عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Jan-2026

"معارج الإبداع" يوثق البدايات الأدبية غير المنشورة لـ غسان كنفاني

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن مؤسسة فلسطين للثقافة كتاب "معارج الإبداع: ما لم يُنشر من الكتابات الأولى للأديب الشهيد غسان كنفاني (1951–1960)"، من إعداد عدنان كنفاني، ليقدّم للقارئ وثيقة أدبية وتاريخية نادرة ترصد البدايات الإبداعية والفكرية لأحد أبرز رموز الأدب الفلسطيني المقاوم.
 
 
يضمّ الكتاب نصوصا لم تُنشر من قبل، وأخرى نُشرت خارج أعماله الكاملة، بما يتيح إعادة قراءة تشكّل تجربة غسان كنفاني في مراحلها الأولى، قبل اكتمال ملامح مشروعه الأدبي والوطني.
وكتب مدير المكتب التنفيذي للحملة الأهلية الاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009، الدكتور أسامة الأشقر، تقديما للكتاب بعنوان "بين يدي الكتاب"، بيّن فيه أن الكتاب يرصد البدايات الأولى لتشكّل حالة إبداعية تجاوزت ذاتها لتؤسس رؤية متكاملة تمحورت حول موضوعها المركزي: فلسطين.
ويقدّم عدنان كنفاني، بحسب الأشقر، في هذا العمل الشخصية الفنية لشقيقه غسان من منظور جديد، لا ينطلق من النقد أو التحليل أو السيرة الذاتية، بل من العتبات الأولى لمساره الإبداعي ومفردات تشكّله المبكر. وتُعدّ هذه المقاربة فرصة ثمينة للنقاد والباحثين لإعادة بناء رؤيتهم النقدية للأدب الفلسطيني المقاوم من خلال رمز أدبي قدّم روحه في سبيل كلمته. فبينما أُتيح لهم الاطلاع على أعماله في مراحل النضج والاكتمال، لم تتوفر سابقا فرصة الوقوف على مراحل التشكّل الأولى، وهو ما يفتح الباب لدراسة تطور الحالة الإبداعية لدى الأدباء الراسخين.
وغسان كنفاني الفتى اليافع هو ذاته غسان كنفاني الأديب الناضج في انتماءاته الفكرية وانحيازاته العاطفية، ممثّلا المدرسة التي آمن بها ودافع عنها في مرحلة سادت فيها التيارات القومية بمذاهبها المختلفة، قبل أن يتراجع دورها لاحقا في الساحتين الفلسطينية والعربية مع بروز تيارات فكرية أخرى فرضت حضورها بقوة.
ويشير الأشقر إلى أن الكتاب يُعدّ صورة توثيقية دقيقة لبدايات غسان كنفاني الأدبية والفكرية، دوّنها بأمانة ومسؤولية محرّر الكتاب الأديب عدنان كنفاني، دون تغيير أو تدخل. إذ يضمّ أعمال شقيقه الأدبية والتشكيلية والسياسية الممتدة بين عامي 1951 و1961، مما لم يُنشر من قبل، أو نُشر خارج أعماله الكاملة، وذلك في المرحلة التي سبقت ذيوع اسمه وانتشاره، ولا سيما قبل اغتياله.
وفي مقدمته للكتاب يقول عدنان كنفاني إنه عندما أصدر كتابه الأول "غسان كنفاني.. صفحات كانت مطوية"، انتابته رهبة شديدة وهو يكتب عن غسان من زاوية مختلفة تنطوي على خصوصية الأسرة والمعايشة، وهو أمر رآه محفوفا بالمخاطرة. فقد قصد أن يكتب عن غسان الطفل والفتى، وعن العلاقات الحميمة بين أخوين شقيقين في أسرة واحدة تقاسما الرضاعة والفراش ومرارة اللجوء.
وتمثلت رهبتُه في قناعة يراها منسحبة على نظرتنا إلى رموزنا عموما، إذ نميل، بقصد أو بغير قصد، إلى وضعهم في مراتب القداسة ورفعهم عن سلوكيات البشر، بينما هم في حقيقتهم من نسيج الحياة، لهم نزواتهم وحركتهم مثل سائر البشر. ويرى أن تمكين القارئ من ملامسة بعض مفاصل المسيرة الحياتية للرمز قد يفتح آفاقا جديدة لفهم كيفية انتقال الإنسان العادي إلى مرتبة الرمز.
ويتابع عدنان كنفاني أنه بعد وصوله إلى هذا الفهم، الذي يعدّه إيجابيا، بات على يقين بأن غسان، مهما بلغ الانتماء إليه شخصيا وفكريا، لم يعد ملكا لأسرته، بل أصبح شخصية عامة ورمزا أدبيا ومناضلا صلبا حتى آخر لحظة في حياته. فقد عبّر عن هموم الناس في أصقاع الشتات، وصوّر صمودهم وتطلعاتهم وتمسكهم بثوابتهم الوطنية والقومية، واحتل موقعا متقدما بين أدباء عصره من خلال نتاجه الإبداعي والفكري والسياسي.
وعلى الرغم من أنه لم ينضبط في أدبياته بالقوالب السياسية السائدة، فإنه كان ممثلا لضمير الشعب بامتياز، ونفذ إلى العمق الإنساني للقضية، ووصل إلى العالمية بترجمة العديد من أعماله إلى لغات حية متعددة.
ويضيف أن رهبة أكبر تنتابه وأنا في جهدي لتقديم غسان من خلال كتاباته الأولى غير المنشورة، التي تمثل بدايات تفجّر طاقته الإبداعية، والتي يؤرخ انطلاقتها بعام 1951، علما أن الشهيد غسان كنفاني من مواليد عام 1936، أي أنه كان في الخامسة عشرة من عمره آنذاك.
ويشير إلى أنه وقف طويلا أمام أسئلة محيّرة: "هل من حقي أن أنشر كتابات غسان الأولى بما تحمله من بساطة وعفوية ومباشرة وشعاراتية؟ وهل يمكن أن يتأثر موقع غسان المتقدم حين نطّلع على بعض بداياته الأدبية؟ ثم هل يحق لي أن أنشر هذه المتروكات التي تجاهلها غسان نفسه ولم يرَ فيها ما يرقى إلى مستوى النشر؟".
أمام هذه الأسئلة، كان لا بد من صياغة إجابات تقنعني أولا، وتقنع المتلقي من بعدي. فغسان، ما دام قد خرج من إطار "الأنا"، الأسرية الضيقة، وأصبح شخصية عامة ورمزا حيا ومنارة تهتدي بها الأجيال، أليس من حق الناس أن يطّلعوا على البدايات الأولى لأديب كبير بلغ ما بلغه غسان كنفاني؟
إن نشر ما كتبه غسان في بداياته قد يشكّل دليلا للناشئة، فمن خلال هذه النصوص يمكن تتبّع مسيرته الأدبية ورصد فعل التطور الذي هيّأه لاحتلال موقعه المتقدم. كما أن الاطلاع الواعي على تلك البدايات قد يفتح آفاقا جديدة لفهم إبداعه، ويؤسس لقنوات بحث إضافية أمام دارسي أدبه.
وقد يتيح نشر هذه الأدبيات معرفة أدق بمراحل تطور غسان، ويقدّم مثالا لكل مجتهد يسلك درب الدراسة والقراءة والكتابة بوعي وجهد، حتى يبلغ مرحلة النضج التي تؤهله لاحتلال مكانه المستحق في هرم الإبداع.
يضيف؛ بعد أن وضعت هذه المعايير، قررت خوض هذه التجربة. وعندما أصف هذه المخطوطات بأنها "بدايات"، فإنني أعني ما يلي: وُلد غسان عام 1936، واستُشهد عام 1972، أي إنه عاش ستة وثلاثين عاما. ولو قُسّمت هذه السنوات إلى مراحل، لوجدنا أن السنوات الاثنتي عشرة الأولى توزعت بين الطفولة، والدراسة الأولى، وتجربة اللجوء.
أما السنوات الاثنتا عشرة التالية، فتمثّل مرحلة الدراسة وبناء الشخصية والتأسيس للعمل. في حين شهدت السنوات الاثنتا عشرة الأخيرة تفجّر طاقته الإبداعية، وترك خلالها تراثا غنيا بالقصص والروايات والدراسات والمسرحيات، إضافة إلى العمل الصحفي اليومي، إلى جانب انتمائه الأيديولوجي لحركة القوميين العرب، ثم للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
ويتابع؛ قد حاولت في كتابي الأول "غسان كنفاني… صفحات كانت مطوية"، التوقف عند السنوات الاثنتي عشرة الأولى من عمره، مرحلة الطفولة والصبا. وها أنا اليوم أقدّم الأعمال التي بدأ بها غسان بناء نضوجه الأدبي، وهي نصوص تعود إلى الفترة ما بين عامي 1951 و1961، معظمها كُتب في دمشق، حيث بيت الأسرة، وبعضها في بدايات عمله وإقامته في الكويت. يقول؛ "لا أدّعي فضلا في جمع هذه المواد، فكل الفضل يعود إلى والدي، المحامي محمد فايز كنفاني، رحمه الله، الذي كان دقيقا وحريصا على أرشفة كل قصاصة تتعلق بأيّ من أبنائه".
ويشير كنفاني إلى أن الكتاب يضم مجموعة قصصا ومقالات وحوارات وتمثيليات ودراسات ومحاولات شعرية لم يُنشر معظمها من قبل، إضافة إلى بعض النصوص التي نُشرت في صحف قديمة خلال تلك الفترة المبكرة جدا. وللأمانة العلمية، لا بد من توضيح ما يلي:
القصص: هناك قصص كتبها غسان في مطالع خمسينيات القرن الماضي ولم تُنشر إطلاقا، وأخرى نُشرت في صحف قديمة في الفترة نفسها، لكنها لا ترد ضمن أعماله الكاملة المنشورة. وإن وُجدت بعض أفكارها لاحقا، فإن غسان كان قد أعاد الاشتغال عليها حتى بلغ قناعة نشرها بصيغة مختلفة.
أما القصص التي وردت في أعماله الكاملة، فأعيد نشرها هنا اعتمادا على نصوصها الأصلية الأولى، مع ملاحظة ما أدخل عليها من تعديلات وتحسينات لاحقة. وقد ارتأينا إرفاق صور توثيقية لبعض هذه النصوص بخط يد غسان.
المقالات والدراسات: لا أعتقد أن المقالات والدراسات الواردة في هذا الكتاب قد نُشرت سابقا. ومن باب الشفافية، أُرفقت مقتطفات مصوّرة من مخطوطاتها الأصلية، وهي بخط يد الشهيد غسان كنفاني. والحوارات والتمثيليات: بعض هذه الحوارات والتمثيليات أُذيع عبر إذاعة دمشق، ضمن "برنامج الجندي"، في تلك الفترة المبكرة، لكنه لم يُنشر ورقيا، فيما بقي جزء آخر غير منشور أصلا.
الشعر: هي محاولات شعرية محدودة لم يواصل غسان الكتابة فيها لاحقا، وقد أُدرجت هنا فقط للإحاطة بتوجهاته الإبداعية المبكرة. والرسوم: أغلب اللوحات الواردة في هذا الكتاب من رسم غسان نفسه، وهي معروفة إلى حدّ كبير.
ويخلص عدنان كنفاني إلى أن هذه هي الخطوط العريضة للكتاب، معربا عن أمله في أن يكون على مستوى المسؤولية الأدبية، وأن يفي، ولو جزئيا، بحق شقيقه الأديب الشهيد والمناضل غسان كنفاني.