التعليم والموارد البشرية.. وقالب جديد للإدارة*د. ابراهيم بدران
الغد
اجتهدت الحكومة ووضعت مشروع قانون جديد أحالته إلى مجلس الأمّة يجمع قطاعات التربية والتعليم الأساسية، الابتدائي والمتوسط والثانوي، والتعليم العالي، والتعليم المهني والتكنولوجي، جميعهم تحت إدارة واحدة يراد تسميتها “وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية”. ولم تعقد الجهات المسؤولة أي دراسات وحلقات نقاشية عامة تضم الخبراء والمتخصصين للمشاركة في الرأي من جهة، والتأكد من سلامة الاتجاه من جهة ثانية. والوزارة المقترحة الجديدة ستكون واسعة المسؤولية ابتداء من رياض الأطفال مرورا بالمدارس والمراكز المهنية والمعاهد والكليات وانتهاء بالجامعات. وسيكون المجلس الجديد للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الوارد في مشروع القانون والذي سيرأسه رئيس الوزراء، مسؤولاً عن تفاصيل كثيرة ابتداء من إقرار الكتب المدرسية، وانتهاء بتسمية وتعيين مجالس أمناء الجامعات وما بين ذلك من محطات ومراحل.
وهذا التوجه الذي يحمله مشروع القانون يطرح سؤالين بالغي الأهمية الأول: لماذا تلجأ الحكومات لدينا إلى التفكيك والتركيب والإلغاء والتجميع عند التعامل مع المؤسسات كلما واجهت موضوعاً معقداً يحتاج إلى كثير من الجهد والإبداع والتمويل والتركيز للإصلاح والتطوير؟
الثاني: هل يحمل التركيب المقترح قيمة مضافة ومدخلاً حقيقياً لإصلاح وتطوير التعليم في مراحله المختلفة يستفيد منها المجتمع والطالب وترفع من نوعية وتنوعية مخرجات التعليم؟ وهل التجميع يساعد على الرؤية بوضوح أكثر لتفاصيل المشكلات؟ أم أن التجميع الذي يشبه التحشيد والمراكمة من شأنه أن يحرك الكثير من المسائل جانبا لتصبح أقل أهمية، وبالتالي ترحل تلقائيا إلى الظل؟. هذا في الوقت الذي يمر فيه العالم في موجة تحولات نوعية معقدة وسريعة تتطلب الكثير من التفهم والاستجابة واستقرار المؤسسات والتشريعات والإدارات.
وهنا لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط وعلى النحو التالي:
أولاً: إن مجمل المواطنين من الطلبة والمعلمين والأساتذة والإداريين الذين سيدخلون تحت مظلة الوزارة الجديدة سيكونون بأرقام اليوم حوالي 3 ملايين شخص ابتداء من أطفال الروضة صعودا إلى شباب وشابات المدارس والمعاهد والكليات إلى كهول الإدارات والجامعات. وهو رقم ضخم للغاية يشكل ربع سكان المملكة، خاصة وأن وزارة التربية حالياً مسؤولة مباشرة عن مدارسها وعددهم 4100 مدرسة وعن طلبتها ومعلميهم وعددهم الذي يقارب 2.0 مليون بين طالب ومعلم وإداري. هذا في حين أن كثيرا من الدول تتبع فيها المدارس للبلديات أو المحافظات أو الولايات أو أي سلطة محلية أخرى. وبالتالي يكون دور وزارة التربية والتعليم هناك وضع السياسات العامة ومراقبة الأداء.
ثانياً: أن القفزات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والتعلمية التي يمر بها العالم، ونحن جزء منه، بالغة التعقيد، الأمر الذي يجعل مواكبة هذه التحولات على مستوى الطالب والمدرسة والمعهد والجامعة مسيرة بالغة الصعوبة، تتطلب الجهد المهني والفكري والتربوي والإداري المكثف والمتخصص، حتى لا يخطف الذكاء الاصطناعي مهارات الطلبة ويسطر تقاريرهم وأطروحاتهم، وحتى لا يختطف الإعلام الرقمي المنظومة المهنية الإنسانية للمعلم والمعادلة التربوية للطالب التي أساسها المواطنة والاعتماد على الذات والاكتساب الحقيقي للمهارات والمساهمة في بناء المجتمع الوطني. وبالتالي فإن الوزارة المقترحة بما سوف يلقى عليها من أعباء، غالبا لا تستطيع التعامل بكفاءة وفاعلية مع هذه المفردات، ولا تتمكن من إعداد وإثراء معلميها ومدربيها وأساتذتها ليكونوا مهنيين وتربويين وتكنولوجيين وموجهين ودافعين للطلبة باتجاه الإبداع والتعلم والتمكن من مفردات العلم والتكنولوجيا التي تحيط بهم من كل اتجاه. ثالثاً: يبدو أن فكرة الوزارة الجديدة انطلقت من نقطة غير مستقرة ألا وهي ربط المدرسة بالجامعة ليس إلا، وربط التعليم الأساسي بالتعليم العالي تلقائيا، دون التفكير بهيكلية سوق العمل وإنشاء الفرص الذاتية والتغيرات في طبيعة الوظائف مع المستقبل. ويبدو أن الفكرة تبلورت لينتج عنها تصور إداري مباشر، وهو إدارة مشتركة للمدرسة والمعهد والكلية والجامعة. وهذا التوجه يهمل حقيقة مهمة وهي: إن التعليم الأساسي هو إلزامي، مسؤولة عنه الدولة والمجتمع والعائلة، في حين إن التعليم العالي اختياري للطالب. وإن المتوسط العالمي لالتحاق الطلبة بالجامعات هو 43 % فقط من خريجي المدارس الثانوية وهو في الاتحاد الأوروبي 50.9 % فقط، وإن البطالة لدينا هي أعلى لمن هم فوق الثانوي وأصحاب التعليم العالي وتتجاوز 30 %.
رابعاً: إن المهارات الأساسية وبناء الشخصية يتمكن منها الطالب وتتبلور في المدرسة والتعليم الأساسي، وليس التعليم العالي. وهذا يستدعي تطوير إمكانات المدرسة بشكل كبير ابتداء من المعلم والإدارة والبيئة المدرسية وانتهاء بالعلاقة مع المجتمع، خاصة وأن متوسط فقر التعلم لدينا وصل 62 %. وفي عين الوقت فإن جامعاتنا ولها كل التقدير والاحترام بحاجة إلى مزيد من الجهد والتطوير في جوانب مختلفة عديدة.
خامساً: إن خصائص “الطالب الذي نريد” لمجتمع المستقبل مجتمع العلم والإبداع والإنتاج تتمثل في الالتزام بالمواطنة والشخصية القوية المعتمدة على الذات والتمتع بالعقل العلمي واحترام التنوع والاختلاف والتمكن من البحث العلمي والمهارات الأساسية والإيمان بالوطن وتوظيف كل المعارف والمهارات من أجل تقدم الوطن وازدهاره. فهل دمج وزارة التربية والتعليم مع التعليم العالي مع التعليم المهني يعطي الفرصة لتشكيل الطالب الذي نريد في المدرسة والمعهد التكنولوجي والجامعة؟ بالتأكيد لا.
سادساً: إن التعليم المهني والتكنولوجي أكثر ارتباطاً بالقطاعات الاقتصادية مباشرة من صناعة إلى زراعة وغيرها. وبالتالي فإن التأهيل لمهنة التدريب تختلف تماماً عن التعليم الاعتيادي ومن هنا لا فائدة من ربط هذا القطاع بوزارة التربية والتعليم.
سابعاً: إذا كانت المدرسة وطلابها بحاجة إلى هذا الجهد فالتعليم المهني والتكنولوجي بحاجة إلى جهد أكبر والتعليم العالي بحاجة إلى جهود ونشاطات ليس داخل الجامعة فقط وإنما وبشكل خاص في تجسير الفجوة بين الجامعات والقطاعات الاقتصادية والتحول من البحوث النظرية إلى البحث والإبداع التطبيقي، وليس الإعادة والتكرار. كما أنه بحاجة إلى رفع الإنفاق على البحث العلمي ليصل 2 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات إذا أردنا للبحث العلمي أن يكون له دور اقتصادي اجتماعي حقيقي في الدولة. هذا إضافة إلى مسألة إنشاء صندوق التعليم لحل مشكلات الازدحام في الجامعات وغير ذلك الكثير الذي يفترض أن تقوم به وزارة التعليم العالي.
وأخيراً فإن نظرية التفكيك والتقسيم والتجميع وإعادة التركيب بذات العناصر لا تغير من النتائج شيئاً. وآن الأوان أن نفكر ونعمل على تجويد العمل ذاته بتفاصيله في كل مؤسسة لدينا، ابتداء من الروضة وانتهاء بالجامعة فذلك الذي ينتظره الوطن.