الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
داني بوستل؛ وفيصل اليافعي* - (مجلة نيو لاينز)27 /3/2026
ما يزال الصراع الدموي الذي استمر ثماني سنوات بين إيران والعراق في الثمانينيات يُشكّل الثقافة الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية، وربما يقدّم دروسًا للحاضر.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها الجمهورية الإسلامية تحت الحصار. في الواقع، كانت قد تعرّضت لهجوم بعد مرور ثمانية عشر شهرًا فقط على قيامها، في أيلول (سبتمبر) 1980، وخاضت حربًا استمرت ما يقرب من عقد كامل مع جارها الغربي -في حرب كانت الأطول بين دولتين في القرن العشرين. وقد شكّلت الحرب العراقية-الإيرانية إيران ما بعد الثورة بطرق عميقة ودائمة. ويقول الباحثان، أرانغ كيشافارزيان ونِدا الأحمد، إن تلك الحرب "لا تقل أهمية، في كل جزء منها، عن الثورة -إن لم تكن تفوقها"، لفهم مسار الجمهورية الإسلامية. كما أن آثارها تظل ذات صلة بحرب إيران الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كان صدام حسين، رئيس العراق آنذاك، يعتقد أنه قادر على استغلال حالة الاضطراب الداخلي في إيران في أعقاب الثورة. ولبعض الوقت كان محقًا. فقد تمكن العراق من احتلال أجزاء من إيران ومن كسب أراضٍ، مستفيدًا من امتلاكه تسليحًا أكثر تقدمًا وجيشًا أكثر احترافية. لكن إيران ردّت بالقتال، وألقت بجنودها ومجنديها في أتون الحرب، وحشدت مواطنيها حول فكرة الدين. وكانت النتيجة صراعًا بالغ الدموية استمر ثماني سنوات اتسمت في معظمها بالجمود. وبحلول العام 1988، كانت الدولتان قد استُنزفتا. وتشير بعض التقديرات إلى أن 2 في المائة من الإيرانيين كانوا قد لقوا حتفهم.
في حديث إلى مجلة "نيو لاينز"، تقول آني تريسي صموئيل، مؤلفة كتاب "التاريخ غير المكتمل لحرب إيران-العراق: الدين، والقوة النارية، والحرس الثوري الإيراني" The Unfinished History of the Iran-Iraq War: Faith, Firepower and Iran’s Revolutionary Guards (2021)، إن الحرب الإيرانية-العراقية هي "التجربة الأكثر أهمية في تشكيل استراتيجية الأمن القومي لإيران في الوقت الحالي". وأضافت أن قادة إيران يفسرون الصراع الراهن مع الولايات المتحدة على أنه امتداد للعداء الذي واجهته إيران خلال حربها مع العراق.
وأضافت صموئيل: "قبل كل شيء"، علّمت الحرب القادة الإيرانيين "أن أهدافهم الأولى يجب أن تكون إقامة ردع فعّال وضمان استقلال إيران واكتفائها الذاتي"، وهو درس يجعل الجمهورية الإسلامية، حتى هذا اليوم، "يغلب إلى حد كبير أن لا ترضخ بالكامل للضغوط الخارجية، أو أن تقبل بمطالب تهدد أمنها واستقلالها".
بالنسبة للنظام في إيران، فإن الذاكرة الحية لحرب إيران-العراق "تقوم بتفعيل ترسانة راسخة من أنماط الحكم في زمن الحرب -من تعبئة السكان حول فكرة التضحية المقدسة، إلى نزع الشرعية عن المعارضة بوصفها خيانة، وصولًا إلى البناء على الذاكرة المؤسسية التي تراكمت خلال ثماني سنوات من التعبئة الشاملة للحرب"، بحسب ما قاله لمجلة "نيو لاينز" حسين بنائي، المؤلف المشارك لكتاب "أن نصبح أعداء: العلاقات الأميركية-الإيرانية وحرب إيران-العراق، 1979-1988" Becoming Enemies: U.S.-Iran Relations and the Iran-Iraq War, 1979-1988 (2014) و"جمهوريات الأسطورة: السرديات الوطنية والصراع الأميركي-الإيراني" (2022)، Republics of Myth: National Narratives and the U.S.-Iran Conflict.
كما اكتسب العديد من القادة العسكريين والأمنيين في الجمهورية الإسلامية خبراتهم خلال حرب إيران-العراق. وكان في ساحات تلك الحرب حيث تدرّب قاسم سليماني، الذي شكّلت تلك التجربة نقطة انطلاقه نحو قيادة "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي". بل إن "الحرس الثوري الإيراني" نفسه ولد بشكل أساسي من رحم تلك الحرب.
يوم الثلاثاء، 24 آذار (مارس)، عيّنت إيران محمد باقر ذو القدر خلفًا لعلي لاريجاني، الذي كان قد قُتل في ضربة إسرائيلية في الأسبوع السابق، ليكون مستشارًا أعلى للأمن القومي. وكان الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي من بين القادة الرئيسيين في "الحرس الثوري" خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وقد واصل ذو القدر صعوده في صفوف "الحرس الثوري" لاحقًا، ليصبح رئيسًا للأركان في العام الذي تلا انتهاء تلك الحرب.
كانت الحرب الإيرانية-العراقية بمثابة "ساحة اختبار" للشخصيات مثل محمد باقر ذو القدر، والتي أتاحت لهم الصعود السريع داخل المؤسستين العسكرية والسياسية في إيران، بحسب ما قاله لمجلة "نيو لاينز" مهرزاد بروجردي، المؤلف المشارك لكتاب "إيران ما بعد الثورة: دليل سياسي" Postrevolutionary Iran: A Political Handbook (2018) والرئيس السابق لجمعية الدراسات الإيرانية. وأضاف بروجردي أن تلك الحرب "تركت بصمة لا تُمحى على الرؤية الأيديولوجية لهؤلاء الرجال، دافعةً إياهم نحو امتلاك عقلية حصار ترفض الحذر وتجنُّب المخاطر". وبدلًا من ذلك، تبنّوا أخلاقيات جديدة -"أخلاقيات تُعرَّف بالتضحية، والاعتماد على الذات، والاستعداد للضرب فوق وزنهم وخارج حدود إمكاناتهم".
وما تزال هذه الأخلاقيات حيّة حتى اليوم. كما بقي أيضًا جزء من المعجم الذي تبلور خلال الحرب -مثل تعبيرات "الحرب المفروضة" (التي فرضها غزو صدام حسين لإيران)؛ و"الدفاع المقدّس" (النضال الوجودي المقدّس لحماية إيران من المعتدين الأجانب)؛ و"الإيمان والقوة النارية" (الفكرة القائلة بأن عمق التدين سيمكن الجمهورية الإسلامية من الانتصار على أعدائها، حتى على الرغم تفوقهم العسكري).
ولعل هذا العنصر الأخير هو الأكثر أهمية. في الغالب، لا تحظى الحرب الإيرانية-العراقية الطويلة بقدر يُعتد به من التذكّر في الغرب، حيث طغت عليها ذكريات حربَي العامين 1991 و2003 مع العراق. لكن ذاكرة تلك الحرب تظل حاضرة بقوة في إيران (وكذلك في العراق). ويتم إحياؤها بانتظام في الاستعراضات والرموز البصرية، وتبقى أحد الأحداث التأسيسية لإيران الحديثة.
وقال أمير موسوي، مؤلف كتاب "غبار لا يستقر أبدًا: الحيوات الأدبية اللاحقة لحرب إيران-العراق" Dust That Never Settles: Literary Afterlives of the Iran-Iraq War (2025)، لمجلة "نيو لاينز" إن لغة الحرب حاضرة اليوم في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية. وأضاف: "حتى أنني رأيت مقطع فيديو (ربما مُنتَج بالذكاء الاصطناعي) يسخر في جوهره من الأميركيين، ويَظهر فيه شخص يردّد على طريقة ’الراب‘ عبارة ’الدفاع المقدّس‘".
وأضاف موسوي أن أيقونية طقوس الحداد والتظاهرات المؤيدة للنظام "تستحضر بالتأكيد سنوات حرب الثمانينيات". وقال: "بمعنى ما، لم تختفِ الشعارات والهتافات قط؛ لقد تطورت فقط لتواكب التحدي الراهن، سواء كان ذلك الحرب في سورية، أو الحداد على سليماني بعد اغتياله، أو تداعيات حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) الماضي".
وقال مهران كامرافا، مدير وحدة الدراسات الإيرانية في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة، ومؤلف كتب منها "كيف يحكم الإسلام في إيران: اللاهوت والثيوقراطية في الجمهورية الإسلامية" How Islam Rules in Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic (2024)، لمجلة "نيو لاينز": "هذه حرب كانت الجمهورية الإسلامية تتوقعها وتستعد لها منذ سنوات عدة".
وأشار كامرافا إلى أن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية لا تتشكل فقط بإرث حرب إيران-العراق، بل أيضًا بالغزو الأميركي للعراق واحتلاله، وكذلك بالحرب في سورية. العديد من القادة الذين يديرون "الحرس الثوري اليوم" هم نفس أولئك الضباط الذين خدموا في سورية.
وأضاف أن هؤلاء القادة هم "أقل احتمالًا بكثير للخضوع لتهديدات الولايات المتحدة، وأكثر حماسة لإلحاق الضرر بالمصالح الأميركية في منطقة الخليج". وهم ينظرون إلى الحرب الحالية، بحسب كامرافا، على أنها "الحرب التي ستنهي كل الحروب" ضد إيران. وهم "يريدون إيقاع كلفة باهظة جدًا بالولايات المتحدة وإسرائيل، وأي من حلفائهما، بحيث لا تكون هناك حرب أخرى بعد بضعة أشهر أو سنوات"، كما قال.
وختم كامرافا بأن أبرز الدروس التي استخلصتها الجمهورية الإسلامية من حرب إيران مع العراق هي أن "إيران معزولة استراتيجيًا وتحتاج إلى أن تكون معتمدة على نفسها في إنتاج السلاح"، وأنه "إذا سنحت الفرصة، لن تتردد الدول العربية في الخليج في الاصطفاف ضد إيران".
ثمة تشابه آخر أيضًا بين حرب إيران مع العراق والواقع الراهن، يتمثل في حملة القمع الواسعة التي شنّتها الجمهورية الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي. في ذلك الحين، وبينما كان النظام الجديد منخرطًا في الحرب ضد قوات صدام حسين، كان في الوقت ذاته يعتقل ويعذّب ويقتل أعضاء من مختلف الحركات اليسارية -الكثير منهم كانوا قد شاركوا في ثورة العام 1979 إلى جانب الخمينيين. وقد بلغت تلك الموجة من القمع ذروتها في ما عُرف لاحقًا بـ"مجزرة السجون" في العام 1988، التي تكونت في معظمها من إعدامات سرية لآلاف عدة من السجناء السياسيين -كثيرون منهم كانوا قد حوكموا بالفعل ويقضون أحكامًا- في أيلول (سبتمبر) 1988، أي بعد شهر من انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية.
الآن، يخشى كثيرون من أن يكون تكرار هذا الفصل المروّع من تاريخ إيران جاريًا فعليًا. في 19 آذار (مارس)، شُنق ثلاثة شبان كانوا قد اعتُقلوا لمشاركتهم في احتجاجات كانون الثاني (يناير) -صالح محمدي، وسعيد داوودي، ومهدي قاسمي- علنًا في مدينة قم، بعد إدانتهم بتهمة "شن حرب على الله". وكتبت كارين كرامر وإسفنديار آبان من "مركز حقوق الإنسان في إيران"، مؤخرًا، في صحيفة "واشنطن بوست" أن ذلك يشكل "إشارة مروّعة لما قد يكون قادمًا".
عبّر رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجئي، عن ذلك صراحة في مقابلة حديثة، وقال محذّرًا: "الأفراد الذين يتعاونون مع العدو بأي شكل يمن الأشكال يُعتبرون جزءًا من قواته، وسوف يُعاملون على هذا الأساس". ولطالما عرّفت الجمهورية الإسلامية "التعاون" تعريفًا واسعًا إلى حد أنه يشمل عمليًا أي شكل من أشكال المعارضة -مثل الأطباء الذين يعالجون المحتجين الجرحى؛ والمحامين الذين يدافعون عن السجناء السياسيين؛ والصحفيين الذين ينتقدون انتهاكات النظام لحقوق الإنسان، على سبيل المثال.
يرى "مركز حقوق الإنسان في إيران" أن عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين اعتُقلوا خلال احتجاجات كانون الأول (ديسمبر)/ كانون الثاني (يناير) ربما ما يزالون قيد الاحتجاز. وهم جميعًا "معرّضون لخطر جسيم يتمثل في مواجهة محاكمات سريعة قد تنتهي بإصدار أحكام بالإعدام"، بحسب كرامر وآبان، في إشارة صريحة إلى إعدامات السجناء السياسيين التي نفذها النظام في العام 1988.
ألقت حرب إيران الطويلة مع العراق بظل طويل للغاية، ما يزال يخيّم على الصراع الراهن ويواصل تشكيل الثقافة الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية والبنية الأيديولوجية لقادتها. وقد أفرزت تلك الحرب كلًّا من عقلية الحصار السائدة في طهران، والعديد من المؤسسات التي تخوض هذه الحرب. وقبل كل شيء، أفرزت فكرة "الإيمان الديني، والقوة النارية". والآن، بعد أسابيع من اندلاع الحرب الحالية، لم تنفَد إيران من أيٍّ منهما.
*داني بوستل Danny Postel: كاتب وصحفي ومحرر أميركي مختص في الشؤون السياسية والفكرية، يشغل منصب محرر الشؤون السياسية في مجلة "نيو لاينز" New Lines Magazine. تركز أعماله على قضايا الديمقراطية، والشرق الأوسط، والتيارات الفكرية في العالم العربي والإسلامي. كتب في عدد من المنصات البارزة، وحرر كتبًا تتناول النقاشات الفكرية والسياسية، من بينها أعمال حول المثقفين العرب والديمقراطية. يتميّز بتحليلاته التي تربط بين الفكر والسياسة في السياقات الإقليمية والدولية.
*فيصل اليافعي Faisal Al Yafai: صحفي وكاتب إماراتي يشغل منصب محرر الشؤون الدولية في مجلة "نيو لاينز". يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الدولية والشرق أوسطية. كتب في عدد من الصحف العالمية مثل "الغارديان" و"ذا ناشيونال". تركّز أعماله على التحليل السياسي، والعلاقات الدولية، وشؤون العالم العربي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Long Shadow of the Iran-Iraq War