الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
مايكل يونغ* – (مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/9/22
مع التعثر الظاهري للولايات المتحدة في صراعها مع إيران، وبينما يواصل دونالد ترامب -ذلك الساحر الأكبر الذي يجيد صناعة الأوهام- جهوده لإقناع الجمهور الأميركي وغيره بأن حطام عمليته العسكرية الغارقة يخفي وراءه نصراً نهائياً، ثمة خبر جيد: كل ذلك يسرّع الابتعاد عن حقبة "السلام الأميركي" Pax Americana في الشرق الأوسط.
بُني النظام الأميركي في المنطقة على أساس ترتيبات أمنية مزعومة، عززها بعد نهاية "الحرب الباردة"، ذلك النزوع الأميركي إلى العمل من طرف واحد وتعميق الهيمنة الإقليمية. لكنّ هذا النظام آخذ في الانهيار أمام أعيننا. وقد بلغت الأمور هذه المرحلة بسبب ثلاث مستويات كبرى من القطيعة ظهرت بشكل أساسي منذ بداية الصراع في غزة، ومنذ تركيز الولايات المتحدة وإسرائيل على إحداث تغيير في نظام الحكم في إيران.
أولاً، قطيعة أخلاقية. فقد أدت مواصلة إسرائيل ذبح سكان غزة بتسليح من الولايات المتحدة وعدد من حلفائها ودعمهم، إلى استنتاج كثيرين في الشرق الأوسط -مُحقِّين- أن النظام الأميركي يقوم أساساً على دعامات إسرائيلية، وأن رفاه سكان المنطقة -والفلسطينيين على وجه الخصوص- يأتي في مرتبة ثانوية. وكان الكاتب الهندي بانكاج ميشرا هو الذي وصف رعب غزة بأنه "القطيعة النهائية في التاريخ الأخلاقي للعالم منذ نقطة الصفر في العام 1945"؛ وكان ميشرا نفسه هو الذي ذكّر بأن جورج أورويل كتب أن فلسطين كانت "مسألة لون".
بالنسبة لكثير من العرب، تبقى غزة مسألة لون. ومن الواضح لكثيرين أن الفلسطينيين ليس لهم، على ما يبدو، لون البشرة المناسب للتمتع بحقوق الإنسان العالمية التي تُمنح لآخرين ترى الدول الغربية -أو بالأحرى نخبها- أنهم جديرون بها، سواء أكانوا الإسرائيليين في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أم الأوكرانيين في حربهم مع روسيا. وتتكرر نية إسرائيل تنفيذ تطهير عرقي للسكان الفلسطينيين في غزة يومياً على لسان المسؤولين الإسرائيليين. وقد صرّح وزير الدفاع، إسرائيل كاتس (وهو نفسه مستودع لفظي لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل)، مجدداً في أيلول (سبتمبر بأن حكومته "منظمة ومستعدة لإخراج [الفلسطينيين] -بحراً، وجواً، وبكل وسيلة ممكنة".
على أي أساس تستطيع الولايات المتحدة إقامة نظام أمني مستدام في الشرق الأوسط إذا كانت لا توفر الأمن لأحد، كما أثبتت الحرب المستمرة مع إيران، وفي الوقت نفسه تُظهر عدم اكتراث تام بشعوب المنطقة وتطلعاتها؟ ذلك هو السبب في أن "السلام الأميركي" كان، وما يزال، ينطوي على هشاشة متأصلة.
وقد استشعرت السعودية ذلك في أيلول (سبتمبر) 2019، عندما قصفت إيران منشأة أرامكو النفطية في بقيق وخريص، ولم تفعل الولايات المتحدة شيئاً رداً على ذلك. وأدى هذا إلى إدراك السعوديين أنهم مضطرون إلى الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن أمنهم، وهي رسالة لم تفعل الحرب الأخيرة مع إيران سوى ترسيخها فحسب، بينما تواصل طهران قصف دول في أنحاء الخليج. وكان أحد مخرجات هذا الإدراك ما حدث في آذار (مارس) 2023، عندما وقعت السعودية وإيران اتفاق بكين سعياً إلى تخفيف التوتر في علاقاتهما. ولم يكن السعوديون يرفضون بذلك الولايات المتحدة، وإنما أظهروا أنهم لن يضعوا بعد الآن كل رهاناتهم على المظلة الأمنية الأميركية.
مثّل اتفاق بكين أيضاً اعترافاً ضمنياً من السعوديين بأن سياسة عزل النظام الإيراني والإطاحة به لم تكن قابلة للتنفيذ، على الرغم من أن الولايات المتحدة أمضت عقوداً في محاولة تحقيق ذلك. وهكذا، رافق القطيعة الأخلاقية الذي سبقت الإشارة إليه ما يمكن أن نسميه انقطاعاً إستراتيجياً -وإن كان انقطاعاً ملتبساً إلى حد ما في البداية- لأن السعوديين ظلوا يحاولون انتزاع التزام أميركي أكثر صلابة بأمنهم. لكن قيام إيران في الأشهر الأخيرة بتدمير الشبكة الكبيرة من القواعد العسكرية التي كان الوجود العسكري الأميركي يعتمد عليها أكد، من دون شك، الشكوك السعودية.
بعد بكين، لم يتخلَّ السعوديون فوراً عن أملهم في أن يتمكن الأميركيون من توفير ضمانات أمنية لهم. وهناك بندان رئيسيان كانا في قائمة الشروط السعودية لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل هما أن تبرم واشنطن والرياض معاهدة دفاع متبادل؛ وأن تقدم الولايات المتحدة مساعدة في إنشاء برنامج نووي سعودي مدني. وقد أدى القصف الإسرائيلي القاسي لغزة إلى تعليق العملية برمتها بعد إدراك السعوديين أنهم لن يستطيعوا بسهولة احتواء الاستياء الشعبي الداخلي من عقد سلام مع إسرائيل التي ينظر إليها كثير من العرب باعتبارها دولة ترتكب إبادة جماعية.
كان واضحاً منذ وقت مبكر ما الذي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيقه من خلال ضم السعوديين إلى ما يسمى "اتفاقات أبراهام". وكانت عدة دول عربية قد وقّعت مسبقاً اتفاقات سلام مع إسرائيل، لكن انضمام السعوديين كان سيعطي المشروع منعطفاً أكثر أهمية بكثير. وبالنسبة لواشنطن، كانت المصالحة العربية-الإسرائيلية ستشكل العمود الفقري السياسي لنظام متخيَّل لما بعد الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، على أن يستند هذا النظام إلى عمود فقري عسكري إسرائيلي. وكان هذا الترتيب الجديد سيسمح للولايات المتحدة بسحب قواتها المسلحة من المنطقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نفوذ إقليمي كبير، لموازنة الصين.
مع حرب غزة وتعليقات بنيامين نتنياهو المتغطرسة عن نشوء شرق أوسط جديد تتولى إسرائيل تشكيله، بدأت دول كثيرة في المنطقة كانت تدرك دلالات "اتفاقات أبراهام" في النظرفجأة إلى ما تراه بعين مختلفة. فقد أعاد الإسرائيليون احتلال غزة، ويريدون الآن طرد سكانها. وفي العام 2025 سعوا إلى تهميش قطر من خلال قصف مكتب لـ"حماس" في الدوحة. وهم يحتلون أجزاء من جنوب سورية، ودفعوا باتجاه تفتيت البلد. كما اعترفوا بأرض الصومال من أجل بناء حضور إستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر، أحد الممرات البحرية الحيوية للسعودية. وقاموا بغزو لبنان، ويحاولون الآن فرض وجود إسرائيلي دائم فيه، أو انتزاع اتفاق سلام ملائم لهم، أو دفع البلد إلى صراع داخلي، أو تحقيق كل ذلك معاً. كما دفعوا الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع إيران على أمل التخلص من النظام القائم، لكن خططهم باءت بالفشل.
لا تبدي الدول الرئيسية في الشرق الأوسط أي اهتمام بأن تصبح أطرافاً ثانوية في فيلم تكتب السيناريو الخاص به الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أنها لا تريد وضع أمنها في أيدي الإسرائيليين. ويمثل ذلك نقطة الانقطاع الثالثة مع النظام الأميركي -مع الفكرة التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة وتقوم على أن النتائج المرغوبة في المنطقة ينبغي أن تمر عبر أطر تفرضها الولايات المتحدة، وهي أطر تهدف في نهاية المطاف إلى الحفاظ على القوة الأميركية.
وكان من نتائج هذا الرفض اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب (أغسطس) الماضي. وقد فُهِم الاتفاق -خطأً- على أنه موجه ضد دول بعينها، وعلى أنه إعلان استقلال عن الولايات المتحدة. لكنه بدا في الواقع حجر أساس لهندسة أمنية إقليمية جديدة تهدف إلى منع بروز قوة إقليمية مهيمنة، وفي الوقت نفسه إرساء أسس نظام جديد يحل محل السلام الأميركي. ويقوم جوهر الاتفاق على آلية لتحقيق التوازن تولّد الاستقرار وليس على منظومة تتمحور حول إسرائيل وتروّج لها الولايات المتحدة، والتي لن تؤدي سوى إلى توليد عدم استقرار منهجي.
هل سينجح الاتفاق؟ وحده الزمن كفيل بالإجابة، لكن المنطقة تجاوزت مرحلة الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية نظام إقليمي مستدام يضمن التوازن والأمن لجميع الدول. ويجب أن نشكر نتنياهو على ذلك. فقد شجع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأميركيين على خوض حرب مع إيران قيل إنها ستغير المنطقة جذرياً، وتبعه ترامب الذي كان أكثر استعداداً لتصديق الإسرائيليين من مستشاريه، إلى الاصطدام بجدار من الطوب. وكانت النتيجة أن حلم نتنياهو باستخدام التدخل الأميركي لفرض التفوق الإقليمي الإسرائيلي تحطم على يد إيران التي تنظر إليها دول كثيرة في المنطقة باعتبارها تهديداً لا يقل عن إسرائيل.
وسوف تستمر هذه المهزلة، بينما يكافح ترامب لإنقاذ نفسه. ولكن، بعد أن رأت دول المنطقة أن الرئيس لا يستطيع السباحة، هل ستكون حقاً شديدة الحرص على منعه من الغرق؟
ملاحظة: تستند هذه المقالة إلى عرض قدّمه الكاتب مؤخراً في مؤتمر حول الشرق الأوسط نظمه فريق الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي.
*مايكل يونغ Michael Young: مدير تحرير في "مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت، ومحرر مدونة "ديوان" في كارنيغي المعنية بشؤون الشرق الأوسط. كان سابقا كاتبا ومحرر صفحة الرأي في صحيفة "ديلي ستار" اللبنانية، وينشر راهنا مقالا أسبوعيا في كل من صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، وفي الموقع الإلكتروني "ناو ليبانون". وهو أيضا مؤلف كتاب "أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن نضال لبنان من أجل البقاء" The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle، الذي أدرجته صحيفة "وول ستريت جورنال" ضمن قائمة الكتب العشرة الأبرز للعام 2010، وحاز على الجائزة الفضية في مسابقة "جائزة الكتاب للعام 2010" التي نظمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".
نشر هذا المقال تحت عنوان:Three Ruptures and the End of Pax Americana in the Middle East