عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2026

"عائد من نتساريم".. نصوص بتفاصيل إنسانية حول أشكال الصمود

 الغد-عزيزة علي

جاءت مبادرة "غزة تُبدع"، التي أطلقتها دار "الآن ناشرون وموزعون"، لتفتح نافذة جديدة أمام الكتّاب والكاتبات من قطاع غزة، بهدف نشر أعمالهم الإبداعية وإيصالها إلى القارئ العربي.
 
 
وتسعى هذه المبادرة، التي أصدرت المجموعة القصصية "عائد من نتساريم"، والتي تُعدّ الإصدار الثالث ضمن مبادرة "غزّة تبدع"، للكاتب الفلسطيني عبد الكريم أبو مصطفى، إلى تقديم نصوص أدبية تنبع من التجربة المباشرة، بما تحمله من تفاصيل إنسانية ومعاناة يومية، وما يرافقها من أشكال الصمود والتشبث بالحياة.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على كونها مشروعًا للنشر فحسب، بل تمتد لتشكل مساحة ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للصوت الغزّي في المشهد الأدبي العربي، عبر أعمال تُدوّن الواقع من الداخل، وتمنح الكلمة دورها كوثيقة إنسانية قادرة على حفظ الذاكرة، ونقل الحكاية بعيدًا عن التناول المجرد أو الوسيط.
وقد كتب القاصّ الأردني الدكتور هشام مقدادي تصديرًا للمجموعة، جاء فيه: "يفتح هذا العمل الأدبي بابًا مشرعًا للقارئ ليتأمل في ثمن النجاة، وفي تلك الرحلات التي تُقاس بما ننجو منه لا بما نعود به في أيدينا. نتساريم هنا هي الحالة الإنسانية التي تتكرر بأسماء مختلفة، وهي الذاكرة التي تعود محمّلة بما لا يُقال، وأثقال الروح التي تظلّ عالقة في الوجدان.
إنّ تقديم هذه القصص للقارئ العربي هو دعوة لمشاركة هؤلاء الناس العاديين رحلتهم نحو النجاة، وفهم استراتيجيات البقاء في مواجهة الفناء الممنهج. إنه كتاب يمنح صوتًا للأجساد التي تنتظر، ويجعل من الوجوه التي صهرها التعب منارة تحكي قصة إنسان يصوغ أبجديته الخاصة من قلب الحصار والجوع، فلا يتحول البشر إلى مجرد أرقام على الشريط الإخباري".
يستهلّ الكاتب نصّه بمقدمة تضع إطارًا لما سيأتي من سطور، حيث تغيب البطولة عن الشخصيات، وتُسند إلى مكانٍ يُجرَّد من صفة الجماد ليغدو شاهدًا وبطلًا على أحداثٍ تدنّت فيها معاني الإنسانية إلى أدنى حدودها؛ حين تصبح كسرة الخبز أمنية، ويغدو البحث عنها طريقًا يفضي مباشرة إلى الموت.
تأتي القصص مباشرة وكاشفة، بلا خطابات رنّانة أو نهايات درامية، لتخترق حواسّ القارئ بلا عناء. وهي ليست حكايات عن أبطال عانوا ثم كوفئوا كما في سرديات الخيال الإنساني، بل عن أشخاص حقيقيين سِيقوا إلى الموت بأشكاله المختلفة، وأحاطت بهم ألوانه من كل جانب.
تتواتر القصص تباعًا، بأسماء تتباين وغايات تتقاطع؛ فجميع الشخصيات خرجت في طريق الموت طلبًا للبقاء: أبٌ يبحث عن الخبز لبناته فيعود إليهنّ جثّة، وآخر يهرب من الرصاص فتبتلعه الأرض ليعود مصابًا عاجزًا.
وهذا يفقد أحد أطرافه، وتلك تجرّ رفيقتها المصابة بعيدًا عن الموت لتلفظ أنفاسها في مكانٍ آخر. طفلٌ يكبر قبل أوانه، يخرج طلبًا للحطب فيموت وهو بين يديه الصغيرتين، وآخر يرتحل نحو الخطر طوعًا فيُفقد في غياهب المجهول إلى الأبد.
في تلك القصص من غزّة، حيث تكون الكلمات الأولى للأطفال "بابا.. خبز"، وتنحصر أمانيهم في سقفٍ قائم، وتدور حساباتهم حول تقسيم الوجبة الأخيرة التي لا تتعدّى رغيفًا واحدًا، نرى الخوف والرعب والدمار واليأس، إلى جانب مقاومةٍ عنيدة للبقاء وسط كل ذلك. هي قصصٌ شاهدة على أقسى مآسي الإنسان، وعلى أشدّ تصرفاته وحشية، حيث تتداخل مشاهد الصراع مع منطق البقاء في واقعٍ يزداد قسوة.
تغيب درامية الحدث والنهاية عن سرديّة القصص؛ فهذه ليست أسطورة من خيال الإنسان، بل واقعٌ يائس، جميع النهايات فيه معروفة، ومع ذلك تبقى مفتوحة بلا خاتمة. وكأنّ هذه الحكايات، التي فقد أصحابها كل رفاهيات الحياة بل وأساسياتها، قد فقدت حتى رفاهية الختام الحزين؛ إذ يستمرّ الفقد والألم والصراع في مشاهد لاحقة لا نراها، لأننا نتوقف عند لحظةٍ تتحوّل فيها الكتابة نفسها إلى مأساةٍ بلا نهاية.
اتّبع الكاتب أسلوبًا بليغًا قائمًا على جمل قصيرة ومجزأة، تتوزّع على أسطر متقاربة في بناء يقترب من الشكل العمودي للشعر، ما يمنح النص إيقاعًا خاصًا في ذهن القارئ، كأنه يقرأ ملحمة شعرية في قالب نثري آسر، دون الإخلال بالبناء السردي للقصة. وقد حافظ هذا الأسلوب على مسحة التوتر والترقب التي تكسو الأحداث، بما يتيح للقارئ معايشتها بكل حواسه.
ينجح أبو مصطفى في مجموعته التي تقع في نحو ثمانين صفحة، في توثيق الواقع الغزّي على الورق بما يحمله من معاناة متعددة الأوجه. ويتنوّع في أسلوبه بين السرد بضمير المتكلّم تارة، وضمير الغائب تارة أخرى، وكأنه يقترب من الأحداث ويبتعد عنها على نحوٍ يعكس تجربة الإنسان الغزّي ذاته؛ فهو إما يعيش المأساة بنفسه أو يتلقّاها عبر الآخرين، دون وجود خيار ثالث خارج هذين الاحتمالين.
كما يثري التجربة السردية بعناوين رئيسة شاملة اتسمت بالمباشرة، إلى جانب عناوين فرعية تؤطّر الفقرات الجزئية وتمنح النص بنية تنظيمية واضحة.
وتختتم غالبية القصص بفقرة تقريرية تنأى عن حرارة الأحداث التي سبقتها، وتتخذ زاوية تأملية بعيدة، تتأرجح بين الأمنيات ومشاعر السخط والرجاء، وكأنها صرخة ختامية تنبع من داخل كل نفس غزّية. يقول في ختام قصته "من أجل خبزٍ للبنات":
"العائلة صامتة، تنتظر معجزتها الصغيرة؛ أن يصل يومٌ لا يُقتل فيه الأب بسبب رغيف، أن تنجو البنات، أن يُصبح الخبز حقًّا وليس فخًّا، وأن يعيش الناس في غزة فقط… على قيد الحياة".
وتنبئ "عائد من نتساريم" باحتلالها مساحة في وجدان قرّائها، وقد لقيت صدى مبكرًا لدى لجنة التقييم. إذ يقول الكاتب العراقي زهير كريم: "حقق عبد الكريم أبو مصطفى أربعة انتصارات تتعلق بالكتابة بشكل عام، وبالسرد بشكل خاص، انتصارات واضحة غير مغشوشة. فقد رصد بعين المجروح مشاهد الخوف في داخله، وكان شاهدًا أيضًا على خوف الآخر، واستمع بصدق كبير لصوت الفاجعة، دون أن يرفع الحدث مستوى الفاجعة، بل أنزله من طبقة الضوضاء والتشويش إلى تجربة الإنسان العادي البسيط في مواجهة آلة تسحق كل شيء بلا رحمة".
من جانبه، قال المدير العام لدار "الآن ناشرون وموزعون"، الدكتور باسم الزعبي: إن هذه المبادرة هي فعل ثقافي مقاوم كما نرى، ونحن نؤمن بأن للمبدعين الفلسطينيين الحق في أن يُنشر نتاجهم دون عوائق، وأن تصل أصواتهم المحاصَرة إلى القارئ العربي دون حواجز.
بدوره، قال المشرف على المبادرة الكاتب جعفر العقيلي: تنحاز (غزة تبدع) للحياة التي تُكتب رغم الموت، وللحكايات التي تُولد رغم الدمار. إنها مبادرة ثقافية وإنسانية تعكس التزامًا أخلاقيًا وجماليًا تجاه مدوّنة لن تجد لها مساحة في نشرات الأخبار، سطّرها أصحابها وسط الركام والأنقاض وفي ظروف تنعدم فيها أدنى مقومات العيش، لتبقى شاهدة على العدوان، ولتذكّر باختلال الضمير الإنساني تجاه القضايا العادلة، ولتشكل وثيقة إدانة لأعداء الحياة.
بدوره، قال الناقد والأكاديمي الدكتور خالد الجبر، رئيس لجنة التقييم: أثمّن عاليًا هذه المبادرة الثقافية الرائدة، ذات البعد الإنساني الأصيل، والتي تفتح المجال أمام أصوات المبدعين في غزة ليعبّروا عن ذواتهم وصمودهم وتجاربهم بلغة الفن والأمل.
وأضاف: أؤكد أن اللجنة التي تضم نقادًا وأكاديميين وأدباء عربًا ستلتزم بمعايير شفافة قوامها السوية والإنصاف، بحثًا عن قوة الأثر الإنساني والجمالي في النصوص، وصدق تعبيرها وأصالتها، مع الحرص على تمثيل تنوع التجارب والأنواع الأدبية".