الغد-محمد الكيالي
هل يمكن أن تتخلى إيران عن اليورانيوم لصالح اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية؟ وهل تجسر هذه العقدة جسور التفاهمات؟. يبدو هذا السؤال بالغ التعقيد، بخاصة في ظل الفجوة الواسعة بين الطرفين، فالمطالب الأميركية تتجاوز الملف النووي لتشمل رفع سيطرة الإيرانيين عن مضيق هرمز، والتعويضات التي يطالبون بهم جراء الحرب، وكذلك إصرارهم للحصول على ضمانات دولية بعدم تكرار أميركا الحرب.
وترى طهران، أن اليورانيوم قضية سيادية "مقدسة"، يصعب التنازل عنها بعد عقود من العمل والتضحيات، لكنها قد تطرح حلولا بديلة، كتجميد التخصيب أو نقله إلى دولة محايدة.
وفي هذا السياق، قد تدفع الضغوط الاقتصادية الهائلة، وإغلاق الموانئ وتراجع العائدات النفطية، إيران إلى تقديم تنازلات غير مسبوقة، ربما عبر صيغ سرية مع واشنطن، أو في إطار خطاب علني يروج لانتصارها، مع الاحتفاظ بجوهر برنامجها النووي.
وفي ظل تهديدات ترامب بالتصعيد العسكري وضرب البنية التحتية الإيرانية، تبدو الخيارات محدودة: إما تنازل نووي يفتح الباب أمام صفقة، أو مواجهة جديدة، تعيد المنطقة إلى دائرة الفوضى والتضخم العالمي.
فجوة واسعة بين واشنطن وطهران
من هنا، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات إن "هناك فجوة كبيرة بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالمطالب المطروحة خلال المفاوضات"، مشيرا إلى أنها تجعل الوصول لاتفاق شامل أمرا بالغ الصعوبة. موضحا بأن مطالبة واشنطن لإيران بالتخلي عن اليورانيوم بشكل كامل بعد عقود من العمل والتضحيات، ليس سهلا، بل يضع النظام السياسي الإيراني في أتون تحديات داخلية كبيرة أمام شعبه.
وأضاف شنيكات أن إيران قد تقدم حلولا بديلة كتجميد التخصيب أو إعادة تدويره، أو نقله إلى دولة محايدة، لكن تسليم البرنامج النووي بالكامل، يظل خيارا معقدا وصعب التسويق داخليا. مشيرا إلى أن الصفقة المحتملة لا تتعلق فقط بالملف النووي، بل تشمل ملفات أخرى كالترتيبات الخاصة بمضيق هرمز والتعويضات عن الحرب وعلاقة إيران بوكلائها المحليين، وتوجهاتها في السياسة الخارجية تجاه الكيان الصهيوني تحديدا.
واعتبر شنيكات أن هذه القضايا مجتمعة، تزيد من تعقيد المفاوضات، لافتا إلى أن المطالب الأميركية تتضمن أيضا ضمانات دولية بعدم تكرار الحرب، وهو ما يضيف أبعادا جديدة للمفاوضات. مؤكدا أن هذه الملفات تجعل الفجوة بين الطرفين واسعة، لكن إذا ركزت الولايات المتحدة مطالبها على الملف النووي فقط، فقد يكون هناك مجال لتحقيق تقدم، مشددا على أن الموقف الأميركي ما يزال غير واضح، برغم أن ترامب يصر على أن الأولوية بالنسبة له هي الملف النووي.
إيران قد تضطر لتنازلات سرية
الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد قال إن "احتمالات التوصل لصفقة بين الولايات المتحدة وإيران تبقى قائمة، لكنها لا تلغي في الوقت ذاته سيناريو التصعيد واستئناف الحرب، بخاصة في ظل تهديدات الرئيس الأميركي الذي يعتمد سياسة "العصا والجزرة". معتبرا بأن ملف اليورانيوم يمثل القضية الأكثر تعقيدا في المفاوضات، إذ يطالب الأميركيون بمصادرة نحو 450 كلغم من اليورانيوم المخصص، بالإضافة لـ935 كلغم مخصصا بنسبة 20 %.
وأكد الرداد، أن الإيرانيين يعتبرون اليورانيوم قضية "مقدسة" بالنسبة لهم، ويرفضون التنازل عنه، مشددين على أنهم لا يسعون لإنتاج قنابل أو أسلحة نووية. مبينا بأن هناك عدة خيارات مطروحة للتعامل مع هذه الكميات، منها نقلها إلى روسيا أو إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو تخفيض نسبة التخصيب عبر إضافة مواد أخرى واستخدامها في مفاعل بوشهر.
وشدد الرداد على أن ترامب يسعى إلى إنجاز أكبر مما حققه الاتفاق النووي لعام 2015 الذي وقع في عهد الرئيس باراك أوباما، وهو ما يجعل المفاوضات أكثر تعقيدا. مضيفا أن إيران قد تقدم تنازلات وفق صيغتين: الأولى سرية يتفق عليها مع الولايات المتحدة بعيدا عن الإعلام، والثانية علنية تؤكد فيها عبر خطابات رسمية أنها حققت "انتصارا" واحتفظت ببرنامجها النووي.
وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تواجهها إيران، خصوصا بعد إغلاق بعض موانئها على الخليج العربي والخسائر الكبيرة التي تكبدها اقتصادها قد تدفعها إلى تقديم تنازلات غير مسبوقة في ملف اليورانيوم، حتى وإن كان ذلك على مضض.
التنازل النووي أو التصعيد
المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د. منذر الحوارات، قال إن واشنطن تنظر لإيران من زاوية نموذج فنزويلا، فيما ترى طهران نفسها أقرب إلى نموذج كوريا الشمالية، أي أنها تريد الصمود بينما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض استسلام عليها.
ولفت الحوارات إلى أن مضيق هرمز يبقى مغلقا من الطرفين، بحيث تعتبر إيران أن فرضها حصارا على المضيق حق سيادي، وتراه وسيلة مشروعة للحصول على عوائد مالية مقابل مرور السلع والنفط، بينما تفرض واشنطن حصارا مقابلا يمنع دخول وخروج السلع الإيرانية ويصفر إيراداتها.
وأكد أن أي تفاوض جديد يجب أن يبدأ بخطوات متبادلة لبناء الثقة مثل فتح المضيق على نحو كامل والإعلان عن مواقع الألغام البحرية، إلى جانب تمديد الهدنة لإتاحة الفرصة أمام الوفود لمناقشة القضايا الخلافية.
وأشار الحوارات، إلى أن الملف النووي يبقى محوريا في المفاوضات، إذ تصر الولايات المتحدة على مصادرة ما وصفه ترامب بـ"الغبار النووي" أي اليورانيوم المخصص، وتريد نقله إلى أراضيها، بينما يمكن أن يُنقل إلى دول أخرى مثل روسيا أو تركيا أو باكستان. مبينا أن النقاش سيشمل أيضا عدة سنوات يُسمح لإيران خلالها بالتخصيب، وهو موضوع تقني يحتاج إلى وقت طويل.
وشدد الحوارات على أن تهديدات ترامب بضرب البنية التحتية في إيران، بما يشمل الكهرباء والمياه والطرق، قد تدفع الأزمة إلى منزلق جديد، خاصة أن أي حادث بسيط أثناء الحصار قد يشعل مواجهة عسكرية واسعة.
ورأى أن إيران على الرغم من خطابها المتشدد قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات غير مسبوقة في ملف اليورانيوم، سواء عبر صيغة سرية مع واشنطن أو عبر خطاب علني يروج لانتصارها واحتفاظها بالبرنامج النووي وذلك تحت ضغط الخسائر الاقتصادية الهائلة الناجمة عن إغلاق الموانئ وتراجع عائدات النفط.