الغد-عزيزة علي
يشكل كتاب "في خضم الحياة: مذكرات" للمحامي محمد عياش ملحم شهادة إنسانية ووطنية توثق تجربة فلسطينية امتدت عبر مراحل تاريخية مفصلية، منذ سنوات الانتداب البريطاني، مرورا بالنكبة والتشرد والوحدة الأردنية الفلسطينية، وصولا إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة خلال العقود اللاحقة. ويقدم الكتاب قراءة ذاتية لتجربة شخصية تداخل فيها الوطني بالاجتماعي والمهني، ضمن رؤية تؤمن بأهمية العمل العام وخدمة المجتمع.
وتكشف المذكرات، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عن انخراط المؤلف في العمل النقابي والحقوقي والاجتماعي في أكثر من بلد عربي، إلى جانب اهتمامه بالدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز دور المؤسسات المدنية والتعاونية. كما يسلط الكتاب الضوء على معاناة الفلسطيني وما تعرض له من اقتلاع وتشويه للهوية ومحاولات لطمس التراث والذاكرة، مؤكدا أهمية التوثيق وحفظ الرواية الفلسطينية للأجيال المقبلة.
ويقول الدكتور عبدالرحمن شقير، في كلمة على غلاف الكتاب، إن المؤلف يسرد قصة حياته بأسلوب ممتع وجذاب، متناولا الأحداث والمراحل التي مر بها والمنجزات التي حققها بطريقة تفرض احترام القارئ وتشده إلى متابعة القراءة.
ويشير شقير إلى أن المؤلف يؤمن إيمانا عميقا بأهمية المساهمة في العمل العام البنّاء والفاعل، إذ أسهم في تأسيس النقابات العمالية والجمعيات التعاونية والخيرية والاتحادات المهنية، وعمل على تطويرها ودعمها والدفاع عن منتسبيها في فلسطين والأردن والسعودية والكويت.
ويضيف أنه، بعد قراءة المذكرات بتأنٍ، خلص إلى أن صاحبها يتمتع بثقافة واسعة وإلمام عميق بالقانون، إلى جانب نشاطه في الدفاع عن النقابات العمالية، وإيمانه بقضية وطنه وحق شعبه في الحياة الحرة الكريمة، واهتمامه بتأسيس الجمعيات التعاونية والخيرية والدفاع عن حقوق الإنسان ونبذ التمييز بجميع أشكاله. مؤكّدا أن هذه المذكرات مشوقة وجديرة بالقراءة، داعيا المهتمين والمثقفين إلى اقتنائها وإضافتها إلى مكتباتهم.
ولا تقتصر المذكرات على استعادة الأحداث التاريخية، بل تتضمن أيضا تأملات فكرية واجتماعية حول الديمقراطية والعمل الجماعي وأهمية العلم والانفتاح والتطوير، مع الدعوة إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الحوار والعمل المنتج. ويطرح المؤلف، من خلال تجربته الشخصية، رؤية تؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ بالفعل والمبادرة، وأن العدالة الاجتماعية والسياسية لا تتحقق إلا في بيئة تحترم الحرية والكرامة الإنسانية.
وفي مقدمة كتابه، يقول المحامي محمد عياش ملحم إن البعض يلجأ إلى كتابة سيرته الذاتية لما يراه من أعمال جليلة أو عطاء مميز في العلم أو الحياة، لكنه يؤمن بأن حياة كل فلسطيني تستحق أن تُروى، وأن تكون مادة لكتاب متكامل يوثق ما مر به من أحداث وتجارب، سواء عاشها مباشرة أو تأثر بها بصورة غير مباشرة.
ويضيف أن الشعب الفلسطيني حُرم من حق تقرير مصيره، وظل في كثير من المحطات الطرف الغائب عن قضية كان يفترض أن يكون صاحبها الأول، فيما كانت القرارات المتعلقة بوطنه ومستقبله تُتخذ من دون علمه أو موافقته. ولذلك كان الفلسطيني، بحسب المؤلف، "الغائب الحاضر"، والضحية التي تتحمل نتائج المأساة عند وقوعها وبعدها.
ويرى ملحم أن الفلسطيني خسر كثيرا من ملامح استقراره وتراثه وهويته، بعدما طال التزييف والنهب مختلف تفاصيل حياته، من الأرض والقرى والمدن إلى الملبس والمأكل والتراث الشعبي، مشيرا إلى أن الاحتلال سطا حتى على الأزياء الفلسطينية التقليدية ونسبها إلى نفسه.
ويؤكد المؤلف أن هذه المحاولات الممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية، ماديا ومعنويا، تهدف في جوهرها إلى إقصاء صاحب الأرض الحقيقي ومنعه من المطالبة بحقه ووطنه، وهو ما أثبتت الوقائع فشله. ويشير في هذا السياق إلى دعوة الأديب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا إلى توثيق العادات والتقاليد والحكايات والفولكلور وكل ما تختزنه الذاكرة الفلسطينية، حماية لها من النسيان والذوبان أمام محاولات الطمس والتغييب.
ويؤكد محمد عياش ملحم أن هذا الدافع كان السبب الأبرز وراء كتابة هذه المذكرات، التي أراد لها أن توثق تجربة إنسان فلسطيني عايش عن قرب مراحل مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، بدءا من فترة الانتداب، مرورا بالنكبة والتقسيم، ثم مرحلة الوحدة مع الأردن، وصولا إلى حرب عام 1967 وما سبقها من أحداث، سواء في فلسطين أو في المهجر، وذلك ضمن الإطار الذي عاشه ولمسه بنفسه.
ويشير المؤلف إلى أنه لم يلتزم المسار التقليدي المقتصر على المهنة أو شؤون الحياة الخاصة، بل حرص، ضمن إمكاناته المتواضعة، على التفاعل مع مجتمعه والمشاركة في العمل العام، رغم ما جرّه ذلك من متاعب. ويستند في هذا النهج إلى المعنى السامي لقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا﴾، كما تأثر بشعار رآه منقوشا باللغة اللاتينية في بهو بلدية مدينة ليدز، حيث أنهى دراسته الجامعية، ومفاده: "العمل فوق الجميع".
وتختتم المذكرات بتأملات شخصية وإنسانية تلخص تجربة المؤلف الممتدة عبر مراحل مختلفة من حياته، بوصفه مواطنا عربيا فلسطينيا أردنيا عاش ظروفا مشابهة لأبناء جيله على الصعيدين المادي والفكري، مع احتفاظه بانتمائه الوطني رغم التحولات التي شهدتها العقود المتعاقبة.
ويؤكد المؤلف استمرار إيمانه برسالة الخدمة العامة، وسعيه إلى الإسهام في خدمة مجتمعه بالقدر الممكن، انطلاقا من قناعة بأن مجالات العطاء الإنساني لا تحدها قيود الزمان أو المكان. ويستحضر في خاتمته قول الشاعر: "نروح ونغدو لحاجاتنا / وحاجة من عاش لا تنقضي".
ويشير إلى أن العمل الاجتماعي ظل حلما يرافقه منذ وقت مبكر، وإن كان قد مارسه سابقا ضمن حدود ضيقة، إلا أنه يرى اليوم أن فرص المشاركة في هذا المجال أصبحت أوسع وأكثر تنوعا، نتيجة تنامي الوعي بأهمية العمل العام واتساع دائرة المهتمين بالعمل الخيري والاجتماعي في المجتمعات.
كما يوضح أن الميل إلى الخير والعمل الاجتماعي ليس حكرا على فئة بعينها، بل هو نزعة إنسانية عامة قد تظهر في مختلف المراحل العمرية، لكنها تحتاج إلى بيئة محفزة وفرص مناسبة لتتحول إلى فعل ملموس.
ويضيف أن هذا الدور لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يشمل أيضا الجماعات والمنظمات والأحزاب، التي تمتلك إمكانات أكبر لتنظيم الجهود وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتنفيذ برامج العمل الإنساني بصورة أوسع وأكثر تأثيرا. وتدعو مذكرات محمد عياش ملحم إلى قراءة تأملية في العلاقة بين العمل الاجتماعي والعمل المؤسسي، حيث يبرز المؤلف أهمية دور الجماعات والمنظمات والأحزاب، إلى جانب الأفراد، في خدمة المجتمع، مع اختلاف الأدوار والآليات، إذ تمتلك هذه الكيانات قدرة أكبر على تنظيم الجهود وتوجيهها نحو تحقيق أهداف الخدمة العامة والعمل الإنساني.
وينطلق ملحم من قناعة بأن المنظمات والأحزاب، في أصلها، تسعى إلى خدمة المجتمع وتطويره، غير أن اختلاف الوسائل قد يتحول، في بعض السياقات، إلى خلاف أو تنازع، خصوصا في البيئات السياسية الحديثة أو محدودة الخبرة الديمقراطية، أو في الأنظمة التي تضعف فيها حرية التعبير. ومن هنا يؤكد أن العالم العربي بحاجة ملحة إلى تغليب ثقافة الحوار على الصراع، وترسيخ مبادئ الديمقراطية بدلا من الفردية والاستبداد، لا سيما في ظل ما أفرزته التجارب من تأثيرات سلبية داخلية وخارجية.
كما يلفت المؤلف إلى مركزية العمل الفعلي في فكره، من خلال تركيزه على النشاط النقابي والتعاوني والاجتماعي، ورفضه الاكتفاء بالشعارات النظرية التي تفقد معناها من دون تطبيق عملي. ويشدد، في الوقت نفسه، على ضرورة التوازن بين الحياة الخاصة والواجب الاجتماعي، بما يحقق دورا فاعلا في خدمة المجتمع دون إهمال المسؤوليات الشخصية.
ويطرح ملحم رؤية فكرية تدعو إلى التوفيق بين القيم المحلية الأصيلة ومنجزات الحضارة الحديثة، مستشهدا بتجارب دول آسيوية استطاعت تحقيق نهضتها عبر العلم والعمل والانفتاح. كما يؤكد أن العمل الميداني والإنتاجي هو المعيار الحقيقي لنجاح الأفكار، وأن بيئة الحرية هي الشرط الأساسي لازدهار الإبداع والتقدم، في حين يؤدي غيابها إلى الجمود والتراجع.
ويختتم المؤلف رؤيته بالتفاؤل بإمكانية اللحاق بركب التطور، معتبرا أن المجتمعات الحية هي تلك التي ترفض الجمود وتسعى باستمرار إلى التطور العلمي والاجتماعي، بما يحقق العدالة والكرامة والمساواة لجميع أفرادها دون استثناء أو تمييز.