الدستور
من لا يتذكر الماضي محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى - جورج سنتايانا، فيلسوف إسباني.
يقول مثل إنجليزي: إن خدعتني مرة فالعيب عليك، وإن خدعتني مرتين فالعيب عليّ. غير أن ما يبدو اليوم هو أن الأكراد لم يتعلموا بعد دروس الماضي.
دخل الأكراد في العراق أكثر من مرة في صراعات مع الحكومة المركزية بدعم وتشجيع من الولايات المتحدة، لكن واشنطن كانت تتركهم في منتصف الطريق في كل مرة، تاركةً إياهم في مواجهة انتقام قاسٍ.
ففي عام 1975 دعمت الولايات المتحدة تمردًا كرديًا ضد بغداد، لكنها سحبت دعمها فجأة عقب اتفاق الجزائر بين العراق وإيران، الأمر الذي أدى إلى انهيار التمرد سريعًا. وأعقب ذلك إجراءات أمنية وديموغرافية عقابية قاسية اتخذتها الحكومة العراقية، أسفرت عن نزوح أكثر من مئة ألف كردي إلى إيران وتجريف قرى كاملة. وتكرر المشهد عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية، حين شجعت الولايات المتحدة انتفاضة كردية ضد نظام صدام حسين، ولوّحت بتدخل عسكري لم يتحقق. وقد اعتبره مؤرخون أكبر خيانة أمريكية بحق الأكراد في القرن العشرين. فجاء رد النظام العراقي عنيفًا؛ إذ تعرضت المدن والقرى الكردية للقصف، وقُمعت الانتفاضة بوحشية.
اليوم تفيد تقارير بأن آلاف المقاتلين الأكراد المتمركزين في العراق بدأوا بالتحرك نحو غرب إيران، في تطور قد يفتح جبهة برية جديدة ضد طهران. ويقول مسؤولون في ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران إن مقاتلين من حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) دخلوا الأراضي الإيرانية في الثاني من هذا الشهر، وتمركزوا في جبال زاغروس قرب مدينة مريوان الحدودية. ويضم الحزب عدة آلاف من المقاتلين، من بينهم وحدات نسائية مستوحاة من التشكيلات الكردية التي شاركت في قتال تنظيم داعش في العراق. كما أبدت جماعات كردية إيرانية أخرى مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و«كومله» وحزب حرية كردستان استعدادها للتعاون مع حزب بيجاك المسلح. وتتمتع هذه القوات بخبرة قتالية طويلة وتمرس في المعارك، فضلاً عن عداء شديد لطهران.
يتمثل الهدف من هذه القوات المدعومة من الولايات المتحدة في تشتيت الجيش الإيراني وجرّه إلى القتال على أكثر من جبهة، بما يحدّ من قدرته على قمع الاحتجاجات في المدن الكبرى كما فعل في الانتفاضات السابقة، الأمر الذي قد يفاقم الضغوط الداخلية على النظام في إيران. غير أن هذه العملية سلاح ذو حدّين، وغالبًا ما تكون محكومة بالفشل لأسباب عديدة. ففي مثل هذه الظروف تميل الأنظمة إلى استنهاض النزعة القومية، وهي نزعة راسخة وقوية في إيران، وسيُقدَّم ما يجري للرأي العام بوصفه اعتداءً على إيران نفسها، مع تصوير الأكراد كقوة مدعومة من الكيان والولايات المتحدة، وهو ما سيحرمهم من أي تعاطف ودعم داخلي.
ويُضاف إلى ذلك أن إيران ليست دولة متجانسة عرقيًا؛ فالفُرس لا يشكلون سوى أغلبية محدودة، في حين تضم البلاد قوميات أخرى كالأذريين والأكراد والبلوش وغيرهم. قد يثير أي تمرد كردي مخاوف من تفكك الدولة، الأمر الذي قد يدفع شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى الالتفاف حول النظام، بصرف النظر عن موقفهم الحقيقي منه، حبًا كان أم كرهًا.
كما أن الساحة الكردية نفسها ليست موحّدة؛ إذ تعاني انقسامات داخلية تتجلى في تنافسات وصراعات أيديولوجية وتباين واضح في الأجندات بين الفصائل المختلفة. أما القيادات الكردية في العراق التي نجحت خلال عقود في بناء إقليم شبه مستقل فهي تتعامل بحذر شديد مع أي تحركات قد تزعزع الاستقرار القائم. كما أن ذاكرة الأكراد ما زالت تحتفظ بتجارب مريرة، حيث انتهت تحالفاتهم مع القوى الكبرى في كثير من الأحيان بالتخلي عنهم في اللحظة الحاسمة.
وتضيف تركيا بُعدًا آخر من التعقيد إلى المشهد؛ إذ تنظر أنقرة إلى أي توسع في الحكم الذاتي الكردي باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وإذا ما نشأ تقارب بين المناطق الكردية في العراق وإيران، فقد يدفع ذلك تركيا إلى الانتقال من موقع الشريك غير المباشر في الحرب إلى الانخراط كطرف مباشر في النزاع.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيتعلم الأكراد من دروس الماضي، أم أن بريق حلم الدولة يُعمي الأبصار؟