"حصل أن تم القضاء على العدو المحتمل -أي على مدنيين. في بلدات وقرى صفصاف، الجش، عيلبون، اللد، وفي الجنوب على نطاق أوسع. وكانت الغاية هي الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص من الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من قدر أولي من الإرهاب كي يرحلوا".
- مُردخاي ميكلف، (ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، ولاحقًا رئيس أركان الجيش)
...
"أنا احتللت بئر السبع. أصدرت أمرًا بقتل كل من يخرج الى الشارع، سواء قاوم أم لم يقاوم. قُتل الجميع. بعد استسلام المدينة توقّف القتل. وحتى ذلك الحين قُتل رجال، ونساء وأطفال، بلا استثناء. بعدها طُلب من الناس التوجه إلى الخليل. ومن لم يذهب، تمت تصفيته".
- يسرائيل كرمي، (قائد كتيبة في اللواء السابع)
***
قبل عامين، في أواخر آذار (مارس) 2024، كانت عالمة الحيوان، رونيت زيلبرمان، تتنزّه بالقرب من منزلها في حي "رمات هحائيل" في تل أبيب. وعندما وصلت إلى شارع "هاغولان"، لفتت نظرها صناديق مكدّسة بآلاف الوثائق كانت قد تُركت إلى جانب حاوية قمامة. وأثار الأمر فضولها، فشرعت في تصفّح المواد. وأمام عينيها انكشف توثيق استثنائي في حجمه من أيام حرب العام 1948، شمل وثائق مصنفة على أنها سرّية، وقوائم من عمليات نُفذت داخل البلاد وفي دول مجاورة، وخرائط وصورًا تاريخية لم تُنشر من قبل (ومن بينها صور مرفقة بهذا التحقيق). مثل هذا الأرشيف، فكّرت زيلبرمان، جدير بأن يُفحص ويُحفظ في أرشيف منظّم. وعلى الرغم من ثقل الصناديق، تكبّدت زيلبرمان عناء نقلها إلى منزلها.
كانت الخطوة التالية هي التوجّه إلى معهد "عكيفوت" لأبحاث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وما إن وصل البلاغ، حتى سارع كاتب هذه السطور إلى منزل زيلبرمان وقام بجمع المواد. وسرعان ما تبيّن أنّها تشكّل مجموعة وثائق تعود إلى رافي كوتسر، أحد أوائل المقاتلين في لواء "غولاني" ومن مؤسّسي وحدة الكوماندوز في الكتيبة 12 التي تحوّلت لاحقًا إلى "سرية غولاني الاستطلاعية". وكان كوتسر قد قاد معارك عدّة في العام 1948، وأصبح لاحقًا من مؤسّسي منظمة معاقي الجيش الإسرائيلي. وكان جزء من الأرشيف شخصيًا، وضمّ يوميات وملاحظات وملخّصات. ووثق جزء آخر نقاشات حزب "مبام"، بما في ذلك مسائل تتعلّق بالسلاح النووي وبالحكم العسكري. غير أنّ القسم الأهمّ تعلّق بحرب العام 1948.
ومن بين الوثائق التي أُلقيت في القمامة برز مستند كتبه يتسحاق بروشي، قائد الكتيبة 12 إبّان الحرب. وهي أوامر صدرت في تموز (يوليو) 1948 صاغها بروشي لقادة السرايا في "غولاني" الذين كانوا يقاتلون آنذاك في شمال البلاد، وحملت عنوان: "السلوك في القرى المحتلّة المأهولة بالسكان". ولم يكن ما تضمنته هذه الأوامر يشبه ما ترويه كتب التاريخ الإسرائيلية.
كتب بروشي للقادة العسكريين أنه بعد احتلال قرية عربية سيتم إصدار بطاقات هوية للسكان. وإذا أعطى أحد السكان بطاقته لشخص آخر، يجب إطلاق النار عليهما معًا. وإذا لم يمثُل أحد سكان القرية في الموعد المحدد للفحص العسكري، يجب أن تُطلق عليه النار ويتم تفجير منزله. وإذا عُثر في القرية على "عربي غريب عن القرية"، فيجب إطلاق النار عليه فورًا. وكقاعدة عامة، ينبغي إطلاق النار على "كل رجل عاشر" في قرية مُحتلة يُعثر فيها على غرباء. كذلك يجب إعدام جميع الرجال في البيت الذي يُعثر فيه على ممتلكات سُرقت من يهود.
ووفقًا للأوامر، كان يُقضى بتدمير القرى تدميرًا كاملًا، غير أنّ ذلك لم يكن يُعد كافيًا في بعض الحالات. في ما يتعلّق بعرب الذبَّح، وهي جماعة بدوية كانت تقيم في الجليل الأسفل، جرى التشديد على محو وجودهم تمامًا. وجاء في نص الأوامر حرفيًا: "يجب قتل كل عربي من الذبَّح". لم تكن هذه تعليمات شفهية أو روايات متناقلة، بل أوامر مكتوبة بوضوح، وقّعها بروشي بخط يده.
وفي أمرٍ آخر يعود إلى تموز (يوليو) 1948، وجّه بروشي جنوده إلى البحث عن عربٍ اختبأوا في منطقة جبل طرعان في الجليل الأسفل بعد احتلال المكان. وأمرهم بـ"قتل كل مختبئ". كما نصّ أمرٌ إضافي عُثر عليه ضمن مجموعة وثائق كوتسر على أنّ "عربًا بأعداد قليلة يتجوّلون في القرى"، على ما يبدو لجمع ممتلكات وطعام. ووفقًا لذلك الأمر، ينبغي "تطهير المنطقة من العرب". وتحت عنوان "الطريقة" جاء: "كل عربي يُصادَف (هكذا في الأصل) يجب إبادته".
***
مرّ ما يقرب من الثمانين عامًا على حرب 1948، ومع ذلك، ما تزال مواد كثيرة محفوظة في الأرشيفات مغلقة. وقد أبقت هذه السرّية الإسرائيلية على واحد من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحرب معلّقة: هل فرّ نحو 800 ألف عربي بمبادرة منهم وبتوجيه من قياداتهم، أم جرى ترحيلهم قسرًا؟ وإذا كانوا قد رُحِّلوا، فما الدور الذي لعبته المجازر وعمليات القتل في تسريع عملية الطرد؟ (وغالبًا ما يتم في هذا النقاش إغفال حقيقة أنّ إسرائيل منعت العرب من العودة ودمّرت قراهم، وبذلك ضمنت استمرار تهجيرهم).

طفل فلسطيني يرفع يديه ضمن قافلة من السكان المهجّرين في العام 1948 - (المصدر)
بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، إذا كان العرب قد فرّوا، فإن إسرائيل لا تتحمّل المسؤولية عن المأساة الفلسطينية. أمّا إذا كانت إسرائيل قد طردتهم، وإذا لم يتردّد جنود الجيش الإسرائيلي في سفك دم من رفض المغادرة، فإن ظلًا ثقيلًا يخيم على أيام قيام الدولة. وإذا لم تكن "طهارة السلاح" في صدارة اهتمامات قادة الجيش، وإنما هاجس النقاء العرقي، فإن الذاكرة التاريخية في إسرائيل تقوم على سردية زائفة.
من بين الملفات التي رُفع الحظر عنها وتشكل أساس هذا التحقيق، فإن ملف شموئيل لاهيس هو الأبرز. كان لاهيس قائد سرية في لواء "كرميلي"، وأقدم بيديه على قتل عشرات من سكان قرية حولا، المجاورة لكيبوتس منارة على الجانب اللبناني من الحدود. وهو الجندي الوحيد الذي حوكِم بتهمة قتل عرب خلال حرب العام 1948، بسبب إصرار نائب قائد الكتيبة، دوف يرميا، على محاسبته. وقال لاهيس إنه تصرّف وفق أوامر قادته، وحُكم عليه بالسجن عامًا واحدًا. لكنّه عمليًا لم يُرسل إلى السجن، بل أمضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية، ثم حصل سريعًا على عفو. ثم عُيِّن لاحقًا مديرًا عامًا للوكالة اليهودية.
أشار القاضي جدعون إيلات، أحد أعضاء هيئة المحكمة، إلى أن فظائع أشد وقعت خلال الحرب، وأبدى دهشته من أن لاهيس وحده قُدّم للمحاكمة. وكتب أنها لم تُتخذ إجراءات بشأن "جرائم حرب كثيرة ارتكبها قادة وجنود"، ما يوحي بأنه رأى في لاهيس كبش فداء. ولم يكن كلام إيلات معزولًا؛ فقد حظي دفاع لاهيس، القائم على أنه نفّذ أوامر، بدعم عدد من الضباط الكبار الذين أدلوا بشهاداتهم. وتُنشر هذه الإفادات هنا للمرة الأولى، وستصدر في كتاب عن معهد "عكيفوت". ومن بين الشهود مردخاي مكيلف، ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، الذي سيُعيَّن بعد أربع سنوات رئيسًا لأركان الجيش. قال مكيلف: "كانت هناك عمليات تم فيها القضاء على العدو المحتمل، أي على مدنيين. مثلًا في صفصاف، والجش، وعيلبون، واللد، والرملة، وفي الجنوب على نطاق أوسع. الهدف كان الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص كانوا يعيشون في الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من عنصر إرهاب أولي كي يرحلوا".
وقدم مكسيم كوهين، قائد لواء "كرميلي" خلال الحرب، شهادة قاسية بدوره، وقال: "كيف تُفرغ قرية؟ تُقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيفرّون جميعًا. عمليًا لم يتم إخلاء أي قرية من دون طعن أحد في بطنه أو وسائل مشابهة. انتصرنا بفضل الخوف الذي شعر به العرب، وقد خافوا من أفعال ليست قانونية".
وقال حاييم بن دافيد، ضابط العمليات في لواء "كرميلي" ولاحقًا لواء في الجيش والسكرتير العسكري لبن غوريون، إن طرد السكان العرب كان أمرًا مألوفًا، وإن "تطهير المنطقة يتجلّى في عمليات قتل" تبعًا للظروف. وأضاف: "في أوامر العمليات كنا نحرص على عدم ذكر القتل، والتعليمات المتعلقة بالسلوك كانت تُعطى شفهيًا لقادة الكتائب". ووفقًا له، لم تدعُ الأوامر المكتوبة الصادرة عن القيادة العامة إلى تدمير القرى، لكن ما جرى على الأرض تمّ "بعلم القيادة العليا". وماذا لو أصرّ ساكن عربي على البقاء في بيته؟ "يتلقى رصاصة"، قال بن دافيد. "كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعرف أيضًا أننا في مرات كثيرة لم نلتزم بها. استخدمنا وسائل غير قانونية". وأوضح أن هذه الوسائل استُخدمت كذلك ضد النساء والأطفال.
كما أدلى بالشهادة قائد اللواء السابع، يوسف إيتان، الذي سيُعيَّن لاحقًا قائدًا للمنطقة الوسطى. وتطرق إلى الفجوة بين الأوامر المكتوبة والتعليمات الشفهية، وقال إنه لم يرَ أمرًا مكتوبًا "بإبادة كل نفس حية"، "أما كإشارات وتلميحات، فنعم". وأضاف أن قادة الميدان كانت لديهم "صلاحية تفسير الأمر"، موضحًا أن "جنودنا قضوا على سكان" تنفيذًا لأوامر تلقّوها.
وروى يسرائيل كرمي، الذي كان قائد كتيبة في اللواء السابع، وقائع احتلال بئر السبع، وأوضح أن الأسلوب كان قتل المدنيين الذين يعارضون التهجير، وأن هذه الطريقة اعتُمدت في الشمال والجنوب على حد سواء. وقال في شهادته: "أنا احتللت المدينة. وأثناء تطهير المنطقة أصدرتُ أمرًا بالقضاء على كل من يظهر في الشوارع، سواء قاوم أم لم يقاوم. صدر أمر بإبادة كل شيء. وبعد احتلال مركز الشرطة -بعد الاستسلام- توقّف القتل. وحتى ذلك الحين قُتل الجميع: نساء وأطفال والجميع. ثم صدر أمر للناس بالتوجه إلى الخليل. ومن لم يذهب، ’أُزيل‘ (علامتا التنصيص في الأصل)".
ثمة ملف آخر فُتح للاطلاع يتناول جنودًا اغتصبوا وقتلوا فتاة بدوية في الجنوب في العام 1949. وتُظهر وثائق الملف كيف استُخدم قتل المدنيين لا لتسريع التهجير فقط، بل أيضًا لمنع عودة العرب إلى أراضيهم. وقد كُتب أمر عمليات ووزّع على المقاتلين بعد وقت قصير من اتفاقات وقف إطلاق النار نصّ على "إطلاق النار على كل عربي يوجد في المنطقة حتى خط الهدنة". ووقّع عليه: "أ. روزنبلوم. نقيب. قائد الخط".
وجاء في الحكم الصادر في القضية أن الأوامر التي أُعطيت للمقاتلين كانت "من دون أي قيد -إطلاق النار على كل عربي، وبالتالي لا فرق إذا ما كان رجلًا أو امرأة، مسلحًا أم غير مسلح، هاربًا أم رافعًا يديه مستسلمًا: ’إذا رأيت عربيًا أثناء الدورية، فعليك أن تطلق النار عليه‘". وبناءً على ذلك، أوضح القضاة أنه يصعب تحميل الجنود مسؤولية القتل، وأن المساءلة ينبغي أن تقتصر على جريمة الاغتصاب: "لو أن الضابط قتل العربية في المكان بدل أن يأخذها معه، فربما لم يكن ليُعدّ مذنبًا أصلًا".
وهناك ملف آخر أُتيح الاطلاع على وثائقه يتناول قتل ثلاثة عرب مسنين -امرأتين ورجل- في قرية البرج جنوب الخليل. في تموز (يوليو) 1948 تم احتلال القرية، وبعد ثلاثة أشهر احتار الجنود في كيفية التخلص من أربعة عرب بقوا فيها. قال الجندي آريه بن شِم، من الكتيبة 143، إن أحد الأربعة كان يعمل في مطبخ الجنود، فتقرر الإبقاء عليه. أما الثلاثة الآخرون، بحسب شهادته، فقد أمر الملازم يوسف فيشل بإدخالهم إلى أحد المباني وإطلاق قذيفة "بيات" عليه. "أنهِهم"، قال فيشل.
وعندما أخطأت القذيفة المبنى، تقرر إلقاء قنابل يدوية داخله ثم إضرام النار فيه. وقال أحد الجنود في شهادته: "عندما دخلتُ البيت، كان أحدهم يحتضر فأطلقتُ عليه رصاصة. كانوا ممددين على الأرض. ركلتُ الاثنين الآخرين بأقدامي. ولم يستجيبوا". وشهد جندي آخر بأن "تصفية عرب بأمر من صاحب سلطة لم تكن أمرًا مفاجئًا، وقد سمعت عن حالات كثيرة جرى فيها الأمر على هذا النحو".
على خلاف لاهيس، الذي حوكم بتهمة القتل على مجزرة حولا، قُدّم فيشل للمحاكمة وأدين بمحاولة قتل. وأوضحت المحكمة أن النيابة قصّرت في أداء دورها ولم تسعَ إلى إثبات وقوع جريمة قتل أصلًا. وحُكم على فيشل بالسجن 60 يومًا -ثم شُدّد الحكم في الاستئناف إلى العام واحد- مع الإشارة إلى أن المتهم كان يمكن أن يعتقد أن أفعاله مبرَّرة أخلاقيًا وعسكريًا.
وقد استغرب محامي فيشل الحكم: "على ماذا سيُسجن؟ لأنه بالغ في أفعاله؟ لقد أدّى واجبًا غير سارّ، وتصرف بدوافع في غاية النقاء. ليس ضابطًا واحدًا من يجب أن يُعاقَب، بل مدرسة كاملة".
***
جرى طمس حقيقة أن القتل والتهجير القسري كانا جزءًا من "نهج راسخ" على مرّ السنين، ولم تظهر في الأبحاث إلا نادرًا. وحتى حين ظهرت، انصبّ التركيز على "عملية حيرام" لاحتلال الجليل، التي نُفذت في نهاية الحرب. لكن الممارسات التي يعرضها هذا التحقيق بدأت فعليًا في مرحلة الحرب الأهلية (من تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 حتى أيار/ مايو 1948)، وتصاعدت أكثر في مرحلة الحرب الإقليمية التي تلتها. وتضخّمت أعمال العنف منذ نيسان (أبريل) -وأيار (مايو) 1948، عندما انتقلت "الهاغاناه" إلى الهجوم. خلال هذين الشهرين سقطت معظم المدن الفلسطينية، وهُجّر سكانها، ثم احتُلّت مئات القرى في الأشهر التالية.
وردت إحدى أقدم الإشارات إلى التهجير القسري في البحث التاريخي في دراسة موسعة عن "عملية حيرام" أعدّها في خمسينيات القرن الماضي الرائد يتسحاق موداعي، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للمالية. وقد كُتبت الدراسة لقسم التاريخ في الجيش الإسرائيلي واستندت إلى وثائق داخلية، ولم تكن مُعدة للنشر. ويذكر موداعي أن يغئال يادين، الذي شغل منصب رئيس شعبة العمليات العسكرية وعُيّن لاحقًا رئيسًا للأركان، حدّد في أمر مكتوب وبصراحة تامة: "لسنا معنيين بوجود سكان عرب داخل حدود دولة إسرائيل".
كما أورد موداعي أنه في المراحل الأخيرة من العملية أبلغ قائد المنطقة الألوية والمناطق بما يلي: "افعلوا كل ما في وسعكم لتطهير سريع وفوري للمناطق المحتلة من جميع العناصر المعادية. ووفقًا للأوامر الصادرة، ينبغي مساعدة السكان على المغادرة". وخلص إلى أن قوات الجيش سعت إلى إخلاء الجليل من سكانه العرب، "وغالبًا ليس بوسائل قانونية أو لطيفة".
كان الذي كتب أمر التهجير الذي اقتبسه موداعي في الخمسينيات هو قائد الجبهة الشمالية، اللواء موشيه كرمل. وقد فُتح هذا الأمر لاطلاع الجمهور في أواخر التسعينيات في أرشيف الجيش، واعتمد عليه المؤرخ بيني موريس في كتابه "تصحيح خطأ". وفي كتابه الرائد من أواخر الثمانينيات، "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949"، أشار موريس إلى التهجير ووصف الوضع آنذاك بأنه كان "حالة فوضوية من غياب توجيه مركزي وسياسة متسقة". لكنه عاد في كتابه اللاحق ليصحح هذا التقدير، مستندًا إلى أمر كرمل الذي كُشف النقاب عنه، والذي فيه تأكيد صريح على أن إبعاد السكان هو "أمر ملحّ للغاية".
في الأثناء، أُعيدت أوامر التهجير إلى العتمة في أرشيف الجيش، ومعها وثائق أخرى تشير إلى جرائم حرب. ولإدراك مدى ندرة الشهادات والأوامر الواردة في هذا التحقيق، لا بد من التوقف عند سياسة الإخفاء التي تنتهجها إسرائيل. فمن أصل 17 مليون ملف محفوظة في أرشيف الدولة وأرشيف الجيش وأجهزة الأمن، هناك أكثر من 16 مليون ملف غير متاحة للجمهور.
ثمة وثيقة داخلية لأرشيف الجيش، ظلت محجوبة حتى قبل سنوات قليلة وكشفها معهد "عكيفوت"، شرحت للعاملين في الأرشيف ما ينبغي حجبه. ومن بين ذلك: "مواد قد تسيء إلى صورة الجيش كقوة احتلال تفتقر إلى أسس أخلاقية؛ أو تتضمن سلوكًا عنيفًا تجاه السكان العرب وأعمال قسوة (قتل، اغتيال)". كما شددت على عدم كشف مواد تتعلق بـ"طرد العرب" أو بـ"أوامر إطلاق النار على المتسللين" -أي العرب الذين حاولوا العودة إلى قراهم. وطلبت أيضًا حجب المواد عن "سوء معاملة الأسرى خلافًا لاتفاقية جنيف (قتل)"، بل وحتى توجيهات بـ"عدم الالتفات إلى الأعلام البيضاء".
ولم تقتصر جهود الإخفاء على الأرشيفات الرسمية، بل امتدت إلى أرشيفات حزبية ومجموعات خاصة كانت تشكل مصدرًا بديلًا للباحثين والصحفيين. وخلال العقدين الأخيرين، تنقل موظفو "المسؤول عن الأمن في المؤسسة الأمنية" بين الأرشيفات وأغلقوا ملفات حساسة أمام الاطلاع، من دون سند قانوني واضح. وأيدت المحكمة العليا بدورها سياسة الإخفاء. عندما طُلب منها السماح بنشر وثائق وصور من مجزرة دير ياسين، رفضت الالتماس، وقبلت الادعاء بأن الكشف قد يضر بالسياسة الخارجية لإسرائيل و"بعلاقاتها مع الأقلية العربية"، بحسب نص الحكم.
وحتى محاضر جلسات الحكومة ذات الصلة لم تُنشر كاملة على الرغم من مرور ما يقرب من ثمانين عامًا، ولو أن جزءًا من المداولات فُتح للاطلاع في السنوات الأخيرة تحت ضغط على أرشيف الدولة. وفي نقاش حول أوامر "تطهير المنطقة"، قال الوزير يتسحاق غرينبويم إن "من ينظر إلى هذه الأمور من الخارج لا يستطيع إيجاد تفسير لهروب العرب. من المعقول أنهم دُفعوا إلى الفرار بسبب السلب والاغتصاب والقتل والطرد". وطلب وقف عمليات الترحيل. أما الوزير مردخاي بنتوف فقال في إحدى الجلسات: "من السهل أن نُهجّر، هتلر كان الأول"، مضيفًا أن "كل ما نفعله يتعارض مع الاتفاقيات الدولية". واعتبر الوزير موشيه حاييم شبيرا أن عنف المقاتلين الإسرائيليين تجاه العرب تحول إلى وباء. (يُتبع)
*آدم راز Adam Raz: مؤرخ وباحث إسرائيلي مختص بتاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعضو بارز في "معهد عكيفوت لأبحاث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني"، حيث يشارك في جمع وتحليل الوثائق الأرشيفية المتعلقة بتاريخ إسرائيل والسياسات الأمنية. يركّز في أعماله على قضايا الذاكرة التاريخية، والرقابة، وكشف المواد المحجوبة في الأرشيفات الرسمية، لا سيما ما يتعلق منها بحرب 1948 وتعامل الدولة مع الفلسطينيين. نشر عددًا من الكتب والدراسات التي تتناول موضوعات مثل الرقابة العسكرية، ونهب الممتلكات الفلسطينية بعد النكبة، والسياسات الإسرائيلية تجاه العرب داخل إسرائيل. كما يكتب مقالات وتحقيقات في صحيفة "هآرتس". يُعرف بمساهماته التي تعتمد على وثائق أصلية وتسلّط الضوء على جوانب حساسة ومثيرة للجدل في التاريخ الإسرائيلي.

جنود من لواء هرئيل يقصفون قرية بيت محسير الفلسطينية بقذائف هاون 81 ملم، 1948 - (أرشيفية)


