الدستور-الدكتور محمد حسين السماعنة
تفتح القاصة الأردنية ناريمان أبو إسماعيل أبواب السرد القصصي في المجموعة القصصية «انكسارات على حبات المسبحة» على مجموعة من الانكسارات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيق بأبطال قصص المجموعة القصصية الصادرة عن دار اليازوري للنشر والتوزيع عام 2024 م بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وتضم ستًا وعشرين قصة قصيرة وقصيرة جدا، ويرجع السارد أكثر هذه الانكسارات في أكثر قصص المجموعة إلى سلطة الآخر الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية، أو الدينية... المتحكمة بمفاصل الحياة من حولها؛ فهي انكسارات مرتبطة بالحياة ومحطات متعبة فيها، كونتها ثنائية الإحسان والنكران. وتختار الكاتبة ضمير المتكلم ليكون السارد هو نفسه البطل في أكثر قصص المجموعة، ليحدو السرد ويصور التضاد بين الإحسان والخذلان، ويوجهه ليكون أكثر إقناعا.
وتشير عتبة النص «انكسارات على حبات المسبحة» إلى أنها مجموعة من الانكسارات، وأنها تركت أثرا مؤلما لا يمحى من الذاكرة، وربط هذه الذكريات المؤلمة بالتسبيح يشير إلى الصراع الداخلي العميق الذي يعيشه هذا البطل بين الإحسان الذي تمثل في استقامة سلوكه وفعله وانكسارات الأب بسبب خذلان الآخر له. وعبرت عتبات كثير من قصص في المجموعة عن هذا الحزن والألم والغضب الذي يعيشه الأبطال من خذلان وانكسار أحلام بسبب تجبر الآخر، واستخدامه لسلطته للتدمير والتعذيب والإحباط عن قصد أو عن غير قصد: انكسارات على حبات المسبحة، غرق، صورة لم تكتمل، حادث مروري، خذلان.
ففي قصة «إنها السادسة» يرفض الزوج بداعي الحب والحرص على الزوجة أن يعطيها مساحة خاصة ولو صغيرة، ويسخر من رغباتها وأفكارها وأحلامها، لتقلب سلطة الزوج الاستبدادية في القصة» السكينة المأمولة من الزواج إلى جحيم، وحياة مليئة بالانكسارات النفسية؛ إذ تعاني الزوجة المتفانية في خدمة زوجها وتلبية طلباته وتحرص على راحته في القصة من سيطرة الزوج على تفصيلات حياتها كلها؛ فيستغل الزوج في هذه العلاقة سلطته ليطمس شخصية الزوجة ويحاصرها من كل اتجاه، حتى إنه يحرمها من أبسط حقوقها حين حدد وقت النوم، ووقت الصحو « تقول: أنام وأصحو بناء على برنامجه اليومي، وإن سبقته إلى النوم بساعة أو اثنتين غضب وعاتبها معللا أنه لا يستطيع النوم قبل النظر في عينيها ويقبلها . والزوجة في القصة تعيش صراعا داخليا متعبا، بين ما تريده وما تفعله، فهي باتت تنفر من زوجها، وتشعر بالاغتراب عنه، وتنزعج لوجوده، تقول: « ذلك الرجل النائم جواري»، وتقول: « لا أدري كيف استباح هذا الرجل جسدي؟». ويقودها الصراع النفسي العميق والتوتر الذي سببهما لها زوجها إلى التفكير بقتله، بل شرعت بذلك أكثر من مرة، وكررت المحاولة، ولكنها كانت تتراجع في كل مرة خوفا ورعبا منه. لتعود إلى حياتها المليئة بالتمثيل والتظاهر والمعاناة حياتها التي كلها انكسارات نفسية.
وفي قصة «الجرس» تبسط سلطة السياسة والحرب روحها على مفاصل القصة، فهي السبب وإليها تتجه النتائج، فهي تتحدث عن محاولة الزوجة أن تحظى بيوم إجازة هانئ ترتاح فيه، من هدير هذا العالم وأخباره المتعبة؛ فزوجها ذهب إلى عمله، وأطفالها ذهبوا إلى المدرسة، فتسعى لتحقيق ما تمنته وخططت له بقوة، فرفعت صوت فيروز وذهبت لتعد القهوة، لكن جرس الباب انتزعها من بهجة اللحظة التي خططت لها، ولما لم تجد أحدا عند الباب عادت مع أسئلة كثيرة شغلت فكرها، وانتزعت صفوها، فشربت قهوتها، وعادت لروتين حياتها اليومي، فرتبت بيتها، وأعدت طعام الغداء. ويعود صوت الجرس فينتزع العائلة من متعة تناول الطعام، وينتزع الزوجين من متابعة نشرة الأخبار، وعند وضع الاحتمالات تبدت لهم الانكسارات السياسية، فأصابع الاتهام كلها توجهت إلى: الطفل السوري اليتيم الذي يمثل المعاناة السورية السياسية، وبائع الجرائد الذي يمثل السلطة الإعلام فيختار أكثر عناوين الجريدة إثارة للناس. والطفل الغزي الذي يمثل مأساة وطنية قومية، والأرملة التي تعيل أربعة أطفال، وهذه الاحتمالات جزء من الأسباب التي تنزع خطط الناس في وطننا للاستمتاع بالحياة، ونيل قسط من السلام الذاتي والراحة والهدوء في كل مكان حتى لو غُيرت عتبات البيوت؛ فعلى الرغم من انتقال العائلة إلى منزل جديد ما زال الجرس يرن.
وترفض سلطة الماضي بما فيها من ذكريات موجعة وحلوة أن تكون حيادية، فتخرق قطرة مطر عهدهما الذي قرراه معا، حين اتفقا على الفراق، وعلى أن تكون الفصول حيادية باردة بلا ذكريات موجعة خالية من رائحة الحب، لكن الماضي يبسط سلطته عليهما بما فيه من إحسان جميل؛ فهو كائن مطري تثير فيه حبات المطر الذكريات كلها، فتحتَ المطر كان أول لقاء لهما، وتحته وعدته أن تكون رفيقته في المطر. وهو الآن يجلس» وحيدا في المقعد المجاور لغيابها» .
وفي قصة «الإشارة الضوئية الخضراء» يختبئ الناس من المطر تحت قبعاتهم ويحتمون من البرد بمعاطفهم، وبمكيفات سيارتهم بينما كانت الإشارة الخضراء واقفة بعينها المضيئة الخضراء في وجه البرد والمطر، صامدة عارية في وجه الريح كأم رؤوم تستودع أطفالها السلامة لتسهل مرور السيارات المسرعة، التي تمر من غير اكتراث ولا امتنان، ولا شكر. ويتعاظم الخذلان حين تزيل سلطة مجهولة الإشارة الضوئية الخضراء، وتضع مكانها إشارة ممنوع المرور ، التي تعني أن الناس الذين كانوا يمرون بسهولة من هذا الشارع من غير امتنان أو تقدير لجهد هذه الإشارة، ولا اعتراف بفضلها لم يعد بمقدورهم المرور من هذا الشارع، وهذا يوحي بغياب من يحرص على حياة العابرين، وأن الإحسان لم يجزَ بالإحسان، فالإشارة الخضراء رمز لكل عين حارسة حافظة وإلغاؤها رمز لنكران المعروف والإحسان ورمز لكل من يقابل الحسنة بالسيئة وتغليب المصلحة الفردية على مصلحة الجماعة. وأما اليد التي أزالت الإشارة فهي رمز لكل يد سلطة جاهلة.
ويفرض حديث عالي الصوت عن انكسار الأحلام في قصة «حلم»41 نفسه على الرغم من الإحسان في السعي الجاد لتحقيقها، فالطالبة الصغيرة التي بنت حلمها، وآمنت أنه مادة تشغل حيزا، وأنه لا يزول، وحتى لو تبخر لإنه يمكن تكثيفه وإعادته سيرته الأولى. فمنذ أن كتبته على ورقة وهي تسعى لتحقيقه حتى اشتعل رأسها شيبا وحلمها لم يتحقق بل إنها حلمت حين كبرت أن حلمها يتبخر في القدر، ولا تستطيع تكثيفه وإرجاعه سيرته الأولى على الرغم من سعيها الجاد لتحقيقه.
وتصنّم ثابت في مكانه في قصة «صنم» بعد أن اقترب منه معن السريع، فنطق: صنم. وتصنّم ليحمي نفسه حتى يتمكن أحد الأصدقاء من لمسه ليعيده إلى اللعبة مرة أخرى، لكن أصدقاءه خذلوه، فلم تلمسه يد أحد منهم، بل إن أصدقاءه لم يحاولوا لمسه لأنقاذه ونسوه وغيروا اللعبة، وهو ما يزال إلى اليوم يستغيث وينادي رفاقه: «أيها الرفاق: أما من يد تلمسني. وتعيدني مرة أخرى للعب؟».
وتصف الكاتبة في قصة «جميعهن سلمى» كيف أن الناس تعيش على أحلام بسيطة غير متحققة أركانها الطعام واللباس، وتصف معاناة الناس على الرغم من إحسانهم في السعي، وتتحدث القصة عن حاجة الفتيات لأركان الحياة الهانئة؛ التعاطف والحب والتفهم واللباس والطعام، إذ تحكي القصة عن الطالبة سلمى التي كانت نائمة على المقعد حين أيقظتها المعلمة، وطلبت منها أن تراجعها، وحين حكت سلمى للمعلمة عن حلمها في أن تعيش وعائلتها حياة هانئة يرتدون فيها ملابس جديدة، ويأكلون الطعام على مائدة فاخرة فيها حساء ودجاج وأرز مزين بالمكسرات- قررت المعلمة التغاضي عن نوم سلمى في الحصة، وتعويضها ما يفوتها في وقت لاحق، وحين تكرر نوم سلمى، وتغاضي المعلمة عنها اضطرت لشرح الصورة للطالبات آملة أن يتفهمن، ولكنها تفاجأت بالطالبات كلهن وقد توسدن أيديهن في الحصة ورحن في نوم عميق.
وأما قصة « انكسارات على حبات المسبحة» التي حملت المجموعة عنوانها فهي حديث متتابع عن تحطم الأحلام وتكسرها، وفشل الخطط المرسومة للعيش بسلام وهناء. وتشرك الكاتبة، كما في كثير من قصصها، اللون ولغة الجسد وهيئة الشخصيات وحركتها ولباسها في التعبير عن الفكرة وجعلها أكثر تفصيلا، فالبطل الذي تكسرت أحلامه وآماله في قصة» انكسارات على حبات المسبحة» لا يفتأ يذكر تلك الانكسارات في كل مرة يخلو بها إلى نفسه حتى في التسبيح، فهو يلبس عباءة سوداء، ويجلس كملك مهزوم، وعيناه شاردتان، ووجهه متعب فيه خطوط تعبر عن ذلك، ويحرك حبات المسبحة بسرعة تارة، وتارة يتوقف عن تحريك حبات المسبحة لفترة طويلة. ويتبين للسارد أن هذا التوقف هو شرود يتوقف فيه الأب عن التسبيح ليعدَّ رجلُ التعبِ صاحبُ الوجه الآخر للخسارة انكساراتِه بعد أن يصبح خيط المسبحة هو عمره، وحبات المسبحة هي عدد انكساراته، التي منها: موت أمه الذي كسر ظهره، وموت ابنه الوحيد بعد ثلاثة أشهر من ولادته، واحتراق مطعمه في رام الله الذي قتل حلمه بالعودة إلى هناك.
والتخلي وانكسار الثقة وتحطمها عند التجربة الأولى قضايا أساسية في قصة» غرق « قصة تخلي الآخرين عنا، الآخرين الذين وثقنا بهم، وبنينا عليهم جزءا من تحقيق ما نحبه وما نريده وما نحلم به- وقت حاجتنا إليهم؛ فمدرب السباحة الذي وثقت به واختارته وفق أسس سليمة ومعاير سليمة تخلى عنها في اللحظة التي كانت تحتاجه فيها، فهي اختارته ووثقت به وأطاعته لأنه أقنعها بكلامه، ولأنه كان واثقا من نفسه مبتكرا مبدعا ذا كفاءة استثنائية يتمتع بفلسفة خاصة في رياضة السباحة، فألقت نفسها في البركة بعد أن خلعت من روحها خوفها من الماء، ونسيت ما تعلمته كله كما أمر. ولكن ما إن ألقت نفسها في الماء حتى أدار المدرب ظهره لها، وتركها تحاول وحدها بما تملكه من إرادة وقوة ومهارة سباحة ضعيفة النجاة والعوم، ولكن هيهات فهي ما زالت تغرق. واستخدمت الكاتبة تقنية المشاهد في «قصة لم تكتمل « كان فيها مشهد المصور وهو يبكي فاتحةَ العرض، فهو يسجل بآلة تصويره بقية المشاهد التي وصفتها الكاتبة وصفا سرديا هادئا كيف يحيل انفجار مباغت اللحظاتِ السعيدة التي كانت تعيشها الشخصيات الرئيسة في القصة إلى حسرات تحت الركام، فالانفجار دمر المجمع السكني الذي كان على مدخله امرأة تستقبل على درجات الحافلة بحب طفليها العائدين من المدرسة، ورجل يحتضن بين ذراعيه قالب (جاتو) ليفرح ابنته بعيد ميلادها، وطفلة تنظر بفرح لأبيها الذي عاد ليحتفل بعيد ميلادها، وامرأة خمسينية فرحة بطبختها تستعد لاستقبال أولادها وأحفادها.
ويبدو واضحا أن بطلة قصة «الحجلة « غاضبة غير راضية عن مآل أحلامها وخططها، فقد كبرت في القصة الطفلةُ التي كانت تنتظر قدوم الربيع بلهفة لتتحرر من قيد الشتاء الذي يبقيها حبيسة المنزل، وتتعجل انتهاء الدوام المدرسي لتلملم ما تبقى من طبشور، وتعدو إلى البيت لتلقي بحقيبتها كيفما اتفق، وتصعد إلى السطح، فتنادي بنات الجيران ليلعبن معها، فترسم على الأرض لعبة الحجلة، وتشرع باللعب بحرص وبحب حتى تفوز. وتقول إن سبب فرحها لم يكن بالفوز وإنما بالقفز وبالتوازن الذي كانت وهي طفلة قادرة على تحقيقهما بنجاح واستمتاع، كبرت الطفلة وقد خابت آمالها؛ فهي ما زالت مولعة بالحجلة تنتظر الربيع بلهفة لترسم مربعات اللعبة على الأرض، وتلعب لا لتستمع بالقفز والحرية وإنما بحثا عن فوز في إيحاء أنها تعيش حياة كلها خسائر، فتكسر قواعد اللعبة كلها فهي تلعب وحدها، وتسجل فوزا كلما ارتطم الحجر بحدود المربعات المرسومة على الأرض؛ وتصل العاشر من غير الرجوع إلى المربع الأول.
وقادت المصادفة بنات العم إلى لقاء إلى طاولة واحدة بعد خمس عشرة عاما من الفراق، ويبدو واضحا أنهن لم يردن الالتقاء ولا سعين إليه ولا يخططن له. وجلس الزمن كمخرج ماهر إلى طاولة مقابلة يراقب ما صنعت يداه فيهن، وليذكر بطلة القصة بأنها قد غدت كبيرة وملامح جسدها تغيرت، وأحلامها قيدت، وأن وما يصنعنه من أجل تغطية آثاره فيهن غير مجد، فسارة حاولت تغطية تهدل جسدها وارتخائه وامتلائه وزيادة وزنها بما امتلكته من ذهب، وسعاد حاولت تغطية آثار الزمن في جسدها بأدوات التجميل. وأما حنان فهي ما زالت ثرثارة ولكنها غدت تتحدث بلغة تشبه النساء اللواتي كن يجتمعن كل صباح عند أمهاتهن لشرب القهوة. وحين عادت الذاكرة ببطلة القصة وهي نفسها السارد إلى مرحلة الطفولة مرحلة النضارة والجمال والعطاء والحماسة لطرق أبواب الحياة كأن تكتب موضوع تعبير لم تفلح في تغطية ما فعله الزمن فيها مع أنها حاولت أن تتناسه.
وقد تكون أحلام فرد أو مجموعة سببًا في تدمير أحلام شخص أو أشخاص آخرين، ففي قصة» عمارة الأحلام» ينشغل قاطنو عمارة الأحلام بإعداد خططهم التي يعزمون على تنفيذها العام المقبل، فالطبيبان يفكران ببيع الشقة العيادة لبناء مستشفى خاص بهما. وعمر رجل الأعمال الناجح يفكر بشراء تلك الشقة ليزوج ابنه فيها، وهو يفتقد أمه التي يتمنى لو أنها على قيد الحياة لتسعد بنجاحاته. وسليم يفكر بشراء شقة في تلك العمارة، وشراء سيارة ثالثة لتعمل بالأجرة. وبينما كان هؤلاء يبنون أحلامهم كان الحارس يفكر جديا بتقديم شكوى ضد سكان عمارة الأحلام، فالكل في قصة « عمارة الأحلام « يخطط لراحته ومستقبله من غير أن يلتفت للحارس ومستقبله وحياته، مما دفعه للتفكير برفع شكوى يتهمهم فيها بالسرقة.
وتتحدث قصة «الفستان الأحمر « عن الخذلان في أفظع صوره حين يترك الفرد ويستغنى عنه بعد أن يستغل ويؤدي وظيفته، وبعد أن يجرد من أسباب قوته وجماله وبقائه، فقد أصاب الفستان الأحمر الانكسار وأصيب بالخذلان والانطفاء حين رأى ما حل به وأن كل شيء قد تغير، فقرر مغادرة المخيطة إلى مكان يستطيع أن يجد فيه سلامًا مع ما تبقى من ذاته؛ لأن المخيطة لم تعد مكانه، ولأنه آمن أن الزمن مضى، ولن يمكنه العودة كما كان في الماضي كاملا مشرقا مزركشا بالورد والفراشات التي تبعث على الفرح، فهو لن يستطيع إخفاء ذراعه المبتورة، ولا استعادة الأجزاء التي كانت تشكله لأنها صارت جزءا من آخرين.
وتوحي قصة «ولا حرف « بسبب من أسباب غياب الإبداع والابتكار واهتزاز الشخصية في مجتمعاتنا العربية، فالمعلمة تطلب تحت التهديد والوعيد ألا تتكلم البنات في الحصة بأي حرف، وتلتزم الطالبة بمدونة السلوك القاسية التي وضعتها المعلمة لطلاب الصف؛ وهي» ما بدي أسمع ولا حرف ...بدي أرمي الإبرة وأسمع رنتها»، فتصنمت الساردة، وهي نفسها بطلة القصة، ولم تلتفت يمينا أو يسارا، ولكنها على الرغم من التزامها بالقاعدة ومدونة السلوك عوقبت لأنها تلعثمت بقراءة الدرس حين طلبت منها ما لم تتدرب عليه ومنعت من ممارسته.
ويولد الحب وفيه بذور الخذلان في قصة» الكاتب الكبير» فلفرط سعادتها بإعلان الكاتب الكبير حبه لها نسيت بطلة القصة أن تقرأ ما وعدها به جيدا، فهو وعدها أن يحتفي بها كأميرة هاربة من أجمل قصصه، ونسيت أنه لا يتقن سوى فن القصة القصيرة جدا.
وتهاجم الكاتبة في قصة «موت « السلطة الأبوية التي اختارت لها مسار حياتها؛ فزوجتها كرها، وجعلتها تصاحب من لا تنسجم معهن، وتتخصص فيما لا ترغب فيه، فهي ترى أن أباها قد قتلها بما اتخذه من قرارات رسمت مستقبلها ومسار حياتها من غير موافقتها. وهي قصة تحكي حال الأنثى في بعض بيوتنا وخذلان السلطة الأبوية لها.
وبعد، فإن المجموعة القصصية « انكسارات على حبات المسبحة» هي نتاج قلم ناضج، واعٍ بما ستحمله القصة التي يكتبها من إيحاءات وأفكار، وبما ستثيره في القارئ من أسئلة ومشاعر، لبس عباءة أبطال قصصه فتكلم باسمها وبروحها وبعواطفها، فالقاصة امتلكت زمام القص بمهارة، واستخدمت تقنيات مناسبة لموضوع كل قصة وفي تميز واضح في استخدام تقنية السرد بالمشاهد والصور، وهي في هذه المجموعة وجهت سهامها لكل من يقيد الأنوثة، ولكل من كان سببا في انكسار أو خذلان أو تحطم حلم.