عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Sep-2026

"ذكريات في الجحيم".. هل يستطيع الإنسان التحرر من إرثه؟

 الغد-صالح حمدوني 

 لا تكشف رواية "ذكريات في الجحيم" (دار فضاءات، عمّان،2025) للكاتب الأردني ينال جهاد أبو حشيش عن عالمها السردي إلا بعد أن تُغرق قارئها في طبقات متعاقبة من العتمة: إهداء رمزي بعنوان "الشَّرّ"، فمشهد كوني في العام 2078، فطوكيو 2004، فقرية يابانية نائية العام 1919، ثم تنقّل بين سان فرانسيسكو وقاعات الجامعة الإمبراطورية. 
 
 
هذا التتابع غير الخطّي ليس إلا بنية دلالية تقول إن الزمن هنا ضحيّة، وإن الجحيم بنية متكررة في الذاكرة والوراثة معاً، من خلال رواية مذكّرات يكتبها قاتل يُدعى "زِيرو" -اسمٌ يحيل إلى الفراغ لا إلى هوية- في لحظة اعتراف أخير، غير أنّ أبا حشيش يحول الجحيم من ميتافيزيقا إلى تاريخ، ومن الآخرين إلى الأنا/الأب/الوراثة.
تقوم الرواية على خمس ثيمات متقاطعة تشكل معاً العدم الأخلاقي. أولاها، ثيمة القتل الأبوي الرمزي: قتل زِيرو لأبيه يوشيناكو في طوكيو، وقتل الطبيب جوزيف على يد ابنه سوتو، ما يكشف أن الأب كما هو مصدر للسلطة هو مصدر تلوث جيني وديني معاً. الثانية ثيمة الوراثة/الدم الملوّث، فـ"الدم لا يختفي... حتى لو دفنته، يصعد من تحت التراب"، وهي ثيمة تُقدَّم قدراً وجودياً يُلغي الفداء، في أفق نيتشوي-كافكوي. والثالثة، ثيمة الجحيم المتعدد: القرية، المصعد الدامي، الجامعة الإمبراطورية، الكهف، وجحيم الذات الداخلي؛ جحيمات تتداخل لتقول إن الجحيم بنية تنسخ نفسها في كل مستوى من الفردي إلى الكوني. الرابعة، ثيمة القتل بوصفه معرفة لا متعة: عبر شخصية كيتسونة التي تذبح الطفل ياكوتو "طلباً للمعرفة لا للتلذذ"، في استدعاء مقلوب أن المعرفة هنا هلاك لا تحرر. الخامسة، وهي الأكثر دلالة، ثيمة الأنا المُجزَّأة/المرآة المقلوبة، المتجسدة في توأمة زِيرو وكيتسونة أخوان من أب واحد، وفي علاقة كل ابن بأبيه بوصفه نسخة منه، بما يستدعي.
فلسفياً، يتخذ السارد موقفاً عدمياً أخلاقياً بأن الحياة خطأ يصححه الموت، لكنها عدمية ترفض التبرير الذاتي، إذ يقول زِيرو: "لا أطلب غفراناً... كلّ ما أريده أن أنزع عن رأسي هذه الجُثّة". وتكشف القراءة أن الرواية تقوم على الذات - الجمعية، زِيرو نوعٌ لا فرد - الابن، التلميذ، الجندي- لكن هذه الرؤية الجمعية تُقدم بلسان ذات منعزلة بلا هوية ثقافية محددة، ما يفتح قراءتها بوصفها رواية المنفى الوجودي. رمزيا وأسطورياً، يوظف النص مرجعيات يابانية (الساموراي/البوشيدو)، ودينية إبراهيمية (قابيل وهابيل، إبراهيم/الذبيح)، وإغريقية (أوديب الذي يقتل أباه وهو يعرف، لا جاهلاً كما في الأسطورة الأصلية).
يقوم الإيقاع الداخلي على التناوب بين فصول قصيرة متقطّعة تنتهي بنقاط متتابعة تخلق وقفات صامتة، مقابل فصول تأملية ذات جُمل متداخلة أقرب إلى التراتيل. هذا التقطع يشكل بنية دلالية تطابق تشظّي الذات الساردة. أما التناغم الداخلي، فيتحقق عبر الاسترجاع المتكرر كعبارة "الدم لا يختفي" و"العالم كله ظلام" المتكررتين على ألسنة شخصيات مختلفة، بوصفهما بنية فلسفية؛ والتضمين الغنائي في لحظات الذروة الدرامية كأنشودة كيتسونة عند ذبح ياكوتو، بما يخلق تناقضاً مفزعاً بين اللحن الطفولي والحدث الشيطاني؛ والتوازي البنيوي بين مشاهد القتل عبر الأجيال (قتل زِيرو لأبيه يُقابله قتل سوتو للطبيب)، بما يخلق تناغماً تراجيدياً يذكّر بالتراجيديا الإغريقية، حيث يتكرر القدر عبر الأجيال ويتطور عنفاً لا يتكرر تكراراً حرفياً.
يتقاطع في الرواية السياق الياباني (القرية المعزولة، طوكيو الإمبراطورية، حقبة 1912-1945 وظاهرة الكاميكاز)، والسياق العربي المضمر (اللجوء، القرى المهجّرة، السلطة العشائرية). ويقوم بناء الذات الساردة على عقدة الأب في صيغة أوديب منحرفة، بدلاً من أن يقتل الابن الأب ويتزوج الأم كما في الأسطورة الكلاسيكية، يقتل الابن أبيه ليتحرر من سيطرته فيكتشف أن القتل لا يحرر بل يُكرر، عبر أربع مراحل: التطابق مع الأب، حيث يرى الابن نفسه امتداداً له ويقبل مهنته، فالشك حين يبدأ بطرح أسئلة عن هويته الحقيقية، فالاكتشاف حين يعرف أن أباه ربّاه ليكون نصباً تذكارياً يخفي عاره القديم، ثم القتل الرمزي/الحقيقي الذي يُورط بدل أن يحرر. وتتعدد أزواج الأب/الابن (زِيرو ويوشيناكو، سوتو وجوزيف، يوشيناكو ووالده الأبعد) في بنية موروثة تنتقل من جيل إلى جيل، حيث يُعيد القتل إنتاج السلسلة بصورة جديدة، وتُورَّث الذكريات المؤلمة عبر الأجيال بآليات لا واعية. لذا يدور النص حول السؤال: هل تتخطى الذات شرطها الموروث أم تُعيد إنتاجه حتماً؟. تُقدم إجابات متعددة متعارضة عبر الشخصيات دون حسم، فتصبح الرواية رواية السؤال. 
وتكشف الرواية منظومة تهميش تطال الأطفال والنساء والفلاحين والأقليات، الذين لا يُذكرون إلا لاختفائهم، فتُسجل وفياتهم دون أن تُروى قصصهم، في تاريخ صامت بامتياز. ويظلّ السارد نفسه، رغم انتمائه للعائلة المسيطرة، مُهمَّشاً بوصفه أداة لا ذاتاً وقاتلاً مُلاحَقاً، وهو ما يخلق تضامناً خفياً بينه وبين المُهمَّشين. وتقاوم الرواية خطاب النقاء الجيني/العائلي الذي يُفضح بوصفه قناعاً للإبادة، وخطاب السلطة المؤسساتية بوصفه آلية لإنتاج الذوات الخاضعة، وخطاب السلطة الأبوية/العشائرية الذي يكشف عن بنيته القمعية رغم تقديمه قاعدةً للسلطة، وخطاب الوظيفة العلمية للقتل بوصفه قناعاً للساديّة. في المقابل تُشرعن الرواية خطاب الاعتراف بوصفه فعلاً تحريرياً، ورؤية جمعية للشرط الإنساني المأزوم تكتفي بالتشخيص دون الوعد بخلاص.
تمثل رواية "ذكريات في الجحيم"، للروائي الشاب ينال أبو حشيش، محاولة جدية لتقديم رواية عربية كونية تعالج الشرط الإنساني في أبعاده الكلية لا في خصوصيته المحلية، وهو طموح يستحق الإشادة رغم مخاطره. فنياً، تقوم الرواية على بنية سردية مركبة متعددة الأصوات والأزمنة، لكنها تعاني هنّات بنائية تمس الانسجام. لغوياً، تكشف عن إيقاع شعري لافت تُضعفه فجوات أسلوبية. فكرياً، تقدم رؤية عدمية أخلاقية متماسكة تشوبها تناقضات داخلية. يمكن وضعها ضمن تيار الرواية الفلسفية العربية الحديثة، لكنها تتميز بتخليها عن السياق العربي المباشر لصالح سياق ياباني/كوني، أقرب إلى التجريب. وتؤسس لصوت روائي واعد يستحق المتابعة، كما تستحق الرواية قراءة ثانية وثالثة، لأنها تطرح أسئلة جديدة، وتترك سؤالها الأخير مفتوحاً، ماذا يُنتج الإنسان حين يُنتج القتل؟.