عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Feb-2026

اللاجئون الفلسطينيون والتهجير القسري*علي ابو حبلة

 الدستور

تُعد قضية اللاجئين الفلسطينيين من أكثر قضايا اللجوء رسوخًا وتعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، ليس فقط لطول أمدها، بل لكونها مرتبطة بجريمة دولية مستمرة تتمثل في الاحتلال والتهجير القسري ومنع العودة، في انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. فهذه القضية لا تعكس مأساة إنسانية فحسب، بل تكشف خللًا بنيويًا في تطبيق العدالة الدولية وانتقائية إنفاذ قراراتها.
 
من منظور القانون الدولي الإنساني، تحظر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 النقل القسري الفردي أو الجماعي للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وتُصنّف التهجير القسري كـ»انتهاك جسيم» قد يرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وفي الحالة الفلسطينية، لم يكن التهجير حدثًا عابرًا ارتبط بحرب انتهت، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي، وما زالت مستمرة بأشكال مختلفة حتى اليوم.
 
ويشكّل حق العودة جوهر القضية الفلسطينية، وقد كُرّس بوضوح في القرار 194 للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب قواعد القانون الدولي العرفي التي تؤكد حق كل فرد في العودة إلى وطنه وعدم الحرمان التعسفي من ممتلكاته. ويتميّز هذا الحق بأنه فردي وجماعي، غير قابل للتصرف أو السقوط بالتقادم، ولا يخضع للمفاوضات السياسية أو موازين القوة. غير أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في تعطيل آليات تنفيذها وتحويلها إلى التزامات أخلاقية بلا قوة إلزام.
 
الخطير في المشهد الراهن أن التهجير القسري لم يعد حبيس ذاكرة النكبة، بل يتجدد اليوم عبر استهداف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. فاقتحام المخيمات، وتدمير المنازل والبنى التحتية، وفرض النزوح القسري تحت ذرائع أمنية، تمثل انتهاكًا مركبًا: انتهاكًا لحقوق اللاجئين، وانتهاكًا لحماية المدنيين تحت الاحتلال، ومحاولة لتفريغ المخيم من رمزيته القانونية والسياسية بوصفه شاهدًا حيًا على جريمة لم تُحل.
 
إن تهجير سكان المخيمات لا يمكن فصله عن مساعٍ أوسع لتحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية وقانونية إلى ملف إنساني إغاثي، يُدار بدل أن يُحل، بما يفتح الباب أمام مشاريع التوطين أو التعويض المشروط، في تعارض مباشر مع القانون الدولي.
 
وعند مقارنة الحالة الفلسطينية بحالات لجوء دولية أخرى، تتجلى ازدواجية المعايير بوضوح. ففي البوسنة والهرسك، جرى التأكيد دوليًا على حق عودة اللاجئين، وأُنشئت آليات تنفيذ وربطت المساعدات الدولية باحترام هذا الحق. وفي الحالة الأوكرانية، حظي اللاجئون بدعم سياسي وقانوني واسع، مع تحميل الدولة المعتدية مسؤوليات واضحة تتعلق بالعودة والتعويض. أما اللاجئون الفلسطينيون، فرغم وضوح الأساس القانوني لقضيتهم، ما زال حقهم في العودة معطّلًا، بل مستهدفًا سياسيًا.
 
تتحمل دولة الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن التهجير القسري ومنع العودة ومصادرة الممتلكات، كما تتحمل الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف التزامًا قانونيًا بعدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة، وعدم تقديم أي دعم يُسهم في استدامتها. أما الأمم المتحدة، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على إدارة الأزمة إنسانيًا، بل يتعين عليها حماية جوهر الحقوق القانونية للاجئين.
 
خلاصة القول، إن قضية اللاجئين الفلسطينيين تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي. فإما أن يُعاد الاعتبار للقانون الدولي الإنساني كنظام ملزم وعادل، أو يبقى القانون رهينة للسياسة، وتبقى العدالة مؤجلة لشعب لا يزال يدفع ثمن تهجيره منذ أكثر من سبعة عقود.