الأمان التي قللت من حجم الاضطراب حتى الآن لأكثر من فترة محدودة، ولا بد من تعزيزها إذا أراد العالم أن يتمكن من تحمل الصدمات المستقبلية. وفوق ذلك، لن تكون المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة وحدها كافية لدفع التحول إلى الطاقة النظيفة قدماً؛ حيث سيتطلب ذلك جهداً منسقاً وإرادة واعية.
كشفت الأزمة أيضاً عن توازن جديد للقوى في سياسات الطاقة. ثمة اضطراب كان من شأنه قبل جيل واحد أن يُخضع واشنطن لضغوط هائلة، ترك الولايات المتحدة اليوم أكثر تحصيناً من أي اقتصاد رئيسي آخر، في حين تحملت البلدان الأقل قدرة على تحمل التكاليف أعباءً فاقت طاقتها. وفي حين كانت صدمات الطاقة تفرض في الماضي قيوداً على الأقوياء، فإنها تعاقب اليوم بصورة متزايدة الضعفاء وتعفي الأقوياء من تبعاتها. وبذلك تصبح القوة العظمى المحصنة من عواقب الاضطراب الذي تسهم هي نفسها في إحداثه مع دوافع أقل إلى ضبط النفس. كما أن الدولة القادرة على تهدئة السوق أو زعزعتها متى شاءت، سواء كانت الولايات المتحدة أو الصين، تمتلك ورقة ضغط يصعب على الآخرين مواجهتها.
لن تبدو صدمة الطاقة المقبلة مطابقة تماماً لأزمة هرمز. لكن هذه الصدمة تقدم دروساً مهمة حول كيفية الاستعداد للمعركة المقبلة. والآن، وقد عاد سلاح الطاقة إلى الواجهة، ربما تأتي تلك اللحظة في وقت أقرب مما نتصور.
*جيسون بوردوف Jason Bordoff: خبير أميركي في سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية للطاقة، وهو المدير المؤسس لـ"مركز سياسة الطاقة العالمية" في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، حيث يشغل منصب أستاذ الممارسة المهنية. كما يعمل في كلية المناخ بجامعة كولومبيا ويشغل منصب العميد المشارك المؤسس الفخري لها. عمل سابقاً في إدارة الرئيس باراك أوباما مساعداً خاصاً للرئيس ومديراً أول لشؤون الطاقة وتغير المناخ في مجلس الأمن القومي، حيث شارك في صياغة سياسات الولايات المتحدة المتعلقة بالطاقة والمناخ والأمن القومي. تتركز أبحاثه وكتاباته على أسواق الطاقة العالمية، وأمن الطاقة، وتغير المناخ، والعلاقة بين الطاقة والسياسة الخارجية.
*ميغان إل. أوسوليفان Meghan L. O’Sullivan: خبيرة أميركية في العلاقات الدولية والأمن القومي والجغرافيا السياسية للطاقة. تشغل منصب أستاذة جين كيركباتريك للممارسة في الشؤون الدولية ومديرة مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية ومديرة مشروع الجغرافيا السياسية للطاقة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد. عملت في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش نائبةً لمستشار الأمن القومي لشؤون العراق وأفغانستان، وكانت من أبرز المسؤولين الأميركيين المشاركين في صياغة السياسة تجاه العراق بعد غزوه في العام 2003. تركز أبحاثها على الجغرافيا السياسية للطاقة، والشرق الأوسط، والعلاقات الدولية، وأمن الطاقة والتحول العالمي نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون، وقد درّست في كلية كينيدي منذ العام 2008.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Long Shadow of the Iran Shock: Hormuz and the New Geography of Energy Power