عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Sep-2026

هل قلب ترامب الطاولة على إيران؟

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
تريتا بارسي* - (منصة سبستاك) 21/8/2026
 
للمرة الأولى في حرب إيران، يعتقد ترامب أن الوقت يعمل لمصلحته. لكن إيران تبدو غير مكترثة -في الوقت الراهن. وتراهن واشنطن، بعد استنزاف خياراتها العسكرية، على "الخنق الاقتصادي" لإجبار إيران على الاستسلام، مستفيدة من تراجع فاعلية إغلاق مضيق هرمز. لكن طهران لا تبدو قلقة، وتراهن على صمودها وقدرتها على التصعيد. وقد يقود الخلط بين الضغط والنصر إلى جولة جديدة من الحرب.
 
 
تعتقد إدارة ترامب هذه الأيام أنها قلبت الطاولة على إيران. وتقدّر واشنطن أن إعادة توجيه حركة الملاحة البحرية لتمر عبر الجزء العُماني من الممر المائي، بالتزامن مع التحول العالمي بعيداً عن نفط الخليج العربي، قلّلا من فاعلية إغلاق طهران لمضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، أدى الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية إلى تقييد قدرة البلد على بيع نفطه بشدة. والنتيجة، من وجهة نظر واشنطن، هي وضع راهن يفرض على إيران تكاليف تفوق تلك التي تتحملها الولايات المتحدة.
يشكل هذا الحساب تغييراً للمعادلة الإستراتيجية. فبدلاً من أن يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه مضطراً إلى الاستجابة للمطالب الإيرانية، فإنه يعتقد الآن أنه يستطيع الانتظار حتى تستنفد طهران قدرتها على الصمود. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يبدو أن البيت الأبيض خلص إلى استنتاج أن الوقت يعمل لصالح أميركا.
بافتراض صحة هذا التقييم، يكون السؤال الأهم هو ما الذي يعتزم ترامب فعله بهذه الأوراق الضاغطة الجديدة؟ وإذا فسّرت واشنطن هشاشة إيران باعتبارها فرصة لانتزاع استسلامها بدلاً من استخدامها للتفاوض على تسوية مستدامة، يغلِب أن تكون النتيجة جولة أخرى من الحرب وليس وضع نهاية للصراع. وقد أثبتت طهران فعلياً أنها حين تُواجَه بخيار بين الاستسلام والتصعيد فإنها ستختار التصعيد. وبذلك، ليس من المرجح أن يفضي وضع إيران أمام الخيار نفسه مرة أخرى إلى نتيجة مختلفة.
سوف يكون السبيل الوحيد لتحويل هذا التحول غير المتوقع في ميزان النفوذ إلى انتصار سياسي هو الدبلوماسية. وإذا كان تقدير واشنطن للموقف صحيحاً، فإن لديها الآن فرصة لاستخدام نفوذها للحصول على تسوية توافقية تعالج مصالحها الأساسية، بينما تمنح في الوقت نفسه طهران سبباً كافياً لقبول اتفاق. أما إذا اختارت الإدارة بدلاً من ذلك تبنّي مطالب قصوى، فإنها تخاطر بتحويل لحظة نفوذ سانحة إلى دورة أخرى من الحرب.
لكن واشنطن دأبت، تاريخياً، على ارتكاب هذا الخطأ تحديداً. كلما خلص صانعو السياسة الأميركيون إلى أن الوقت والنفوذ يعملان لمصلحتهم، فإنهم لم يتعاملوا غالباً مع ضعف إيران بوصفه نافذة للتسوية، وإنما كفرصة لانتزاع استسلامها. ويكمن الخطر في قيام ترامب بتكرار هذا النمط بحيث يخلط بين امتلاك أوراق الضغط وتحقيق النصر، ويحوّل موقعاً تفاوضياً مواتياً كان يمكن استثماره إلى استمرار للمأساة التي تطبع العلاقات الأميركية-الإيرانية.
أخفق ترامب عسكرياً، لكنه يعتقد أنه يستطيع الانتصار اقتصادياً
لقد استنفدت أميركا خياراتها العسكرية. ولعل المؤشر الأوضح على ذلك هو أن إدارة ترامب أوقفت ضرباتها للأهداف الإيرانية، حتى بينما تواصل طهران مهاجمة السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز. وقد أسفر هجوم إيراني شُن يوم الاثنين، 10 آب (أغسطس)، عن مقتل أحد أفراد طاقم سفينة كانت تستخدم الممر الجنوبي. ومع ذلك، لم تقم واشنطن بالرد عسكرياً على الهجوم، على الرغم من أن الجولة الثانية من الحرب كانت قد اندلعت تحديداً لأن الإدارة أعلنت أنها لا تستطيع قبول إطلاق إيران النار على السفن.
بحسب وكالة "رويترز"، استنفدت القوات الأميركية تقريباً كامل مخزونها العالمي من صواريخ "أتاكمس" (ATACMS) وصواريخ الضربة الدقيقة "بي. آر. إس. إم" (PrSM) خلال الصراع مع إيران الممتد لخمسة أشهر. كما تم استهلاك نحو 65 في المائة من صواريخ الاعتراض من طراز "باتريوت"، و38 في المائة من صواريخ "ثاد" (THAAD) الاعتراضية، وما يقرب من نصف صواريخ "كروز توماهوك" التابعة للبحرية الأميركية.
وكما يبدو، أجبر استنزاف هذه المخزونات ترامب على التخلي عن السعي إلى تحقيق حسم عسكري قاطع، وتحويل العبء إلى طهران عن طريق الضغط الاقتصادي. ويبدو أن هذه الإستراتيجية تحقق بدورها نتائج بوتيرة أسرع -وبدرجة أكبر- مما توقعت الإدارة.
ويعود هذا النجاح بشكل أساسي، وفقاً للرواية الأميركية للأحداث، إلى ثلاثة عوامل: الأول هو استخدام سفن جديدة وأكبر بكثير تقوم بنقل النفط الخام في المقام الأول. وتستطيع هذه الناقلات العملاقة جداً للنفط الخام نقل ما يصل إلى مليوني برميل من النفط، في حين تتراوح حمولة الناقلات النفطية العادية الأخرى بين 350 ألف برميل ومليون برميل.
قبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يشهد يومياً مرور نحو 21 مليون برميل من النفط والمواد البترولية الخام، تنقلها ما بين 65 و80 ناقلة. والآن، أصبح بالإمكان نقل كمية مماثلة من النفط عبر المضيق بواسطة عشر ناقلات عملاقة فقط يومياً. وبالنظر إلى أن الغالبية العظمى من السفن التي تعبر المضيق عبر الممر الجنوبي تعمد إلى إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، لم تتمكن الوسائل التي تتعقب حركة الملاحة من رصد هذا النشاط.
ثانياً، شهد الطلب على نفط الخليج العربي انخفاضاً كبيراً بعد أن شرعت اقتصادات عديدة في التحول إلى مصادر أخرى للإمداد. وعلى سبيل المثال، زادت البرازيل صادراتها النفطية، وبدأت في تزويد أسواق كانت تعتمد في السابق على نفط الخليج العربي. والأهم من ذلك هو أن بكين تبدو وكأنها خفّضت استهلاكها النفطي عمداً للحيلولة دون بقاء الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وبذلك تفاقم خطر حدوث ركود عالمي.
ثالثاً، أوجدت الحرب حوافز اقتصادية قوية بما يكفي لجذب السفن والأطقم المستعدة لتحمل قدر أكبر بكثير من المخاطر. ويكشف تزايد حجم حركة الملاحة عبر الممر الجنوبي، على الرغم من المخاطر الواضحة التي ينطوي عليها ذلك، أن هذه الحوافز أصبحت أقوى بطريقة مثيرة للدهشة.
على خلاف مع أوهامها السابقة بأن الحصار يمكن أن يشكل ضربة قاضية مضمونة ضد النظام الإيراني، لم تعد واشنطن تتوقع أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى استسلام سريع للبلد. وتبدو الإدارة الآن وكأنها تراهن بدلاً من ذلك على عملية أبطأ من الخنق الاقتصادي، والتي تنتهي في نهاية المطاف إلى إرغام طهران على الاستسلام. وبذلك، حلّ محل الأمل بتحقيق ضربة قاضية أمل أكثر هشاشة وتواضعاً في نجاح خنق طويل الأمد.
طهران ليست قلقة -في الوقت الراهن
تكاد حسابات إيران تقف على النقيض التام لحسابات واشنطن. ومن حيث المبدأ، تشك طهران في قدرة الولايات المتحدة على إبقاء حركة الناقلات العملاقة (VLCC) عبر المضيق على وتيرتها الحالية، وتعتقد أنه لن يكون أمام ترامب -خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة- خيار يُذكر سوى العودة إلى "مذكرة التفاهم" الموقعة في إسلام آباد. وربما تكون واشنطن قد أحرزت تقدماً في تصدير النفط، لكن الغاز الطبيعي المسال وكثيراً من المنتجات البتروكيماوية -بما فيها الأسمدة- ما تزال غير قادرة على مغادرة الخليج العربي.
كما تبدو طهران أيضاً واثقة من أنها ما تزال تمتلك القدرة على وقف حركة الناقلات العملاقة، لكنها تتعمد الامتناع عن ذلك في الوقت الراهن. وهي تقيم حساباتها على تجنب التصعيد ريثما يتضح ما إذا كانت الخيارات العسكرية الأميركية المستنزفة ستجبر ترامب في نهاية المطاف على العودة إلى "مذكرة التفاهم".
باختصار، لا تبدو طهران قلقة بإفراط في الوقت الراهن. لكن ذلك قد يتغير. ففي حال رفض ترامب العودة إلى "مذكرة التفاهم"، أو نجح في إحداث اختراق في ميزان الألم الاقتصادي ضد إيران، ستواجه طهران واقعاً أشد قسوة. وكما قللت واشنطن من تقدير قدرة إيران على الصمود، ربما تكون طهران قد قللت هي الأخرى من تقدير قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، ومن براعة ترامب في إيجاد وسائل غير عسكرية لإعادة فتح أجزاء من المضيق بصورة فعالة؛ فالأول قادر على التحول بعيداً عن النفط، والثاني بارع في ابتكار وسائل تتيح تجاوز الإغلاق.
بين الاستسلام والتصعيد، ستختار إيران التصعيد على الأرجح. وحتى لو كانت واشنطن قد أمسكت بزمام المبادرة اقتصادياً، فإن طهران تظل تعتقد أن التفوق العسكري ما يزال يصب في مصلحتها. وتتراوح خياراتها في هذا الشأن بين شن هجمات أكثر ضراوة على الناقلات العملاقة، وضرب خطوط الأنابيب الإماراتية التي تتجاوز المضيق -وربما العودة إلى تصعيد جديد في البحر الأحمر.
في الواقع، كان افتراض ترامب الخاطئ بأن إيران ستختار الاستسلام على الحرب بالتحديد أحد العوامل التي دفعت الولايات المتحدة إلى التصعيد في المقام الأول. لكن بحث واشنطن المتكرر عن "نقطة انكسار" إيران لم يؤدِ إلى استسلامها بقدر ما أفضى إلى مزيد من التصعيد. وليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن النمط سيكون مختلفاً هذه المرة.
المأساة الأميركية - الإيرانية
هنا تكمن مأساة الرقصة الدموية بين واشنطن وطهران. ويجعل نهج أميركا القائم على منطق "الفائز يأخذ كل شيء" الاتفاق غير مقبول عندما تكون إيران هي صاحبة الزخم. وحين يتحول الزخم إلى واشنطن، تقتنع الولايات المتحدة بأن أي شيء يقل عن استسلام طهران الكامل لا يمكن أن يكون مقبولاً.
ولأن إيران، من جهتها، تخشى الاستسلام أكثر مما تخشى الحرب، تتأرجح الدورة بين الضغط الاقتصادي والتصعيد العسكري، ولا يقطعها سوى فترات قصيرة وهشة غالباً من الدبلوماسية. وبعبارة أبسط، تميل تركيبة الوضع القائم إلى الحرب.
هو ما يتجلى بوضوح خاص اليوم، حيث لا يستثمر أي من الطرفين في دبلوماسية حقيقية مع الآخر. من جهة، تقتصر "دبلوماسية" طهران على انتظار عودة ترامب إلى "مذكرة التفاهم"، بينما منع ترامب من جهة أخرى المسؤولين الأميركيين من الانخراط مع إيران، وكرّس نفسه بدلاً من ذلك للحرب الاقتصادية.
إنك حين لا تتفاوض عندما تكون ضعيفاً لأنك ضعيف، ولا تتفاوض عندما تكون قوياً لأنك قوي، فإن الحرب تصبح هي القاعدة التي يُبنى عليها كل شيء.
 
*تريتا بارسي Trita Parsi: باحث ومحلل إيراني-سويدي متخصص في العلاقات الأميركية-الإيرانية وسياسات الشرق الأوسط. وُلد في إيران ونشأ في السويد، وحصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في "معهد كوينسي لفن الحكم الرشيد"، وسبق أن أسس "المجلس الوطني الإيراني-الأميركي" وترأسه. ألّف عدداً من الكتب حول إيران والشرق الأوسط، من أبرزها "تحالف خادع" Treacherous Alliance؛ و"رمية واحدة للنرد" A Single Roll of the Dice، ويُعرف بكتاباته ودراساته النقدية للسياسة الأميركية تجاه إيران وبالدعوة إلى إعطاء الدبلوماسية أولوية على أدوات الحرب والضغط الأقصى.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Has Trump Turned the Tables on Iran – or Is Another Round of War Coming?