الراي
لقد بلغ السيل الزُّبى عند المؤسسات الرقابية والحكومات الرشيدة حين تبيّن ان مزايا ورواتب ومكافآت وحوافز التنفيذيين والرؤساء في ادارات بعض الشركات المساهمة العامة شأنٌ تعدى وظيفتها الأساسية، كأداة وحافز للإنجاز. واصبح موضوعها أحياناً، شأن من لا شأن له، ويتداول بمعزلٍ عن كونه "أداة وسياسة تحفيز" . وأنني أرى في المكافآت أداة تكريم وتحفيز للكفاءة والإنجاز، وعكس ذلك، إن تجاوزت حدود المعقول نحو المبالغة"، وسوء التدبير. فهي إن كانت دون حدود ناظمة، مفعّله، سترتفع درجة حساسيتها وخطورتها.
مؤشر تدني نسبة كفاية رأس المال او سوء التدبير في ادارة المال
ولقد تبيّن بالمراجعة الدولية، أن حجم مزايا ومكافآت التنفيذيين في بعض الشركات المساهمة، بلغ "حدودا مغرقة وفلكية" تلتهم احيانا ما يزيد عن عشر أرباح بعض الشركات!! بل اكثر من ذلك، إن جُمِعت مع المزايا الباطنية!!. وتلك صافرة إنذار، إن استمر الوضع، وقد تُودي بالاستقرار المالي والنقدي! إذ لم تعد امتيازات المدراء التنفيذيين في الشركات حافز، ولا شأن شخصي او سري يتستر عليه، أو حديث اجتماعي، وهمس وثرثرة في الصالونات الاجتماعية والحزبية والبرلمانية، او مادة للابتزاز الشخصي او مؤونة للطعن في الحكومات لاستهانتها بالذي يجري!. بل تتطلَّبَ تدخلاً. فأزالت تشريعات الإفصاح الستار عن "حجم المكافآت والامتيازات" فأصبح الإفصاح عنها أمر إلزامي وحق للجمهور الاطلاع عليها، مساهمين، ومستثمرين، ورقابة، وأبعد من ذلك. أصبحت "ثقافة" تتجذر.
وستعطي هيئات الرقابة الاوروبية، وهيئات الرقابة على أسواق المال الدولية- الأيوسكو "ولجنة بازل" اهتماما اكبر بها. وستبدأ المجموعة الأوروبية، بالذات، تنفيذ أنظمة جديدة صارمة مشددة، لمعالجة العلّة، إبتداءً من نيسان 2026.
ولقد لمس الموظف في المؤسسات الرقابية، عندنا، وعند آخرين، في بداية تطبيق التشريع الإفصاحي على الشركات المساهمة، العُسْرَ، والمقاومة، في تسويق، وتسويغ، وتنفيذ، أنظمة وتشريعات الإفصاح عن مكافآت وامتيازات المدراء التنفيذيين النقدية، ومنها الرواتب والمكافات، والعينية، من أسهم ومزايا سكنية وخدمية. ولم تعد تقتصر الممارسة في الأسواق المتقدمة، بل تتعداها الى أسواق المال الاقليمية والمحلية. ولولا دعم، من أصحاب الشأن، لغرق الموظف حامل لواء القانون، وسفن المؤسسات! ذلك لسطوة حبَّ المال والجاه،زفي قلوب أصحابه، ونفوذهم "خاصة في المجتمعات النامية!.
ورغم ذلك، فلقد انتظمت المعاملات والأسواق المالية والشركات المساهمة، نسبياً، حين طبقت التشريعات والتعليمات الرقابية الافصاحية، و لكن بقيت فرص الانحراف مستحكمة في بلدان نامية أفريقية وعربية وآسيوية، وفي أميركا اللاتينية، حين لم تستطع "المؤسسات الرقابية" الحفاظ على استقلاليتها، وإعلاء سيادة القانون، والتغلب على مصالح اصحاب النفوذ: فجلس الحدَّادُ على كرسيّ النجّار، والنجّار محل الطيّار، والعسكري المتقاعد او المدني المرتبط بالأجهزة الأمنية الحاكمة، محل الفني، المدني، الكفؤ المُعْلِي لسيادة القانون- وتلك ممارسات تعدّ طاردة للاستثمار والكفاءات. فأصبحت المكافآت اداة للعبث السياسي، وسوء التدبير المالي. فاختلت موازين حوكمة الشركات، وظهرت الثقوب السوداء في موازناتها، وحلّت المخاطر محل الاستقرار، وسيادة القانون، والخلخلة المالية محل الاستقرار المالي والنقدي!. لقد قيل صواباً، أن الشمس الساطعة (الإفصاح والشفافية) هي افضل معقِّم مُطهِّر .... Sunlight is the Best Disinfectant”. فكما الشفافية والإفصاح علاجٌ في حقل المال والأعمال، فهو كذلك في الادارة والإعلام والسياسة.
وعلى عجالة هادئة، ولكي تصبح المكافآت أداة ومؤشرا على الإنجاز، ويطلع عليها الجمهور، بشفافية أكثر، ولكي لا تصبح اداة ثرثرة وقيل، وقال Gossip، أرى ضرورة وضع "نظام مستقل جامع ناظم للمكافآت والحوافز" يجمع, ويضيف ويحدد, كل ماورد من مواد متناثرة في التعليمات المالية الاقتصادية للشركات المساهمة. وإدخال "ضوابط إضافية" على ثقافة الإفصاح "تجنباً لمخاطر أية مغالاة" في مكافآت وإمتيازات "التنفيذيين -جميعهم" في الشركات المساهمة و "تثقيل" تعليمات "الحوكمة المؤسسية" السارية.
ولغاية المزيد من الانضباط، أرى التالي: وضع مواصفات وصلاحيات أمتن وأوضح لمن يتولى السلطات في الدوائر الرقابية؛ وضمان استقلالهم، واستقلالها، في ممارسة شؤونهم؛ وان يتولي عضو مستقل رئاسة "مجالس الادارة", بدلا من عضو مالك, يجلس عليها، متضارب موقعه مع المصالح العامة وجمهور المساهمين؛ وان يكون هناك معايير منها سقوف CAPS رقمية، ونسبية، ضابطة، لمنح الرواتب والمكافآت كنسب من مجموع الارباح؛ وان يسمح للهيئة العامة، الرأي في تقدير ومنح المكافآت وربطها بالإنجازSay In Pay؛ وان يكون ربطها بالانجاز "طويلُ المدى"، ذلك ان هناك فجوة زمنية تفصل قرارات المدراء ونتائجها (نهاية الخدمة مثلا او اربع سنوات او مدة ولاية المجلس أيهما اقرب)؛ وضبط جديد قانوني أعلى، وصلاحيات أمتن، لمراقبي الشركات، في اجتماعات الهيئات العمومية في مجتمع التواصل الإلكتروني _ عن بعد _ فمشاركة جمهور المساهمين، عمليا، ضعيفة، وتقتصر على من يتقن التواصل الرقمي، وأغلب الحضور، هم ممن يمتلك اسهما كبيرة! وتُختَتَمُ الاجتماعات بسرعة فائقة؛ واخيراً، رفع التوعية لدى المساهمين الصغار بحقوقهم؛ وتطبيق مبدأ "التصويت التراكمي" الذي يتيح لهم القانون تجميع أصواتهم، لتكوين صوتا تراكميا توازُنِياًّ.