الغد-عزيزة علي
تمثل المجموعة القصصية الجديدة "تراتيل تل أبيل: نصوص نثرية"، للدكتور هاني عبيدات تجربة فريدة في الأدب النثري، إذ تتجاوز حدود القراءة التقليدية لتجعل القارئ شريكا فاعلا في بناء النص وفهمه.
عمد الكاتب إلى ترك فراغات بين الجمل والأفكار، مساحات يمكن للقارئ أن يملأها بإحساسه وتأملاته، ليصبح لكل فرد تجربة قراءة خاصة وفريدة. وهذه التراتيل التي صدرت عن دار صامد للطباعة والنشر في لبنان، ليست مجرد كلمات تُقرأ، بل حوار داخلي ينبثق بين النص ووعي المتلقي، حيث تتفاعل الخبرة الشخصية للقراءة مع المعنى الذي يقدمه الكاتب، ليصبح كل قارئ مشاركا في استكمال الكتاب وابتكار معانيه الخاصة.
هذا الأسلوب يجعل الكتاب أكثر من مجرد نصوص سردية؛ فهو فضاء للإبداع المشترك، واستكشاف الذات، والتأمل في التجربة الإنسانية، كما يعكس قدرة الكاتب على الجمع بين المتعة الأدبية والفائدة الفكرية.
تحقق هذه النصوص تلاقيا بين الإبداع والوعي، وبين الكاتب والقارئ، وبين الكلمات والمعنى، لتصبح التجربة القرائية حية تتشكل مع كل قراءة، مضفيةً بعدًا شخصيًا وفلسفيًا يجعل كل تجربة فريدة ومختلفة.
يقول الدكتور سمير محمد أيوب إنه وافق على كتابة تقديم للمجموعة القصصية "تراتيل تل أبيل"، للدكتور عبيدات فور اطلاعه عليها مخطوطة مع بداية عام 2026، تقديرًا لقيمة الكاتب ومعرفته السابقة به من خلال كتابه الأول "ترانيم حوراني"، الذي أثار شغفه بالموضوع والكاتب.
ويؤكد أن هذا الشغف كان الدافع الأساسي لقبول كتابة التقديم، إذ وجد في حكايات الكتاب الجديد نافذة للتأمل في تدفقات الحياة والانغماس في صخبها. وقد منحته القراءة الأولى شعورًا بالدهشة والسعادة. معتبرًا الكتاب ضالته المنشودة، لما يحمله من تأملات أدبية صادقة وهادئة حول ملاذات الإنسان ومساحاته الصغيرة التي يسعى فيها لإعادة النظام وسط فوضى الحياة الحديثة وتقلباتها.
يرى أيوب أن الكتابة، وإن كانت أحيانًا شكلًا من أشكال العلاج، فإنها في جوهرها طاقة للحياة لا يتجلى وهجها إلا بالغوص في أسرارها. كما يؤكد أن جوهر السرد وتميّز العمل الأدبي ينبعان من روح الكاتب ذاته، إذ تبقى لغته ومشاعره وخبراته حاضرة في النص، حتى عند ابتكار شخصيات وأحداث بعيدة عن تجربته، مانحةً أبطاله شيئًا من أفكاره وذكرياته وأحلامه وآلامه.
يؤكد النص أن براعة الكاتب تكمن في قدرته على التخفّي داخل نصوصه بسلاسة، بحيث تصبح الكتابة فعلًا طقسيًا يتجاوز الممارسة اليومية إلى فضاء يُعاد فيه تشكيل الوجود تحت عين نقدية واعية. كما يوضح أن السارد ليس مؤرخًا، بل مستكشفًا للوجود، يقدّم الأسئلة على الأجوبة بوصفها جوهر التجربة الإبداعية.
ويبيّن النص أن عبيدات، بعقله الجريء والنقدي، تجاوز حدود الذات والواقع لاستكشاف تمظهراته وفهمها بوعي لا استسلام، معيدًا تشكيل رؤاه والبناء عليها. وفي سعي معرفي صبور، واجه وقائع مفتوحة لم يهرب من تبعاتها، بل اقترب منها بأسئلة متأنية، فككها وأنصت إليها، ليأتي هذا الكتاب ثمرةً لذلك العبور الفكري والمعرفي.
ويشير ابوب إلى أن هذه القصص تجمع بين الإمتاع والفائدة، استكمالًا للمشروع الإبداعي العضوي للكاتب هاني عبيدات، الهادف إلى الإسهام في كتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي لبيئاته المتعددة وتحولاتها، من حوران مسقط رأسه، إلى الأردن وغيرها من الأمكنة التي عاش فيها مراحل متفاوتة من عمره.
ويمثّل خطوة واثقة ثانية تعزّز حضوره في فضاءات الإبداع السردي، امتدادًا لخطوته الأولى "ترانيم حوراني"، التي أطلّ بها عام 2025 على مشهد الأدب الجاد والملتزم.
ويوضح أن هذه المجموعة القصصية هي عملٌ هجين، يجمع باقتصادٍ وتركيز بين الفضاء اللغوي بتجلّياته من سرد ووصف وحوار، وبين مستويات الحدث والزمن والمكان والفضاء الدلالي، عبر أسلوب سردي متنوّع يتأرجح بين فنون المقالة القصيرة، والخواطر الفكرية التأملية، واليوميات. كاشفًا خلفيات حياة أبطاله وتقاطعاتها مع مصائر الآخرين في مدارج الحياة ومعارجها، في نصوص غنية بالحكايات والتجارب والملاحظات، دون أن تُثقل القارئ أو تُصيبه بالتخمة.
يقول أيوب إن هذه المجموعة تسعى إلى الارتقاء بالوعي القرائي، لذلك لا يُمكن التهامه على عجل كوجبات سريعة، بل يدعو القارئ، بعد كل محطة قرائية، إلى التوقّف والإنصات بانتباه لأصواتٍ طالما جرى تجاهلها، والتبصّر في دلالاتها.
ويضيف أيوب أن هذه النصوص أبعد ما تكون عن تسجيلٍ واقعي محايد، فهي فضاءات مشبعة بأسئلة وجودية صاغها في أقاصيص وخواطر، متّصلة اتصالًا وثيقًا بشخصية كاتبها، وظروف حياته، ورؤيته للوجود والعالم، وخلفيته الثقافية والنفسية، وتاريخه الشخصي.
يرى أيوب أن عبيدات منحاز في هذه النصوص إلى عمق تجربته وتفاصيلها، عبر أماكن وبيئات اجتماعية وحضارية متعددة، قضى في كل منها جزءًا من عمره. ومن خلال حواراته مع ذاكرته البانورامية واستكشافه لمناطق الظل في حياتنا، يقدّم مشاهد تجمع بين المتعة الأدبية والمعرفة، بما يخدم الحياة ويليق بها. وتسعى هذه النصوص المركزة إلى كشف طريقة جديدة لفهم الحياة وفن العيش بها.
يؤكد أن هذه النصوص تمثل محاولة سردية عذبة ورشيقة، مفتوحة على تأويلات متعددة، لا سيما تلك المرتبطة بالهوية وسيرة الوطن وإنسانه وتحولاتهما عبر الزمكان ومحدداته. فهي، بعيدًا عن أي تسجيل واقعي محايد، فضاءات مشبعة بالأسئلة الوجودية.
يشير أيوب إلى العنوان الرمزي المكثف على غلاف الكتاب، كعتبة أولى لدخول النص، موضحًا أن الكاتب أراد به تلميحًا وتصريحًا في الوقت نفسه، ليضع قارئه أمام مفارقة سردية لافتة تختبر ذاكرته أثناء تتابع تراتيله. فالحكايات المسكوت عنها في هذه التراتيل تعكس غيرها من الحكايات، فهي مدينة أبيلا التاريخية والرومانية لقويلبة/حرثا، كما تقابلها أرابيلا لعروس شمال الأردن، مدينة إربد، ويعني اسمها "الأرض الخصبة".
ويرى أيوب ان أبيلا تمثل واحدة من أهم منعرجات حياة عبيدات، إذ ركض عبر تضاريسها وحواجزها، محمّلًا صدى تراتيلها وترانيمها في وعيه، حاملاً إياها معه عبر الأزمنة والأمكنة التي ارتادها في حياته.
أما أرابيلا، فهي عروس شمال الأردن، فستغور خبايا روح الكاتب، وتقتحم عينيه اللتين تستشعران جزئيات حوران وبلاد الشام مهما صغرت، كاشفةً أن اللغة لدى الكاتب أداة لبلورة ما يُخامر ذهنه. فهي ليست غاية بحد ذاتها لتصبح مشغولًا بتضاريسها، فتقع النصوص ضحية الإسراف اللغوي.
وينوه إلى أن اللغة ظلت في هذه النصوص سلسة، تعتمد الإيحاء، وتترك فراغات مقصودة ليملأها القارئ بتأويله، مقتصدة في الوصف الذي يضفي حسًا بصريًا، ومتدفقة في السرد، مكثفة، دون الانحدار إلى التقريرية المباشرة أو الخطابية أو المبالغة، محافظة على المتعة الأدبية.
وخلص أيوب إلى أن هذه النصوص تتيح للقارئ أن يكون شريكا في كتابته، ملء الفراغات بين الجمل والأفكار، فتتحول التراتيل والترانيم إلى حوار داخلي يتيح لكل قارئ اكتشاف معنى خاص وفق تجربته الشخصية.