عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2026

أين الصين وروسيا؟*إسماعيل الشريف

 الدستور

السياسة فنُّ الممكن  -  ميكافيلي.
 
مع تصاعد وتيرة الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، يبرز سؤال بديهي: أين تقف الصين وروسيا من هذه الحرب؟ ولماذا لا تدعمان إيران عسكريًا؟ فالمعركة تجري عمليًا في حديقتهما الخلفية، وانهيار إيران يعني وصول الولايات المتحدة إلى حدودهما المباشرة، وتمكّنها من السيطرة على ممرات الطاقة والنفط.
 
تتعدد الأسباب التي تفسر هذا الموقف. فأولها أن العلاقات بين هذه الدول لا تقوم على اتفاقيات دفاعٍ مشترك، بخلاف معاهدات حلف الناتو؛ إذ لا تتضمن علاقاتها ما يُلزم روسيا أو الصين بالدفاع عن إيران في حال تعرضها لهجوم. صحيح أن روسيا وصفت الضربات الأمريكية–الصهيونية بأنها «أعمال عدوانية مسلحة غير مبررة»، إلا أنها لم ترسل أي قوات أو أسلحة للقتال إلى جانب إيران، مفضلة التركيز على الدعم الدبلوماسي ومحاولات الوساطة. كما أن اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية القائمة بين هذه الدول لا تتضمن بنودًا للدفاع المشترك، ما يعني غياب أي آلية تلزمها بتقديم دعم عسكري مباشر.
 
ومن ناحية أخرى، تنخرط روسيا أصلًا في حرب صعبة مع أوكرانيا، بالتزامن مع مفاوضات تجريها مع الولايات المتحدة. ولذلك فإن فتح جبهة جديدة في مواجهة واشنطن قد يعرّض تلك المفاوضات للخطر. وتسعى موسكو في هذه المرحلة إلى تثبيت مكاسبها في أوكرانيا وفرض وقائع ميدانية تحقق أهدافها في الحرب، ما يجعل إيران بالنسبة لها ورقة يمكن توظيفها ضمن حسابات التفاوض الأوسع. ومن ثم فإن مصلحة روسيا تكمن في تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، لا في تصعيدها.
 
أما الصين، فرغم علاقاتها الاقتصادية القوية مع إيران بوصفها أحد المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، فإن لديها دوافع استراتيجية واضحة لتجنب التدخل العسكري المباشر. فبكين تعتمد على إمدادات نفط مستقرة من الشرق الأوسط، ولا تستطيع تحمل اضطراب الملاحة في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز أو الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة. كما تسعى الصين إلى ترسيخ صورتها الدولية بوصفها قوة داعمة للاستقرار، ولذلك تدعو باستمرار إلى وقف إطلاق النار وإلى الحلول الدبلوماسية بدل الانخراط في مواجهة عسكرية. ويضاف إلى ذلك أن بكين تستعد لعقد عدد من القمم رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة، ولا ترغب في أن يعرقل هذا الصراع مسار المفاوضات الأوسع بينهما. وفي هذا السياق قد تتحول إيران إلى ورقة تفاوض ضمن ملفات أكبر، مثل تايوان والسياسات الاقتصادية.
 
كذلك لا تتطابق مصالح الصين وروسيا بالكامل مع مصالح إيران. فمع أنهما قد تستفيدان من انشغال الولايات المتحدة في حرب تستنزفها وتؤدي إلى تراجع نفوذها العالمي، فإنهما تختلفان أيديولوجيًا مع النظام الإيراني، كما تتحفظان على بعض أساليبه التصادمية في إدارة الصراع. وإلى جانب ذلك تدرك كل من موسكو وبكين أن أي تدخل عسكري مباشر ضد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد يفتح الباب أمام صراع أوسع نطاقًا، وهو ما يجعلهما حذرتين من المجازفة بمواجهة مباشرة مع الجيش الأمريكي الذي يمتلك قدرات عسكرية هائلة.
 
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الصين وروسيا ترغبان في إضعاف إيران أو انهيارها؛ فهما في الواقع تفضلان بقاءها على وضعها الحالي دولةً رافضة للنفوذ الأمريكي في المنطقة. لكنهما في الوقت ذاته حريصتان على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الغرب في قضايا عديدة اقتصادية وتكنولوجية ونووية. لذلك تميلان إلى دعم إيران بطرق غير مباشرة، بدل خوض معاركها العسكرية مباشرة، وهو ما يمنحهما قدرًا أكبر من المرونة ويجنبها الانزلاق إلى حرب شاملة.
 
ولا يعني ذلك أيضًا أنهما لا تقدمان لإيران أشكالًا من الدعم غير المعلن؛ إذ يُرجَّح أنهما توفران لها قدرًا من الدعم الاستخباراتي والتقني والاقتصادي يساعدها على تخفيف أثر الحصار. غير أن هذا الدعم يُدار بحذر شديد، في إطار توازن دقيق يهدف إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لأن مصالحهما الاستراتيجية تميل إلى الحفاظ على قدر من الاستقرار الإقليمي، لا إلى الانزلاق نحو الفوضى والدمار.
 
إن العالم يتجه بالفعل إلى الخروج من نظام القطب الواحد نحو نظامٍ دولي متعدد الأقطاب، غير أن التحالفات في هذا العالم ليست مطلقة، بل تقوم أساسًا على المصالح المتبادلة وعلى أدوات الدبلوماسية والاقتصاد، وهي وسائل أكثر أمانًا وأقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن موقفي الصين وروسيا سيبقيان ثابتين بالضرورة؛ فمع تطور الحرب وتغير معطياتها قد تتبدل الحسابات وتتحول المواقف تبعًا لمجريات الأحداث، والله أعلم.