خطاب ترامب المتناقض.. نصر معجل أم مؤجل؟
الغد-محمد الكيالي
تتباين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب مع إيران بشكل لافت، ما يعكس حالة من عدم الاتساق في الخطاب السياسي والعسكري.
وفي حين يؤكد ترامب في بعض المناسبات أن واشنطن أنجزت أهدافها، وأن الوقت حان لوقف العمليات، يعود ليصرح بأن الولايات المتحدة ما زالت ماضية في تدمير المزيد من القدرات الإيرانية.
ويضع هذا التناقض المتابع أمام مشهد ضبابي، حيث تتراوح رسائل ترامب بين إعلان النصر المبكر والتلويح باستمرار التصعيد العسكري، وبين فتح الباب أمام المفاوضات أو التلويح بتغيير النظام.
ومن هنا، أكد محللون أن هذا التباين يعكس غياب رؤية إستراتيجية مستقرة لدى الإدارة الأميركية، ويثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية التي تسعى واشنطن لتحقيقها، وما إذا كانت الحرب ماضية نحو حسم سريع أم أنها ستظل مفتوحة على احتمالات متعددة.
إستراتيجية تتجاوز السلاح إلى الاقتصاد
وفي هذا الصدد، قال الباحث والمحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعكس في جوهرها ما تتبناه القيادة الوسطى الأميركية، إذ يكرر الحديث عن تدمير قدرات إيران العسكرية من سلاح البحرية والجوية والدفاعات الجوية.
ولفت السبايلة إلى أن الواقع مختلف، حيث يكشف عن إستراتيجية أوسع تقوم على إضعاف البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، بالتوازي مع ضربات تستهدف الاقتصاد، بدءا من الصناعات الثقيلة وصولا إلى قطاع الكيماويات والبتروكيماويات.
وأوضح أن هذه العمليات تسير بخطوات متسارعة لخلق واقع داخلي صعب في إيران، يتزامن مع ضغوط سياسية مرتبطة بملف التفاوض.
وأضاف: "رغم إعلان ترامب تحقيق الأهداف، فإنه أبقى لنفسه هامشا زمنيا يمتد لأسابيع لمواصلة القصف، الذي بات أكثر عمقا وضراوة، مع التركيز على محطات الطاقة، في محاولة لتركيع النظام الإيراني دون إسقاطه، ونقل الأزمة إلى الداخل".
وأشار إلى أن الحرب حققت نجاحات تكتيكية، إذ تراجعت قدرة إيران على إطلاق الصواريخ من أكثر من مائة في اليوم الأول إلى عدد محدود لاحقا، لكنها لم تحقق نصرا إستراتيجيا حاسما حتى الآن.
وأضاف: "الصواريخ الإيرانية، لم تحقق أهدافا عسكرية بل اقتصرت على تهديد المدنيين ومصادر الطاقة في الخليج وإسرائيل، في إطار رفع تكلفة الحرب لا أكثر".
وزاد أن ترامب يخوض معركة موازية في ملف النفط، حيث يسعى إلى طمأنة الأسواق عبر الترويج للنفط الأميركي كبديل، مستفيدا من الطلب المتزايد من دول مثل كوريا الجنوبية.
واعتبر السبايلة أن واشنطن تمارس نوعا من "الابتزاز غير المباشر" عبر سوق الطاقة، إذ رغم تأثرها داخليا، فإن وفرة الإنتاج الأميركي تمنحها مساحة للاستمرار.
وأكد أن الإستراتيجية الأميركية تقوم على تحقيق أهداف محددة مع تجنب إسقاط النظام الإيراني، لأن الفوضى في إيران ليست خيارا مطروحا حتى لدى خصومها في الخليج، الذين لا يرغبون في تكرار نماذج مثل الصومال أو أفغانستان.
وقال إن التركيز يبقى على الضغط السياسي والاقتصادي، مع عمليات نوعية قد تتضح ملامحها خلال الأسابيع المقبلة.
ويرى السبايلة أن الضربة الأولى هدفت إلى إحداث تغيير داخلي لكن غياب القيادة المركزية بعد استهداف شخصيات بارزة أدى إلى انتقال القرار إلى جيل جديد داخل الحرس الثوري، يتمتع بقدر من اللامركزية ويصعب السيطرة عليه، ما يعقد المشهد ويطيل أمد الأزمة.
خطاب غير مستقر يثير التساؤلات
بدوره، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتسم بكثرة وتنوع، لكنها في كثير من الأحيان تكشف عن حالة من التردد وعدم وضوح الرؤية.
وأكد شنيكات أن بعض هذه التصريحات موجهة إلى الأسواق العالمية، خصوصا في ما يتعلق بأسعار الطاقة، في محاولة لطمأنة الدول الكبرى ومنع انفلات الأسعار بينما تحمل تصريحات أخرى رسائل للداخل الأميركي تؤكد أن الأمور تسير وفق المخطط.
وأضاف، إن ترامب يوجه أيضا رسائل مباشرة إلى إيران، تتراوح بين التهديد والردع من جهة، والإشارة إلى إمكانية فتح باب المفاوضات من جهة أخرى.
وتابع: "هذا التعدد في الخطاب يعكس غياب الاستقرار في الموقف الأميركي، إذ قد يخيل للبعض عند سماع تصريحاته أن الحرب ستنتهي خلال ساعات، بينما يذهب في تصريحات أخرى إلى التأكيد أن الطريق ما زال طويلا، وأن الولايات المتحدة ستواصل التصعيد العسكري".
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي يبدل أولوياته بين التركيز على البرنامج النووي الإيراني، أو الصواريخ الباليستية أو سلوك النظام بل وحتى فكرة تغييره، ما يعكس حالة من التردد وعدم وضوح الرؤية الإستراتيجية.
وفي المحصلة، يرى شنيكات أن هذا التناقض في الخطاب يعكس غياب تصور واضح لدى ترامب حول ما يريد تحقيقه فعليا من هذه المواجهة.
مغامرة برية تطيل أمد النزاع
بدوره، قال الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب إن الإدارة الأميركية تبدو بلا خطة واضحة لإنهاء الحرب مع إيران أو التوصل إلى تسوية جوهرية توقف النزاع القائم.
واعتبر حرب أن الرئيس الأميركي قد يلجأ قبل مرور 60 يوما على اندلاع المواجهة، إلى إعلان وقف إطلاق نار من طرف واحد مع استمرار بعض الطلعات الجوية أو بقاء الاشتباكات بين دولة الاحتلال وإيران قائمة، في ظل رفض طهران تكرار سيناريو حزيران (يونيو) 2025 الذي شهد عمليات اغتيال وهجمات داخلية.
وأشار إلى أن هذا الواقع لا يوحي بقرب نهاية الحرب، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا، منها احتمال إقدام واشنطن على مغامرة برية أو محاولة السيطرة على جزر إيرانية مطلة على مضيق هرمز وربما التقدم نحو أراض إستراتيجية مثل ميناء بندر عباس أو جزيرة خرج، بهدف الضغط على النظام الإيراني.
وشدد حرب على أن مثل هذه الخطوات قد لا تمثل نهاية الطريق بل بداية لحرب طويلة ترتبط بمقاومة الاحتلال الأميركي، بما ينذر بفتح جبهات واسعة خلال السنوات المقبلة على غرار ما حدث في أفغانستان والعراق.