الغد
فرضت الأحداث الدامية التي تكثفت في منطقتنا في الأعوام الأخيرة فرزًا حادًا في المواقف والاقتراحات. ويمكن رصد موقفين مركزيين: الأول -والأكثر شعبية في الغالب- يرى أن المنطقة تتعرض لهجمة أميركية-صهيونية لتكريس هيمنة أبدية عليها. وهو مشروع عدواني بوضوح، غايته إخضاع الشعوب والدول، وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح أعدائها الصريحين –وبذلك يجب مواجهته ومقاومته مهما كانت الكلفة. والموقف الثاني يوصي بخيار التكيف مع موازين القوة القائمة، والانخراط في المشروع المهيمن أو الانسجام معه، باعتبار أن مقاومته عبثية، وأن الصراع معه غير متكافئ، وأن الواقعية السياسية تقتضي القبول بما لا يمكن تغييره.
لا تخفى على شعوب المنطقة فكرة أن خطاب «التكيف» يتماهى ويتطابق مع خطاب قادة مشروع الهيمنة –نتنياهو وترامب في المقدمة- ويخدمه. ويستطيع المراقب أن يرى كمّ النقد والشتم في ردود فعل الناس العاديين على مشاركات ومقالات الذين يوجهون اللوم في كوارث المنطقة إلى الذين يحاولون مقاومة مشروع الهيمنة الصهيوني-الإمبريالي حتى بأرواحهم نفسها. وقد أحصيت –على سبيل المثال- نحو 900 تعليق مستنكر ومليء بالشتم على مداخلة شخص يحسب نفسه على المحللين السياسيين، اقترح أن المقاومة الفلسطينية وحكومة الكيان اليمينية الإبادية هما شيء واحد. (أيده نحو خمسة من الذين تشاهدهم يؤيدون كل مداخلاته).
من العجيب أن أحدًا يستمر في تكرار نفس الأفكار بينما تُقابل كل مدخلاته دائمًا بالاستنكار والشجب والشتم من الناس العاديين، ويواصل إتحافهم بعبقرياته، ولا يشعر بالخجل أو بأن عليه مراجعة مواقفه. وثمة في الحقيقة فئة أصبحت معروفة من الأسماء التي تغزل على نفس النول، من الذين يبررون –إما هم أنفسهم أو أحد أصدقائهم في تعليق- حجم الرفض الذي يلاقونه بحجة «لا كرامة لنبي في وطنه» أو ما شابه، على أساس أن أفكارهم ثورية ولذلك لا يفهمها الناس. وتتكرر كلمات مثل «الرعاع» و»الشارع» و»الشعبويين» لوصف عشرات ومئات وملايين الناس الذين يرفضون. والرد الجاهز هو أن الشعوب العربية لا تفهم العالم كما هو، وأن «العامة» أسرى للعواطف والشعارات، وعاجزون عن إدراك تعقيدات السياسة وموازين القوى. وبذلك يحول هؤلاء «النخبة» عجزهم عن تقديم أطروحة مقنعة أو انحيازهم لمعسكر القوة إلى علامة على تفوقهم المعرفي والأخلاقي بما يعفيهم من الاستماع إلى «الجهلة».
ثمة خيط رفيع يفصل حقًا بين المفكر الذي يسبق عصره، وبين النخبوي الذي يتخيل أن مجرد انفصاله عن عواطف الجماهير العريضة وحدوسها هو دليل على عمقه -وضحالتهم. ورؤية هذا الخيط مهمة لأن الخلط بين الحالتين يتيح «عقلنة» أي فكرة مهزومة أخلاقيًا أو شعبيًا بوصفها «حقيقة مطلقة وعميقة لا يفهمها الرعاع»، ويحوّل كل اعتراض جماهيري إلى دليل إضافي على «تفوق» صاحب الفكرة واستبعاد احتمال أن تكون الفكرة معيبة في ذاتها.
في العادة، تواجه الأفكار الجديدة –الديمقراطية مثلًا- معارضة في البدايات، لكنها سرعان ما تشرع في إحراز تقدم يفرضه منطقها وتبدأ في اكتساب القبول الشعبي. لكنّ «فكرة ثورية» من نوع إقناع الناس بتغيير آرائهم في ما يميزونه على أنه يمس كرامتهم ومصالحهم ووجودهم التاريخي نفسه، ليست في الغالب «فكرة» ولا «ثورية» –وبالتأكيد ليست «تحررية».
ليست كل فكرة مرفوضة فكرة عظيمة، وليس كل خطاب يصطدم بالجمهور خطابًا شجاعًا أو عميقًا أو رؤيويًا. إنه يكون مرفوضًا لأنه ببساطة يطلب من الناس القبول بإذلالهم أو التخلي عن حقوقهم أو إعادة تعريف مصالحهم وفق منظور القوة الغاشمة التي تستهدف بلدانهم بالتدمير الصريح أو الضمني. ولا شك أن فكرة احتقار «العامة» تكشف سوء فهم عميق لطبيعة المعرفة نفسها. لا يمكن اعتبار الناس كتلة جاهلة تتحرك بالغريزة وحدها، كما يحب بعض «سابقي عصرهم» هؤلاء أن يتخيلوا. إن لدى الناس خبرات تاريخية متراكمة، وحدس سياسي يتشكل من التجربة اليومية مع القهر والهيمنة والإذلال. وربما لا يملكون هبة صياغة أفكارهم بلغة أكاديمية معقدة، لكنهم يدركون غالبًا، مباشرة، من يقف معهم ومن يطلب منهم الاستسلام بتأويلات موجّهة لمفاهيم مركبة مثل «الواقعية» و»العقلانية» و»فهم العالم كما هو».
تاريخيًا، اصطدمت المشاريع التي حاولت فرض التكيف مع الهيمنة الخارجية بحاجز شعبي عنيد. ولم يكن السبب أن الجماهير ترفض «المنطق»، وإنما لأنها تشعر حدسيًا بأن المطلوب منها، في النهاية، هو القبول بموقع أدنى في العالم والتصالح مع اختلال القوة بوصفه قانونًا أبديًا. وعندما يُطلب من الشعوب التضحية بكرامتها وما تراه مستقبلها وحريتها المبتغاة مقابل «الاستقرار» على حرمانها منها، يكون رفضها موقفًا أخلاقيًا وتاريخيًا، وليس انفعال «رعاع».
ثمة فكرة أخيرة: من لغة «الرؤيويين» المذكورين وبراعتهم التعبيرية، يبدو أن المسألة لا تتعلق بأنهم لا يعرفون. إنها تتعلق أكثر، على الأغلب، باعتقادهم بأن من مطلق «الواقعية» (والشيء بالشير يُذكر) أن يكسب المرء عيشه بما يمتلك من مهارات. وإذا كانت لديك مهارة تزيين وتسويق الأفكار و»صناعة المحتوى» لأحد يدفع جيدًا أو يكافئك جيدًا لقاء بيع خطابه وبضاعته، فإنك ستكون طوباويًا وحالمًا وتستأهل كل ما يحدث لك إذا لم تغتنم الفرصة وتأخذ الوظيفة وتؤديها بإخلاص على أساس: الشغل شغل. و»للناس فيما يعشقون مذاهبُ»!