عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Apr-2026

بناء الطالب وتمكينه معرفيا ومهنيا.. كيف يترجم لممارسات تعليمية بالمدارس؟

 الغد-آلاء مظهر

 في وقت أكد فيه وزير التربية والتعليم د. عزمي محافظة أن بناء الإنسان وتمكينه معرفياً ومهنياً يمثلان أساس التحديث في المملكة، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية ترجمة التركيز على بناء الإنسان وتمكينه معرفياً ومهنياً في إطار ممارسات عملية داخل المدارس، تعزز المهارات والإبداع، وتضمن استدامة المبادرات والتجارب الابتكارية.
 
 
 وجاءت تصريحات محافظة خلال رعايته حفلاً في مؤسسة عبد الحميد شومان في ختام مكتبة درب المعرفة برنامج "مختبر المبتكرين الصغار"، وفيه أكد أن المستقبل الواعد للطلبة يقوم على الإبداع والمهارة والمعرفة.
 وفي هذا النطاق، يرى خبراء في التربية أن التحول نحو بناء الإنسان وتمكينه معرفياً ومهنياً، والانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعليم يرتكز على المهارات والإبداع، لم يعد خياراً تربوياً، بل ضرورة وطنية تفرضها تحولات الاقتصاد المعرفي وتسارع التطور التكنولوجي.
 وبينوا في أحاديثهم المنفصلة لـ"الغد" أن ترجمة هذا التحول تتطلب العمل على عدة مستويات، تبدأ من السياسات التعليمية، عبر الانتقال من مجرد تحسين الممارسات الصفية إلى تعديل قواعد التعليم نفسها، بإعادة النظر في أنظمة التقييم، وإعادة تصميم المناهج لتنتقل من محتوى معرفي قائم على الحفظ إلى مناهج ترتكز على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل التعاوني، والمهارات الرقمية، وربط التعليم بسوق العمل، عبر إدخال مسارات مهنية مرنة، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، ومنح المدارس استقلالية مدروسة لتجريب نماذج تعليمية مبتكرة ضمن أطر واضحة قابلة للتقييم.
 وأكدوا أن المعلم يشكل محور هذا التحول بوصفه صانعاً لبيئات تعلم محفزة، ما يستدعي تأهيله وتدريبه على استراتيجيات التعلم النشط، وبناء بيئة مدرسية متكاملة تعزز الإبداع والتجريب، وتحول الابتكار إلى ممارسة يومية.
وأوضحوا أن استدامة هذا التحول تتطلب إنشاء وحدات متخصصة بالابتكار التعليمي في الوزارة ترصد الممارسات الناجحة وتعممها، وتطور التشريعات التي تتيح للمدارس مساحة أوسع لتجريب نماذج تعليمية مبتكرة، فالتحول الحقيقي يحدث في الصف، عبر الانتقال من أسلوب المحاضرة التقليدي إلى التعلم النشط القائم على الاستقصاء والنقاش والتجريب، وتبني التعلم القائم على المشاريع.
إنتاج معرفة جديدة
الخبير فيصل تايه، أكد أن التحول نحو بناء الإنسان وتمكينه معرفيًا ومهنيًا، والانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعليم يرتكز على المهارات والإبداع، لم يعد خيارًا تربويا، بل ضرورة وطنية تفرضها تحولات الاقتصاد المعرفي، وتسارع التطور التكنولوجي، فالتعليم لم يعد يُقاس بكمية المعرفة عند  الطالب، بل بقدرته على توظيفها في مواقف حياتية معقدة، وإنتاج معرفة جديدة، والتكيف مع متطلبات سوق عمل متغير.
وأوضح تايه بأن ترجمة هذا التحول على مستوى السياسات التعليمية، تتطلب انتقالًا من منطق "إدارة التعليم" إلى "قيادة التعلم"، بإعادة بناء المناهج، لتصبح قائمة على الكفايات، ومتمحورة حول مهارات القرن الحالي، بحيث تتحول من محتوى معرفي جامد إلى خبرات تعلم ديناميكية، ترتكز على حل المشكلات والتعلم القائم على المشاريع والتطبيق العملي للمعرفة.
وأشار إلى أن أنظمة التقييم بحاجة لإعادة صياغة لقياس عمق الفهم والقدرة على التحليل والإنتاج، وليس لمجرد الحفظ والاسترجاع، وذلك بتوسيع التقييمات الأدائية والمهام الواقعية والمشاريع التطبيقية.
وعلى مستوى الممارسات الصفية، بين تايه أن التحول الحقيقي يبدأ من المعلم الذي لم يعد ناقلًا للمعرفة، بل صانعًا لبيئات تعلم محفزة وقائدًا لعمليات التفكير وميسرًا لبناء المعرفة، وهو ما يتطلب الاستثمار في برامج تأهيل نوعية، تعزز توظيف إستراتيجيات التعلم النشط والتعلم القائم على الاستقصاء والتفكير التصميمي، بما يضع الطالب في مركز العملية التعليمية.
وقال، يجب أن تتحول البيئة المدرسية إلى منظومة تعلم متكاملة، توفر مساحات إبداع وتجريب، وتدمج بين التعلم الصفي والأنشطة اللامنهجية، بحيث يصبح الابتكار ممارسة يومية لا نشاطًا استثنائيًا، مشيرًا لأهمية النماذج الريادية التي تقدم تطبيقات عملية لهذه الفلسفة، كبرامج مؤسسة عبد الحميد شومان، التي نجحت بتحويل التعلم إلى تجربة تفاعلية قائمة على الاكتشاف وبناء الحلول، بما يؤكد أن الاستثمار في الابتكار التربوي، مدخل أساسي لتحسين جودة التعلم.
وأكد أن التحدي الأبرز لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في مأسستها وضمان استدامتها، بحيث تنتقل من تجارب محدودة إلى سياسات تعليمية عامة، ما يتطلب بناء منظومة حوكمة تربوية قائمة على البيانات، تربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتعزز الشراكة مع القطاعين العام والخاص، وتدعم التوسع في التعليم المهني والتقني كمسار استراتيجي موازٍ للتعليم الأكاديمي. ولفت تايه إلى أن نجاح هذا التحول يرتبط أيضاً بتبني ثقافة التقييم المستمر، وقياس الأثر الحقيقي للبرامج التعليمية على تعلم الطلبة، وتعديل السياسات بناءً على نتائج واقعية، بما يضمن الانتقال من "ثقافة المبادرات" إلى "ثقافة النتائج".
 وأضاف أن بناء الإنسان لا يتحقق بتطوير المناهج فقط أو بإدخال التكنولوجيا، بل عبر تكامل السياسات والممارسات، بحيث يصبح الطالب محور العملية التعليمية، ويغدو التعليم أداة لتمكينه من التفكير والإبداع والإنتاج، بما يحقق الانتقال من تعليم يُخرّج حافظين للمعلومة، إلى تعليم يُخرّج صُنّاعاً للمعرفة، قادرين على المنافسة في عالم تحكمه الكفاءة والابتكار.
منظومة قابلة للتطبيق
الخبير محمد أبو عمارة أكد أن التساؤل حول كيفية ترجمة بناء الإنسان وتمكينه معرفياً ومهنياً إلى واقع في المدرسة يُعد سؤالاً عميقاً؛ كونه لا يكتفي بالشعارات، بل يبحث في آليات التنفيذ الفعلي، مشدداً على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الرؤى بقدر ما يتمثل في تحويلها إلى منظومة متكاملة مترابطة وقابلة للتطبيق، مدعومة بخطط تنفيذ واضحة.
 وأوضح أن تحقيق هذا التحول يتطلب العمل على عدة مستويات تبدأ على مستوى السياسات التعليمية، من خلال الانتقال من مجرد تحسين الممارسات الصفية إلى تعديل قواعد التعليم نفسها، عبر إعادة النظر في أنظمة التقييم، وتقليل الاعتماد على الامتحانات النهائية لصالح التقييم المستمر القائم على المشاريع وملفات الإنجاز والعمل الجماعي، بما يمكن من قياس قدرة الطلبة على توظيف المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات عملية.
 وقال أبو عمارة إن ذلك يستدعي أيضاً إعادة تصميم المناهج لتتحول من محتوى معرفي مكثف قائم على الحفظ إلى مناهج ترتكز على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل التعاوني، والمهارات الرقمية، وربط التعليم بسوق العمل عبر إدخال مسارات مهنية مرنة، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، ومنح المدارس استقلالية مدروسة لتجريب نماذج تعليمية مبتكرة ضمن أطر واضحة قابلة للتقييم.
 وبشأن الممارسات المدرسية، بيّن أبو عمارة أن التحول الحقيقي يحدث في الصف عبر الانتقال من أسلوب المحاضرة التقليدي إلى التعلم النشط القائم على الاستقصاء والنقاش والتجريب، وتبني التعلم القائم على المشاريع، مؤكداً أهمية توظيف التكنولوجيا لتفريد التعليم ومراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، بما يعزز دافعيتهم وتفاعلهم مع العملية التعليمية. وأشار إلى ضرورة إحداث تحول في البيئة المدرسية نحو ثقافة داعمة للتجريب وتقبل الخطأ بوصفه جزءاً من عملية التعلم بدلاً من معاقبته، مع التركيز على تقويم الأداء خلال مراحل الإنجاز، وبناء مجتمعات تعلم مهنية للمعلمين، وتخصيص أوقات للابتكار والعصف الذهني، وتعزيز ارتباط المدارس بالمجتمع المحلي والقطاعات الإنتاجية، لتوفير خبرات واقعية للطلبة تساعدهم في تحديد مساراتهم المستقبلية.
وشدد أبو عمارة على أن دمج التكنولوجيا يجب أن يكون هادفاً وموجهاً لخدمة التعلم، لا مجرد استخدام شكلي، مؤكداً أن تمكين المعلم حجر أساس لأي تحول، عبر تطوير أدواره، وتوفير تدريب عملي مستمر، وتخفيف الأعباء الإدارية عنه، وتقديم حوافز للممارسات التعليمية المبتكرة، لافتاً إلى أن ضمان استدامة هذه التحولات هو التحدي الأكبر، ما يتطلب تبني خطط تعليمية طويلة الأمد، وتوثيق تجارب ناجحة، وتحويلها لنماذج قابلة للتعميم، وربط الابتكار بأنظمة التقييم الرسمية، وبناء منظومة متابعة وتغذية راجعة قائمة على البيانات، مع التدرج في تطبيق المبادرات.
التعلم والتحول الرقمي
أكّد الخبير التربوي عايش النوايسة أن هذا النوع من التعليم ليس طرحاً جديداً، بل هو مسار بدأته المملكة منذ سنوات، مستذكراً إطلاق جلالة الملك عبدالله الثاني مبادرات تطوير التعليم، وعلى رأسها مشروع "التعليم نحو اقتصاد المعرفة" الذي شكّل محطة مفصلية في هذا الاتجاه، مبيّناً أن الأردن قطع شوطاً مهماً في هذا المسار، وحقّق منجزات واضحة، لكن استكمال التحول يتطلب تسريع وتيرة العمل في ظل التغيرات المتسارعة في العالم، بخاصة في مجالات التعلم والتحول الرقمي.
 وأوضح النوايسة أن التحول الحقيقي يستدعي إعادة النظر في عناصر العملية التعليمية كافة، بدءاً من المناهج التي ما تزال تعتمد على المحتوى والكتاب المدرسي، مؤكداً ضرورة الانتقال إلى مناهج قائمة على الكفايات، تركز على تنمية المهارات بدلاً من الحفظ والتلقين، ومضيفاً أن من أبرز أدوات هذا التحول تبني التعلم القائم على المشاريع، الذي يُعد من الممارسات المتقدمة في النظم التعليمية الحديثة، لما يتيحه للطلبة من تعلّم عبر معالجة مشكلات واقعية؛ لتعزيز الإبداع والابتكار والعمل التعاوني وتنمية مهارات التفكير لديهم.
 وشدّد النوايسة على أهمية التوسع بدمج مهارات المستقبل في المنهاج، كالبرمجة والتفكير التصميمي والذكاء العاطفي، واعتماد نهج تكاملي يربط بين مختلف مجالات المعرفة، مشيراً إلى ضرورة منح الطلبة مرونة أكبر في اختيار مساراتهم التعليمية بما يتناسب مع ميولهم وقدراتهم، ولفت إلى أن التوسع في التعليم المهني يتطلب توفير بيئات تعليمية مناسبة من مختبرات وتجهيزات داعمة.
وأكد أن المعلم حجر أساس في أي عملية تطوير، ما يستدعي الاستثمار في تأهيله وتمكينه، وتحويل دوره من ملقن إلى ميسر وموجه للتعلم، وتعزيز برامج التنمية المهنية المستمرة، وربطها بإستراتيجيات التعلم النشط والتكنولوجيا التعليمية، مع توفير الدعم والتمويل اللازمين لذلك، مشدداً على أهمية بناء مجتمعات تعلم مهنية في المدارس، بتخصيص وقت ضمن الدوام المدرسي لتبادل الخبرات بين المعلمين، ومنحهم قدراً أكبر من الاستقلالية في اختيار أساليب التدريس والتقييم بعيداً عن القوالب الجامدة.
 وبشأن التقييم، دعا النوايسة إلى التحول من الاختبارات التقليدية إلى التقييم الواقعي، الذي يقيس أداء الطلبة في مواقف تعلم حقيقية، عبر ملفات الإنجاز والمشاريع، والتركيز على التقييم التكويني القائم على التغذية الراجعة المستمرة، وقياس المهارات الناعمة كالقيادة والتواصل وحل المشكلات، مشيراً إلى أهمية تطوير البيئة المدرسية لتصبح بيئة محفزة على الابتكار، عبر إنشاء مساحات تعلم مفتوحة ومختبرات حديثة، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية في العملية التعليمية.
 كما دعا إلى تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص بما يسهم في توفير فرص تدريب عملي للطلبة، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، مؤكداً أن استدامة هذا التحول تتطلب إنشاء وحدات متخصصة بالابتكار التعليمي في الوزارة، تُعنى برصد الممارسات الناجحة وتعميمها، وتطوير تشريعات تتيح للمدارس مساحة أوسع لتجريب نماذج تعليمية مبتكرة.
وشدد على أهمية توظيف البيانات الضخمة بمتابعة أداء النظام التعليمي، وتحديد نقاط القوة والفجوات، بما يدعم التخطيط التربوي المستقبلي، مؤكداً أن الانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعليم قائم على الإبداع ليس قراراً إدارياً فحسب، بل عملية متكاملة تتطلب بناء بيئة تعليمية داعمة، وتطوير السياسات، وتمكين المعلم، بما يواكب متطلبات المرحلة ويعزز جاهزية الطلبة للمستقبل.