الدستور
استباقا لأي متسرع في قراءة «لا تقربوا الصلاة» دون أن يتمم الآية الكريمة «وأنتم سكارى» أقول، إن العنوان أعلاه لا علاقة له بالأديان والمذاهب كلها، فجميع المؤمنين بأي منها، في نظرنا إخوة. هم إما إخوتنا في الوطن أو الدين، أو في الإنسانية. هذا ما حضّ عليه الإمام، صاحب البلاغة وسيد نهجها، أبو الحسن، عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعليه وعلى آل البيت أجمعين، السلام.
كلامي حصرا في الشؤون الولاية العامة للناس، وهو ليس محصورا بإيران ولا بأي من «ساحات أذرعها»! تولّي شؤون الناس، تولّي أمانات دمائهم وأرزاقهم وأمنهم وأمانهم، مسؤولية عظيمة.. عاجلا أم آجلا، سنقف كلنا رؤساء ومرؤوسين، سنقف يوما أمام الديان سبحانه، فنُسأل كم من النفوس قد أحيينا، وكم من الأنفس قد أزهقنا لا قدّر الله. «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا».
الدول قبل أن تقوم فيها للسلطة قائمة، وتبسط سيادتها على إقليم له حدود وسيادة، إنما هي أوطان بنتها حضارات وأمم وشعوب. وهي من قبل ومن بعد، مجتمعات لبنتها الأساسية الأسرة والعشيرة، لذلك كان المعيار الرباني «إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم»، وما من تقوى في عين الخالق سبحانه بأكثر عصمة من دماء الناس... الناس كافة..
عرفت أمتنا التي كانت «خير أمة أخرجت للناس»، وابتليت منطقتنا، سيما الهلال الخصيب قبل أن يختطف الحضارات ويختزلها بالسعي إلى جعلها ساحات نفوذ، لتيار في مذهب، من دين، يزعم أنه امتلك ناصية الحق والعقل واختتم العلوم كلها، بحيث يختار «خبراء» قائمين على «تشخيص مصلحة النظام» فيعيّنون قائدا يفتي في أمور «الدين والدنيا»، خلعوا عليه لقب «المرشد الأعلى» زعما بأنه «الولي الفقيه»!
في التاريخ الحديث نسبيا، مر حتى الآن سبعة وأربعون عاما على حكم المرشد في إيران. وفي الجوار، مرشد من فرقة أخرى، يرى هو الآخر أن ولايته هي الحق. وبين الجارين إيران وأفغانستان خرجت طالبان، فصارت حركتين متناحرتين. هذه عرفت بطالبان باكستان، وتلك عرفت بطالبان أفغانستان. والتشظي بلغ حليفتها القاعدة، فصار لها «فرنشايز»! فروع مستنسخة، أكثر تحوّرا في إرهابها وضلالها، ومنها ذاع الصيت الشيطاني لعصابة داعش الإرهابية، المعرفة بداعش خرّاسان!
وتعاون أبالسة الفوضى «الخلاقة» مع شياطين «الربيع العربي»، في حقبة خلت مع إدارة باراك حسين أوباما، الرئيس «الديموقراطي» الأسبق الذي أراد احتواء إيران. لم يتوقف الأمر على استمالة «المرشد» واسترضاء نظام الملالي في إيران وأفغانستان. ففي تلك الأيام السوداء، أوفد مرشد ملالي إيران -خامني- «جنرال» الحرس الثوري قاسم سليماني لتعزيز «حكم المرشد» في مصر الشقيقة، في نسخته الأم -مرشد الجماعة المحظورة، «الإخوان المسلمين». وقد نجح أبطال المخابرات المصرية في كشف المخطط الآثم ووأده في وكره ومرتعه، قبل تمكن سليماني الذي قام ترمب بتصفيته في ولايته الأولى، من تأسيس «حرس ثوري» لحكم المرشد محمد بديع ورئيسه الصوري المخلوع، محمد مرسي.
كان الذباب الإلكتروني الذي ما زال «يزن ويطن» حتى الآن كان في تلك الفتنة أو بالأصح المؤامرة، كان يندد بحكم «العسكر» ويشيد بحكم «المرشد»، ويدعو إلى «ولاية» الفقهاء والخبراء على مقاييسهم الحزبية، ووفقا لمصالحهم وارتباطاتهم وصفقاتهم الخارجية التي ثبت أنها أبعد ما تكون عن الروح الإيمانية والوطنية.
وما كاد «الغضب الملحمي» يبدأ في آخر أيام شباط، حتى تم القضاء على المرشد وما يزيد على أربعين من جماعته في الساعة الأولى للحرب التي قد تستمر شهرا بحسب تقديرات ترمب الأولية.
وغداة الإقرار بنجاح ضربة «قطع رأس النظام»، «الأفعى أو الأخطبوط»، أقر وزير الخارجية في نظام ولاية الفقيه عباس عراقجي، أقر أن الأمور الآن صارت بيد «العسكريين»، تعقيبا على الاعتداءات الإيرانية المسعورة على الدول العربية بما فيها سلطنة عمان التي حاول نظيره إقناع نائب الرئيس جيه دي فانس بمنحه ثلاثة أشهر، لتطبيق اتفاق نووي جديد، وليس مجرد إعلانه إبرامه.
من الآخر، لم يبق في إيران حتى كتابة هذه السطور مرشد ولا فقيه، والولاية صارت ميلشياوية وليست عسكرية نظامية سيما بعد دخول حزبالله اللبناني الأحد الحرب «ثأرا» للمرشد الإيراني! بذلك عاد نظام خميني-خامنئي إلى بداياته الأولى، عصابة بلطجة لا سبيل إلى اتقاء شرها عبر الاحتواء، ما لم يتم اجتثاثها من جذورها.
ترمب مازال يتيح فرصة «الحصانة»، فقط في حال إلقاء السلاح. عرض لا يقتصر على القوات المسلحة والأمن والشرطة في إيران بل والحرس الثوري أيضا، كما جاء في كلمته المقتضبة الثانية مساء الأحد، والتي تعهّد فيها «الثأر» لمقتل من قضى من الجنود الأمريكيين، بعد إغراق تسع سفن حربية إيرانية في أقل من ثمان وأربعين ساعة.
الإمعان الإيراني في العدوان على الدول العربية وحزبالله اللبناني في استهداف قاعدة بريطانية في قبرص وشمال إسرائيل لا يفهم منه سوى إصرار خامنئي من قبره لتحويل المواجهة إلى حرب إقليمية خرجت لتستفز ما يعني الاتحاد الأوروبي والناتو في الصميم، مما قد يشي تواطأ مع أطراف دولية معادية لأمريكا، أو محاولة لتوريط روسيا والصين في صدام مع هذا النظام العالمي الآخذ بالتشكل، بعد زهو ترمب بإنجازات ما صار يعرف بمبدأ «دونرو» التي بدأت من فنزويلا وتوشك أن تصل إلى كوبا والعين ما زالت على غرينلاند، وخيرات القطب الشمالي وطرقه التجارية الدولية الجديدة الواعدة..