معنا أو ضدنا.. هل من خيار ثالث؟*موفق ملكاوي
الغد
في أواخر العام 2001، وفي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، وقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ليعلن ما سمي حينها بـ"الحرب على الإرهاب"، وليصرح بجملته الأكثر شهرة، حين قال "على كل دولة، في كل منطقة، أن تتخذ قرارا: إما أن تكونوا معنا، أو أن تكونوا مع الإرهابيين"، والتي تم اختصارها بجملة أكثر قوة وحدة وحسما، وهي "من ليس معنا فهو ضدنا".
هذه الجملة، بقوتها البلاغية، وجبريتها السياسية، أصبحت تعبيرا مكثفا عن منطق الاستقطاب الثنائي الحاد الذي يلغي المساحات الحرة، ويضع العالم في معادلة صدامية مباشرة، فإما اصطفاف كامل أو عداوة صريحة أو ضمنية.
اليوم، يتم استدعاء المنطق نفسه في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني ضد إيران، ففي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن على حلفائها والنيتو ليكونوا أكثر انخراطا في الحرب، تمارس طهران الأمر نفسه، وتريد أن تجبر المحيط العربي على انخراط أكبر فيها، من منطلق أنها جارة طيبة وودودة، ولم يصدف أن دمرت بلدانا عربية وحولتها إلى دول فاشلة، لذلك فهي تقصف مطاراتها وبناها التحتية تحت ذريعة قصف القواعد الأميركية.
هذه السذاجة السياسية ومحاولات تسول التعاطف باسم الدين والتاريخ المشترك، ورغم أنها مكشوفة، إلا أنها تجد مريدين كثرا لها بسبب الطرف الآخر من الصراع، وهو الكيان الصهيوني، الذي يتبدى عدوا واضحا لا لبس فيه، يحتل بلدا عربيا، ويمتلك مشروعا استعماريا توسعيا يريد إنجازه من دون أن يتعرض للتهديد من أي طرف. هذا الأمر أثمر تعاطفا معينا تجاه إيران التي تحارب، حسب ادعائها، نيابة عن الأمة. لكن الحقيقة لا تقترب من هذا المفهوم.
المشكلة الأكبر أن الأمر تعدى مسألة التعاطف الذي يمكن أن يفرضه التاريخ المشترك في المنطقة، نحو التفضيل على الدولة الأم، فكثير من العرب اليوم يضعون إيران أولوية على بلدانهم، لاعتبارات دينية أو مذهبية أو سياسية أو عاطفية. معضلة الانتماء هذه موجودة اليوم في الأردن، فهناك من دعوا إيران صراحة إلى قصف مناطق في الأردن، وهناك من يرى أن تحرير فلسطين سيكون على يد إيران، وأن ذلك لن يتحقق إلا بإسقاط الأردن كدولة، وإشعال الفوضى فيه. هؤلاء، وعلى اختلاف منطلقاتهم، يتبنون جملة جورج بوش، ليقولوا بكل صراحة إن "من ليس مع إيران فهو مع إسرائيل"، من دون أن يفتحوا أي باب لخيار ثالث قد تجد فيه البلاد العربية طمأنينة أكثر، وقربا أكبر من مصالحها القومية واستقرار بلدانها.
المعضلة تكمن حين تتحول القضايا الكبرى إلى أدوات ابتزاز، وحين يختزل المجال السياسي كله في ثنائية قسرية، ليكون المستهدف الأول قدرة المجتمعات على التفكير الحر، فمنطق "إما معنا أو ضدنا" يطلب تعطيلا للعقل، وإغلاقا لأي إمكانية للمراجعة أو النقد أو حتى التردد المشروع.
الخيار الثالث الذي يتم إقصاؤه عمدا، هو خيار محاولة بناء موقف عقلاني يوازن بين المبدئي والمصلحي، وبين دعم الحقوق العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحماية الدول من الانهيار تحت شعارات كبرى لا تترجم إلى نتائج. هذا الخيار لا يجد له مكانا في الخطاب الصاخب لأنه ببساطة لا يصلح للتعبئة، ولا يمكن توظيفه في معارك الشعارات.
التجارب القريبة في المنطقة تقول بوضوح إن الدول التي انجرت إلى صراعات المحاور، أو سمحت بتحويل أراضيها إلى ساحات تصفية حسابات، دفعت أثمانا باهظة، ولم تستعد عافيتها حتى اليوم، في حين لم تتحرر فلسطين، ولم تتقدم القضايا الكبرى، بل تراجعت قدرة هذه الدول على الفعل، وتحولت إلى ساحات للصراع والفوضى.
في الحالة الأردنية، يصبح النقاش أكثر حساسية، فأي اهتزاز في الاستقرار يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة تتداخل فيها الجغرافيا بالديموغرافيا، والسياسة بالأمن، على نحو لا يمكن التحكم بمآلاته. لذلك، فالدفاع عن الدولة يأتي من إدراك عميق بأن استقرار الدولة شرط أول لأي دور سياسي أو قومي أو حتى إنساني. أما الخطاب الذي يزايد على هذا المعنى، ويصور الحفاظ على الاستقرار كأنه تخل عن القضايا، فهو يخلط بين الشعار والنتيجة، فقوة الدول تقاس بقدرتها على الفعل والاستمرار، وعلى حماية مجتمعاتها من الانزلاق نحو المجهول.
أخطر ما تشهده هذه المرحلة يكمن في تعدد الروايات التي تحاول أن تفرض نفسها كحقيقة مطلقة، ليصبح التمسك بالعقل وبفكرة المصلحة الوطنية، وبحق المجتمعات في اختيار موقعها بعيدا عن الإكراه، هو المعركة الأهم، لأنها التي تحدد ما إذا سنكون فاعلين في تاريخنا، أم مجرد ساحات لصراعات الآخرين.