عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Mar-2026

كيف جاءت حرب أميركا على إيران بنتائج عكسية

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نيت سوانسون* - (فورين أفيرز) 17/3/2026
الرهان الطويل على تغيّر النظام الإيراني من الداخل أو بزوال قيادته لم يتحقق. ثم جاءت الحرب التي يقودها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتُنهي حكم علي خامنئي. لكنها في المقابل حرب أدخلت المنطقة في صراع مفتوح بلا أفق واضح، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية. والآن تبدو جميع الخيارات المطروحة مكلفة وخطرة على مختلف الأطراف.
 
 
قبل سبعة عشر عامًا، بينما كنت أعمل موظفًا معنيًا بملف إيران في وزارة الخارجية الأميركية، سألتُ زميلًا أكثر خبرة عن أحدث تصريح استفزازي أدلى به محمود أحمدي نجاد، الذي كان آنذاك رئيسًا لإيران. وأجابني زميلي: "توقّف عن الانتباه إلى أحمدي نجاد. ركّز فقط على المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. إنه هو الذي يتخذ القرارات المهمة". وأضاف: "ولكن لا تقلق. التغيير قادم. إن خامنئي" -الذي كان آنذاك في التاسعة والستين من عمره وكان يُعتقد على نطاق واسع أنه مصاب بالسرطان- "قد يموت في أي لحظة".
ولم يمت خامنئي. لم يمت إلا قبل أسبوعين، حين فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما لم تفعله الطبيعة، وأنهيا قيادة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية التي استمرت 36 عامًا. وقد ترك خامنئي إرثًا مشحونًا؛ منذ توليه السلطة في العام 1989، فقد الريال الإيراني تقريبًا كل قيمته أمام الدولار. وعلى الرغم من غنى إيران بالموارد الطبيعية، فإنها تعاني باستمرار من نقص في الكهرباء والمياه. وخلال العام الماضي، ارتفعت أسعار الغذاء بأكثر من 70 في المائة.
تعود متاعب إيران الاقتصادية في جزء كبير منها إلى سياسة خارجية صُممت لمواجهة المصالح الأميركية. وعندما واجه خامنئي استياءً شعبيًا، قاوم الإصلاحات باستمرار ولجأ إلى العنف لقمع شعبه -بشكل خاص في كانون الثاني (يناير)، حين قتل نظامه آلافًا من مواطنيه. لكنه، في الوقت نفسه، كان قد أعدّ إيران لهذه اللحظة بوضوح. عندما واجه تهديدًا وجوديًا حقيقيًا، أطلقت إيران ردًا أكثر تدبيرًا ولامركزية وفعالية مما توقعه كثيرون، حيث لم تستهدف الأراضي الإسرائيلية والمنشآت الدبلوماسية والعسكرية الأميركية فحسب، بل استهدفت أيضًا أهدافًا مدنية في أنحاء الخليج العربي، بما في ذلك المطارات والفنادق والبنية التحتية للطاقة.
يرجّح أن ترامب يريد إعلان النصر قريبًا. وقد تضررت القدرات العسكرية الإيرانية بشدة. وقد تكون إسرائيل في طريقها إلى نفاد صواريخ الاعتراض، كما أن الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية سيتطلب إعادة فتح مضيق هرمز الذي أعلنت إيران إغلاقه أمام أعدائها. لكن ترامب لا يمكنه فرض الاستسلام على حكومة ترفضه. وحتى بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بالجيش الإيراني، ما يزال النظام الذي أرساه خامنئي يمتلك حوافز قوية لمواصلة الصراع، كما يحتفظ بمجموعة متنوعة من الأدوات التي تمكّنه من خوض حرب استنزاف.
وهكذا، تتجه الحرب بسرعة نحو نقطة تحوّل تصبح فيها جميع الخيارات المحتملة سيئة. لكي توافق طهران على وقف إطلاق النار، فإنها ستطالب على الأرجح بضمانات بأن الولايات المتحدة ستقيّد الضربات الإسرائيلية المستقبلية على إيران. صحيح أن ترامب يحتفظ بنفوذ كبير على نتنياهو بسبب اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأميركية، لكن ذلك يظل مطلبًا ضخمًا. وقريبًا جدًا، سيواجه الرئيس الأميركي خيارًا بين المضي قدمًا في حرب غير شعبية، أو إنهائها من خلال انتزاع تنازل من إسرائيل يُمكن لإيران أن تقدّمه بوصفه انتصارًا.
عواقب غير مقصودة
على الرغم من البراعة التكتيكية للهجوم المشترك الذي شنّته مع إسرائيل، فإن النجاح الاستراتيجي يظل بعيد المنال بالنسبة للولايات المتحدة. فقد خاض دونالد ترامب الحرب ضد بلد يبلغ عدد سكانه 92 مليون نسمة من دون خطة واضحة لما سيحدث بعد أن تصمت البنادق. وكان قد أعلن في البداية أن النصر سيتحقق إذا نهض الشعب الإيراني بنفسه لتفكيك الجمهورية الإسلامية -وهو بحد ذاته مطلب استثنائي وغير واقعي. ولم يُفضِ القمع الوحشي الذي مارسه النظام في كانون الثاني (يناير) إلى أي انشقاقات ذات شأن داخل النظام أو الأجهزة الأمنية، كما أظهر قادة الحكومة مسبقًا استعدادهم لقتل أكبر عدد ممكن من أبناء شعبهم من أجل البقاء في السلطة.
في العام 2023، وأثناء عملي مديرًا لملف إيران في مجلس الأمن القومي، حضرت اجتماعًا دبلوماسيًا مع مسؤول إيراني في أعقاب احتجاج كبير. وعلى نحو مفاجئ، أقرّ ذلك المسؤول بوجود معارضة قوية للجمهورية الإسلامية. لكنه حذّر من أن الولايات المتحدة فشلت في فهم أن عددًا مماثلًا من الإيرانيين مستعدون للموت دفاعًا عن النظام، وأشار إلى أن معظم الإيرانيين يريدون فقط حياة يومية أفضل. وعلى الرغم من أنه لم يقدّم أرقامًا محددة، بدأتُ أفكر في الأمر على أنه معادلة 20-20-60: عشرون في المائة من الإيرانيين ملتزمون بإسقاط الجمهورية الإسلامية؛ وعشرون في المائة ملتزمون بالحفاظ عليها؛ والبقية يسعون إلى حياة أفضل.
افترضتُ طويلًا أنه بعد وفاة علي خامنئي، سينضم الإيرانيون الذين يتطلعون إلى حياة أفضل إلى أولئك الذين يعارضون الجمهورية الإسلامية بشدة، ويفرضون على قادة البلاد سلوك مسار مختلف عن ذلك الذي رسمه المرشد الأعلى. لكن المفارقة المريرة هي أن النهج الأميركي-الإسرائيلي في الحرب الأخيرة منح خامنئي موتًا أقرب إلى الاستشهاد -وهو هدية للنظام، حيث حوّل الانتباه بعيدًا عن إخفاقات الجمهورية الإسلامية. كما رفع من شأن ابنه المتشدد، ووجّه اهتمام جزء كبير من الأمة نحو النجاة من هجوم خارجي. وكل هذه النتائج لا تؤدي إلا إلى تهميش الأغلبية الصامتة من الإيرانيين الذين يريدون قدرًا من الرفاه فحسب.
في المرحلة المقبلة، لا تحتاج إيران إلى تحقيق نجاحات عسكرية كبرى كل يوم. وكل ما يحتاجه النظام هو إلحاق قدر كافٍ من الأضرار بشكل دوري لإبقاء الشركاء الإقليميين والأسواق والرأي العام الأميركي في حالة قلق. وعلى الرغم من الأضرار الكارثية التي لحقت بالبحرية الإيرانية وفروع أخرى من الجيش، فإن هجمات الطائرات المسيّرة المتقطعة على ناقلات النفط التي تحاول عبور مضيق هرمز قد تكون كافية لإبقاء حركة الملاحة متعثرة في ممر مسؤول عن خُمس إمدادات النفط العالمية.
بطبيعة الحال، تنطوي هذه الاستراتيجية على مخاطر كبيرة. ربما توحِّد دول الخليج ضد طهران وتستدعي مزيدًا من التصعيد. كما يتعين على إيران الاحتفاظ ببعض قدراتها الهجومية كاحتياط. وربما لهذا السبب لم تطلب مزيدًا من الدعم من الحوثيين في اليمن، ولم تنفّذ هجمات سيبرانية واسعة، ولم تلجأ إلى تنفيذ أعمال إرهابية ضد المصالح الأميركية خارج الشرق الأوسط. لكن خامنئي راهن، على ما يبدو، على أنه حتى لو مات، فإن نظامه قادر على تحمّل خسائر أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة أو دول الخليج تحمّله.
بين سكيللا وكاريبديس
على الرغم من أن المقارنة لا تتسم بالكمال، فإن تكتيكات إسرائيل الحالية وأهدافها تبدو شبيهة بتلك التي قامت عليها حملتها في العام 2024 لتحييد "حزب الله" في لبنان. وقد شمل ذلك سلسلة من الضربات التي استهدفت القيادة بعمليات قطع الرأس، إلى جانب إضعاف سريع لقدرة الميليشيا على الضغط على إسرائيل. وحوّلت إسرائيل تلك المكاسب التكتيكية إلى وضع قائم يتيح لها "جزّ العشب" بشكل دوري -الاستمرار في ضرب التنظيم كلما دعت الحاجة إلى ذلك مع تبعات محدودة. ويدرك القادة الإسرائيليون أن ترامب قد يسعى إلى إنهاء هذا الصراع بسرعة، لكنهم لن يرضوا على المدى الطويل بوقف إطلاق نار يُبقي إلى حد كبير على الجمهورية الإسلامية قائمة. ولن يكون سوى مسألة وقت قبل أن يحاولوا إعادة إشعال الصراع وإضعاف إيران أكثر.
يبدو أن دونالد ترامب أكثر انشغالًا بتلميع إرثه من تركيزه على أي هدف محدد. وتشبه إشاراته إلى "نزهته الصغيرة" في إيران تباهي وزير الخارجية الأميركي جون هاي في العام 1898، حين وصف الصراع الذي استمر أربعة أشهر مع إسبانيا بأنه "حرب صغيرة رائعة" أظهرت قوة أميركا ومجدها. وفي مرحلة ما، سيجبر العبء الواقع على الترسانة الأميركية والاقتصاد العالمي ترامب على إنهاء هذا العرض. لكنّ الجمهورية الإسلامية، الساعية إلى تجنب مصير "حزب الله"، لا تبحث عن مخرج. ويريد القادة الإيرانيون إطالة أمد الحرب قدر الإمكان وجعل الرئيس الأميركي أقل حماسة لأي صراع مستقبلي.
يمكن لترامب أن يواصل إدارة الحرب في إيران عن طريق الاستمرار في حملته الجوية المدمرة. لكن هذا الخيار شرع مسبقًا في تحقيق عوائد متناقصة، نظرًا لأن الجيش الأميركي استهدف بالفعل معظم أهدافه. أما البديل فهو نشر قوات برية أميركية. وهذا الخيار ينطوي على مخاطر جسيمة، وهو بالضبط ما تعهّد ترامب، عندما كان مرشحًا رئاسيًا، مرارًا بعدم الإقدام عليه. ومع ذلك، قد يكون السبيل الوحيد لضمان قيام نظام إيراني أكثر استجابة لمطالبه. وقد ينظر ترامب أيضًا في تنفيذ عمليات أصغر وأكثر تحديدًا تتعلق بأمن الملاحة أو بالبرنامج النووي الإيراني. لكن هذه الخيارات تنطوي بدورها على مخاطر كبيرة على الجنود الأميركيين، ومن المرجح أن تستدعي ردودًا انتقامية-كما أن احتمال أن تؤدي إلى استسلام إيران ضئيل للغاية.
بدلًا من ذلك، قد يسعى ترامب إلى "تفويض" الحرب من خلال تسليح فصائل سياسية أو عرقية تعارض النظام في طهران. لكن هذا النهج سيكون وصفة لكارثة؛ حيث سيبقي تحريك الأكراد أو أي جماعة انفصالية عرقية أخرى كثيرًا من الإيرانيين المعارضين للنظام في منازلهم، وسيؤدي إلى تفتيت المعارضة. وقد يسفر مثل هذا التحرك عن مقتل عدد إضافي من الجنود الإيرانيين، ولكن سيكون من غير المرجح إلى حد كبير أن يضعف قدرة النظام على قمع المعارضة الداخلية بشكل فعّال. كما أنه سيهدد بتفاقم الصراع الإقليمي ودفع موجات هجرة جماعية.
وهكذا، لا يتبقى سوى خيار واحد: السعي إلى تحقيق وقف إطلاق نار رسمي. على المستوى النظري، يمكن لترامب بطبيعة الحال أن يعلن ببساطة أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وقتل علي خامنئي يشكّلان نصرًا، ثم ينسحب. لكن تحقيق ذلك أصعب مما يبدو. إنه لا يستطيع من جانب واحد منع طهران من مهاجمة الأصول الأميركية أو دول الخليج. وتفضّل إيران خوض حرب طويلة مع الولايات المتحدة الآن بدلًا من خوض حروب متكررة مع إسرائيل في السنوات المقبلة. وحتى لو انسحبت الولايات المتحدة من القتال من جانب واحد، فإنه إذا بدا أن صراعًا مستقبليًا بين إيران وإسرائيل سيكون حتميًا، سيكون من المرجح أن تواصل إيران استهداف المصالح الأميركية في المنطقة، فضلًا عن دول الخليج والبنية التحتية للطاقة.
الهدف الاستراتيجي لإيران الآن هو فرض تكاليف مرتفعة إلى حد يجعل الولايات المتحدة ودول الخليج تدفع ثمنًا باهظًا، بحيث يختار ترامب وقف إطلاق نار يتضمن تقييدًا للتحركات الإسرائيلية المستقبلية. وبعبارة أخرى، تريد إيران أن تجبره على الاختيار بين مصالح أمن إسرائيل واستقرار الأسواق العالمية. وخلاصة القول هي أن الحرب التي بدأها ترامب لا نهاية جيدة لها. وكل يوم تستمر فيه يبدو أنه يؤخر مستقبلًا أفضل للشعب الإيراني. إنها مأساة لم يكن ليصوغها إلا خامنئي وترامب معًا.
 
*نيت سوانسون Nate Swanson: زميل أول مقيم ومدير مشروع استراتيجية إيران في "مجلس الأطلسي". شغل منصب مدير ملف إيران في مجلس الأمن القومي بين العامين 2022 و2025. وفي ربيع وصيف في العام 2025، كان عضوًا في فريق إدارة ترامب للتفاوض مع إيران.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Americas War on Iran Backfired