الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
باتريك لورانس* – (ذا فلوتِست) 1/11/2026
الأمل ينتصر مجدداً على التجربة.
في الربيع الماضي، عندما أصبح واضحاً أن الحزب الجمهوري الحاكم يفقد شعبيته لدى الناخبين الأميركيين، وأن نجم دونالد ترامب شرع في الأفول، هدّد الرئيس السابع والأربعون بإلغاء الانتخابات التشريعية المقررة في منتصف ولايته الرئاسية الثانية. ومن البديهي أن أي مرسوم من هذا القبيل كان سيُفضي إلى أزمة دستورية ذات أبعاد تاريخية. ومع أن الرئيس ترامب يتجاهل الدستور بصورة اعتيادية، تبيّن أن إلغاء الانتخابات سيشكل تجاوزًا لحدود لم يكن مستعداً لتجاوزها. ولذلك، يتوجه الأميركيون الذين يصرّون على التصويت إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء، كما هو مقرر. وللعلم، لن أكون واحداً منهم.
اتسمت المنافسات السياسية في أميركا بطابع المعارك المفتوحة التي لا ضوابط لها منذ تأسيس الدولة، أو حول ذلك الحين تقريباً. وهناك سجل طويل من الانتخابات التي سُرقت أو اشتُريت أو أُفسدت بوسائل أخرى بهدف قمع الإرادة الشعبية. ومن أشهر هذه الوقائع في السنوات الأخيرة مهزلة "الأوراق المثقوبة المتدلية" في فلوريدا (1) التي انتزعت على مرأى من الجميع انتخابات العام 2000 من آل غور، ومنحتها على نحو حاسم -بما حمله ذلك من عواقب- لجورج دبليو بوش. لكن انتخابات التجديد النصفي للعام 2026، التي تدور في أجواء من المرارة والتنافس الشديد وتحظى بمتابعة دقيقة، بينما يتوقف على نتائجها مصير ترامب رئيساً، وبالتالي مصير أميركا، هي الانتخابات الأكثر تشوهاً وتزويراً التي أراها في حياتي. وأورد هذا الحكم من دون أي تردد.
بعد أن أمضيت معظم حياتي المهنية مراسلاً صحفيًا في الخارج، كثيراً ما تساءلت، كيف تبدو العملية السياسية الأميركية في نظر أناس اعتادوا وجود إجراءات قانونية، وقيوداً على الأموال التي يستطيع المرشحون إنفاقها، وعلى المدة التي يمكنهم خلالها خوض حملاتهم الانتخابية قبل موعد الاقتراع، وعلى حجم استخدامهم وسائل الإعلام الجماهيري للترويج لأنفسهم؛ باختصار، اعتادوا حدوداً متعارفاً عليها لما يمكن أن يتبادله المرشحون من أكاذيب وافتراءات بحق بعضهم بعضاً. وقد وجدت في هذا التمرين فائدة كبيرة، حيث يذكّرني بمدى الانحدار الذي بلغته جمهوريتنا المنكوبة، حتى في ظل ثقافة سياسية لطالما كان تضليل الناخبين فيها ممارسة شائعة.
وبعد التأمل، يبدو لي هذا الواقع حتمياً. كنتُ قد جادلت طويلاً، مستلهماً الدروس من مارك توين ودو بويز وآخرين، بأن الأميركيين يستطيعون أن يمتلكوا إمبراطورية في الخارج أو ديمقراطية في الداخل، لكنهم لا يستطيعون الجمع بينهما. وكان هذا هو الخيار الذي اتخذته الأمة منذ أصبحت قوة عالمية مع الحرب الإسبانية الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر. وقد حسم من يُفترض أنهم قادة أميركا خيارهم قبل وقت طويل من ظهور دونالد ترامب. وما يميز عصرنا هو الوضوح المرير لهذا الخيار. ومن السمات اللافتة للحياة السياسية الأميركية -خاصة خلال سنوات ولاية ترامب الثانية، وإن لم يقتصر الأمر عليها- مدى تطبيع ممارسة الإمبراطورية وتفكيك الديمقراطية الأميركية التي لم تكن يوماً مكتملة الأداء، ومدى القبول الواسع بهما باعتبارهما واقعاً قائماً؛ واقعاً يتعين على الأميركيين التعايش معه، ويذهبون إلى صناديق الاقتراع في ظله. وقد هبط هذا الواقع بثقله خلال الموسم السياسي للعام 2026 -بالنسبة لبعضنا على الأقل. والحقيقة أنه لم يهبط فجأة، وإنما تكرّس على مدى زمن طويل إلى حد أن معظم الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء لم ينتبهوا -مثل الضفادع في قِدر آخذ في الغليان- إلى أنهم يقرّون عملياً بانهيار الديمقراطية نفسها التي يفترضون أنهم يشاركون فيها.
تشبه انتخابات التجديد النصفي للعام 2026، في رأيي، الزواج الثاني: انتصار الأمل على التجربة. ولذلك، أورد هنا بعض الملاحظات من بلد تغيب فيه جميع القيود المذكورة أعلاه، وحيث ليس من المستغرب أن يتم خرق القانون أو تحريفه إلى حد يفقد معه معناه، خدمةً لأصحاب الطموحات الجامحة والمهووسين بالسلطة؛ بلد يعلو فيه صوت المال على كل الأصوات بفارق كبير، ويكون الفوز فيه هو الغاية القصوى من دون اكتراث بالوسيلة التي يتحقق بها.
***
ذات مرة في زمن مضى، ناقش الكونغرس الأميركي مسألة وضع سقف للأموال التي يتم إنفاقُها دعماً لمرشح معين لمنصب عام. وبالنظر إلى الماضي من الآن، أشك في أن تلك النقاشات التي تعود إلى سبعينيات القرن العشرين في أعقاب "فضيحة ووترغيت" كانت صادقة بالقدر الذي بدت عليه آنذاك، حيث طُلب من مشرّعين يشغلون مناصبهم إقرار قوانين تُلحق بهم أضراراً جسيمة. ومهما يكن من أمر، لم يعد إصلاح تمويل الحملات الانتخابية موضع بحث جدي منذ أن قضت المحكمة العليا، في قرار غير عقلاني على الإطلاق صدر في العام 2010، بأن المال هو شكل من أشكال التعبير، وبذلك لا يجوز تقييده.
دعوني أكرر هذه النقطة الأخيرة، لأنني أجدها مذهلة إلى حد بعيد: في أميركا، يُعدّ المال شكلاً من أشكال التعبير، ويكرّس التعديل الأول للدستور حرية التعبير باعتبارها حقاً غير قابل للتصرف.
في 28 تشرين الأول (أكتوبر)، أفادت "لجنة الانتخابات الفيدرالية الأميركية" بأن المرشحين الساعين إلى الفوز بمقاعد في انتخابات التجديد النصفي أنفقوا 3.2 مليار دولار على حملاتهم الانتخابية: 2.02 مليار دولار أنفقها المرشحون لعضوية مجلس النواب؛ و1.18 مليار دولار أنفقها المرشحون لمجلس الشيوخ. وكان كبار المنفقين في السابق هم النقابات العمالية وجماعات الضغط المختلفة -من مُصنّعي شتى السلع والمزارعين وشركات التأمين الصحي إلى "وول ستريت". ومع أن هذه الجهات ما تزال تكتب الشيكات، أصبح الأميركيون يتحدثون اليوم عن "طبقة المانحين" التي تتألف أساساً من مليارديرات "وادي السيليكون"، وأقطاب الذكاء الاصطناعي، وأباطرة الإعلام -ودعونا لا نغفل هؤلاء المهووسين الشيطانيين من الصهاينة الأثرياء وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (أيباك). ولإتمام الفكرة، فإن مليارديرات "وادي السيليكون" وأباطرة الإعلام والصهاينة الأثرياء هم، في أحيان كثيرة، الأشخاص أنفسهم.
في الأسبوع الماضي، تجاوزت الدورة السياسية للعام 2026 الرقم القياسي السابق لتصبح أغلى موسم انتخابي في تاريخ أميركا. وأكثر ما يلفت انتباهي هو الطريقة التي تتناول بها وسائل الإعلام المؤسسية وجود هذا النوع من الأموال في السياسة الأميركية -وهو شيء مرفوض تماماً- وكأنه أمر عادي لا يستدعي الاستغراب. وقد تصدّر صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي عنوان: "أين يتجاوز الحزبان بعضهما بعضاً في الإنفاق على حرب الإعلانات الانتخابية النصفية". وهذا النوع من التغطية الصحفية الجافة لواقع مناقض تماماً للديمقراطية هو شأن مألوف. وتنطوي تغطية وسائل الإعلام السائدة ضمناً على أن الطرف الذي يجمع أموالاً أكثر هو الأرجح فوزاً في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر)، وأن هذا أمر طبيعي كما ينبغي أن يكون.
بالمناسبة، أجرت صحيفة "نيويورك تايمز" حساباتها الخاصة للأموال المتداولة في انتخابات التجديد النصفي. ويبدو أن المرشحين لمقاعد مجلس الشيوخ أنفقوا هذه المرة 2.4 مليار دولار -أي أكثر من ضعف المبلغ الذي أوردته لجنة الانتخابات الفيدرالية. ووفقاً لحسابات الصحيفة، سيبلغ إجمالي ما ينفقه المرشحون في انتخابات التجديد النصفي للعام 2026 نحو 3.9 مليار دولار قبل أن يتبين فوزهم أو خسارتهم.
***
تُعرف ممارسة التلاعب بالدوائر الانتخابية، أو "جيريماندرينغ"، بهذا الاسم نسبةً إلى إلبريدج جيري، الذي وقّع، بصفته حاكماً لولاية ماساتشوستس في العام 1812، مشروع قانون أعاد رسم الدوائر الانتخابية في الولاية بما يخدم مصالح "الحزب الديمقراطي الجمهوري" الذي يُعدّ سلف الحزب الديمقراطي الحالي. وقد اتخذت إحدى الدوائر الناتجة عن ذلك شكلاً يشبه حيوان السمندل -ومن هنا جاء المصطلح بصيغته المعروفة اليوم.(2)
يُعاد ترسيم الدوائر الانتخابية للكونغرس في الولايات المتحدة بعد التعداد السكاني الوطني الذي يتم إجراؤه مرة كل عشر سنوات، إذا اقتضت التغيرات السكانية إعادة توزيع الدوائر. لكن إساءة استخدام هذه العملية لأغراض سياسية انتهازية ظاهرة تعود إلى عهد الحاكم جيري. فإذا كانت إحدى الدوائر، مثلاً، تضم كثافة مرتفعة من الأقليات التي يُرجّح أن تصوّت للحزب الديمقراطي، تستطيع إدارة جمهورية التلاعب بحدودها لتشتيت أصوات الديمقراطيين وإضعاف تأثيرها. وثمة سمتان ينبغي ملاحظتهما في هذا التلاعب: أنه يُمارَس عادةً استناداً إلى تفسيرات مشكوك فيها للقانون؛ وأنه، من دون استثناء، شكل من أشكال الفساد السياسي.
كان الموسم السياسي 2025–2026 مهرجاناً للتلاعب بالدوائر الانتخابية. ولا أبرياء في هذه القصة. فقد أعادت ست ولايات -هي كاليفورنيا وفلوريدا وكارولاينا الشمالية وأوهايو وتينيسي وتكساس- ترسيم دوائرها بما يخدم مصلحة أحد الحزبين على حساب الآخر. وفي ثلاث ولايات أخرى -هي ألاباما ولويزيانا ويوتا- جرى التلاعب بحدود الدوائر بعد لجوء الجمهوريين أو الديمقراطيين إلى القضاء لإعادة رسم الخرائط الانتخابية. ولدى ولاية ميزوري خطة لإعادة ترسيم الدوائر، لكنها معلّقة بانتظار استفتاء شعبي. وأضيف، إن مزيداً من عمليات التلاعب بالدوائر مقرر في العامين 2027 و2028 استعداداً للانتخابات الرئاسية في العام الأخير.
يمكن للتلاعب بالدوائر الانتخابية أن يشوّه إرادة الناخبين كما فعل منذ أن ابتكر إلبريدج جيري هذه الممارسة، وكما كان الهدف منه أصلاً. وعلى سبيل المثال، قد يفقد ما يصل إلى ستة أعضاء سود في مجلس النواب مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي لمجرد إعادة ترسيم الدوائر بدوافع سياسية. وتشكل "المحكمة العليا" أحد العوامل التي أفضت إلى هذه الموجة من التلاعب بالدوائر الانتخابية. فبعد انحرافها الحاد نحو اليمين في السنوات الأخيرة، عملت المحكمة بصورة منهجية على إضعاف قانون حقوق التصويت للعام 1965، الذي تم إقرارُه في خضم تنامي نفوذ "حركة الحقوق المدنية". وبطريقة أكثر مباشرة -بل أكثر مباشرة بما لا يُقاس- يدير الرئيس ترامب منذ بداية ولايته الثانية عمليةً للتلاعب بالدوائر الانتخابية، ولايةً تلو أخرى. وما تزرعه تحصده: فكالفورنيا، التي اعتمدت خريطة جديدة للدوائر الانتخابية في العام الماضي، هي ولاية ذات أغلبية ديمقراطية كبيرة. ومن المقرر إجراء مزيد من إعادة ترسيم الدوائر في كاليفورنيا قبل انتخابات العام 2028، وهو تلاعب بالدوائر الانتخابية مهما كان الاسم الذي يُطلق عليه.
***
وقعت واحدة من أكثر المهازل السياسية عبثية في هذا الموسم الانتخابي في ألاسكا. ويتيح نظام التصويت التفضيلي المعتمد في الولاية -وهو شيء غير مألوف في السياسة الأميركية- لأربعة مرشحين، اثنين من كل حزب، خوض الانتخابات. وفي هذه الحالة، يُدعى عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الذي يشغل المقعد ويسعى إلى الاحتفاظ به دان س. سوليفان. ثم أعلَن في الربيع الماضي مدرس متقاعد من قرية صيد صغيرة، ومن العدم تقريباً، أنه سيترشح لمنافسة دان س. سوليفان بصفته جمهورياً أيضاً. واسمه دان ج. سوليفان.
يوم الثلاثاء، تخوض ماري بيلتولا، المرشحة الديمقراطية لمقعد دان س. سوليفان في مجلس الشيوخ، والتي سبق أن شغلت مقعداً في مجلس النواب، الانتخابات بوصفها المرشحة الديمقراطية الوحيدة في مواجهة سوليفانَين اثنين: دان س.؛ ودان ج. الوافد الجديد إلى المشهد السياسي. ولا يحتاج الأمر إلى شرح لبيان أن الالتباس شبه الحتمي بين المرشحين لدى الناخبين الجمهوريين سيؤدي إلى تشتيت أصواتهم، وبالتالي إضعاف الدعم الذي يحظى به شاغل المقعد دان س. سوليفان.
رفعت وزارة العدل، التي أصبحت خاضعة للرئيس ترامب منذ اليوم الأول لتوليه منصبه في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي، دعوى قضائية الأسبوع الماضي تطالب فيها بمنع التصديق على نتيجة الانتخابات إذا أمكن -بأي وسيلة كانت- إثبات أن وجود دان ج. على بطاقة الاقتراع كلّف دان س. أصواتاً. وحتى هذا الأسبوع، التزم الديمقراطيون "موقف السانزارو"، القرَدة الحكيمة الثلاثة في الحكاية الشعبية اليابانية، التي لا ترى شراً ولا تسمع شراً ولا تنطق به. ثم سرّبت مديرة الحملة السابقة لماري بيلتولا، التي أُقيلت من منصبها في آب (أغسطس)، معلومات إلى الصحافة. ويوم الأربعاء، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" روايتها عن المؤامرة الواسعة والطويلة داخل ماكينة الحزب الديمقراطي للعثور على أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين يحملون اسم دان سوليفان في ألاسكا، ودفْع أحدهم إلى الترشح جمهورياً في مواجهة دان س. وقالت إليسا ريوس للصحيفة: "ناخبو ألاسكا ينبغي أن يعرفوا".
وأنا أقول إن الأميركيين جميعاً ينبغي أن يعرفوا. فهذا هو النظام الذي يُدعون إلى المشاركة فيه.
أما ما سيحدث إذا فازت ماري بيلتولا، فلا يستطيع أحد التكهن به. وأتوقع أن تتوالى الدعاوى القضائية بلا نهاية. وقد تبيّن أن هذا النوع من الحيل الرامية إلى تشتيت الدعم عن مرشح من خلال الاستعانة بما تسميه صحيفة "نيويورك تايمز" بـ"مرشحي الإفساد التابعين لأحزاب ثالثة"، هو خدعة قديمة دأب الحزبان على استخدامها. ولها أشكال مختلفة أيضاً. فقد أفادت تقارير بأن الجمهوريين أنفقوا أكثر من مليوني دولار للترويج لترشح شخص يُدعى غريغ ليفي لمنافسة جون هستد، الجمهوري الذي يشغل المقعد حالياً، إلى جانب شيرود براون، الديمقراطي الذي يخوض منافسة جدية ضد هستد. وليفي مرشح جماعة لا يعرفها أحد تُدعى "حزب الاشتراكية والتحرير". ويأمل الجمهوريون أن يتمكن ليفي من استقطاب عدد كافٍ من "التقدميين" بعيداً عن الديمقراطيين، بما يرجّح كفة هستد في انتخابات متقاربة.
يحدُث هذا فقط في أميركا، أرض الفرص.
***
في هذه المرحلة، أفسدت "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (أيباك) جميع أعضاء مجلس النواب الـ435، وجميع أعضاء مجلس الشيوخ الخمسين، مع استثناءات نادرة ومشرّفة. ويعكس ذلك عملية منهجية لشراء النفوذ امتدت عقوداً. وأخيراً، وبفضل قدرٍ لا يُستهان به من حملات الإرهاب التي يشنها النظام الصهيوني في غزة والضفة الغربية ولبنان، والحرب على إيران، يبدو أن (أيباك) بدأت تدفع ثمن أفعالها وتنال جزاءها المستحق. بعد أن انكشفت مناوراتها التي كانت تجري في الخفاء، أصبح عدد حاسم من الناخبين يرفضون دعم السياسيين الذين يتلقون تبرعات من (أيباك). وهناك الآن موقعان إلكترونيان، هما "أيباك تراكر" و"تراك أيباك"، تتمثل مهمتهما في إطلاع الناخبين على المرشحين والمشرّعين الذين يشغلون مناصبهم ويتلقون أموالاً من (أيباك)، وعلى حجم ما يتلقاه كل منهم.
حتى وقت قريب، لم تكن (أيباك) تضخ أي أموال مباشرة في الانتخابات؛ وكانت تستثمر ملايينها في الإعلانات والدعاية بعد أن تكون قد اشترت -أو أرغمت- بصورة أو بأخرى، جميع المرشحين تقريباً على الاستجابة لها. ولم تشعر بأنها مضطرة إلى البدء بضخ الأموال في الحملات الانتخابية إلا خلال السنوات القليلة الماضية مع انقلاب المزاج العام ضدها. ولا تفصح (أيباك) عن إنفاقها السياسي، لكن الأدلة المتاحة تشير إلى أن هذا الإنفاق بلغ مئات الملايين من الدولارات خلال حملات انتخابات التجديد النصفي لهذا العام.
في الوقت نفسه، أوضح الموسم السياسي للعام 2026 تماماً أن قبول أموال (أيباك) تحول منذ أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 من ميزة إلى عبء. ويشكل السباق الانتخابي لمجلس الشيوخ في ميشيغان حالة بارزة في هذا الصدد. فقد تمكن طبيب مسلم يُدعى عبد الرحمن السيد، وهو من أشد منتقدي الدولة الصهيونية، من هزيمة هالي ستيفنز، التي لم تعد سعيدة بتلقي نحو 30 مليون دولار من أموال (أيباك). وكانت معارضة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، والتي يسميها عبد الرحمن السيد باسمها، محوراً أساسياً في حملته، مثلما كانت الاعتذارات عن "الدولة اليهودية" وتبرير سياساتها محوراً في حملة ستيفنز. وقد أمضت المرشحة الديمقراطية المهزومة الأسبوع الماضي وهي تحاول تخريب حملة السيد تحت ستار دعمها. وبعد ظهر هذا اليوم الذي كُتبت فيه هذه السطور، ذهبت ستيفنز إلى أبعد من ذلك، فنقلت تأييدها -أياً تكن قيمته- إلى مايك روجرز، الجمهوري المؤيد للصهيونية الذي ينافس السيد. لا شك في أن ثلاثين مليون دولار هي مبلغ كبير، ويظل أثره ممتداً.
في الآونة الأخيرة لجأت (أيباك) إلى إخفاء مصادر تمويلها من خلال ذراعها التابعة التي تحمل اسماً مضللاً بشكل فادح؛ "مشروع الديمقراطية المتحدة". وكما هي عادة دعاة الدعاية الصهيونية الذين لا تفوتهم حيلة، فإنهم يهاجمون خصومهم في الإعلانات بسبب مواقف أخرى غالباً ما تكون ثانوية، وليس بسبب انتقادهم إسرائيل. وقد يذكر إعلان لـ(أيباك)، مثلاً، أن المرشح فلاناً يعارض فرض قيود على أسعار الأدوية الموصوفة طبياً، من دون أن يأتي على ذكر معارضته الشديدة لاعتداءات الصهاينة. إنها حيلة تمويه بارعة.
شهد الأسبوع الماضي تطوراً لافتاً. فقد أعلنت (أيباك) أنها لن تعود تؤيد المرشحين علناً، أو تقدم لهم مساهمات مالية مباشرة، أو تخصص أموالاً أخرى يُقصد بها دعم حملاتهم الانتخابية. ومن الواضح أنها تعتزم مواصلة إفساد الانتخابات كما فعلت طوال العقود الماضية؛ فإلى جانب "مشروع الديمقراطية المتحدة"، أصبحت تلجأ الآن إلى منصات التبرع عبر الإنترنت، ولجان العمل السياسي الوهمية، ووسائل أخرى لإخفاء تدفقات "الأموال المظلمة". ومع ذلك، أرى أن (أيباك) تتراجع. فهل بدأ الأميركيون -ومعهم الساعون إلى استمالة أصواتهم- أخيراً في استئصال سرطان جماعات الضغط الإسرائيلية من جسد الحياة السياسية الأميركية؟ سوف تستغرق أي عملية جراحية من هذا النوع سنوات، لكن مجرد طرح السؤال في حد ذاته يبعث على الارتياح.
■
ربما يتذكر القراء من جيل معين الحملة الانتخابية الشرسة والقذرة التي خاضها ريتشارد نيكسون في العام 1950 سعياً إلى الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ ممثلاً لولاية كاليفورنيا. في ذلك الحين كانت منافِسته ديمقراطية قوية تُدعى هيلين غاهاغن دوغلاس، وكان السباق متقارباً. لكنّ نيكسون انحدر مباشرة إلى الحضيض. فقد وصف أنصاره غاهاغن دوغلاس بأنها شيوعية متخفية، "وَرديةٌ من الأعماق حتى ملابسها الداخلية"، ووزعوا -في خطوة سيئة السمعة- مئات الآلاف من المنشورات الوردية التي تحمل هذا الاتهام. ولنتذكر أن ذلك كان في بدايات الحرب الباردة، حين كانت اتهامات من هذا النوع تُعتبر إدانات خطيرة.
قبل ستة وسبعين عاماً، في ما ستحل ذكراه في الأسبوع المقبل، ألحق نيكسون هزيمة ساحقة بغاهاغن دوغلاس التي لم تترشح لأي منصب عام بعد ذلك. وكان ذلك الانتصار هو الذي أطلق مسيرته كشخصية وطنية. كما أكسبه اللقب الذي لازمه طوال ما تبقى من حياته: "ديكي الماكر".
وقد شهد الموسم الانتخابي للعام 2026 عدداً لا يُحصى من أمثال "ديكي الماكر". فقد أصبح الدكتور عبد السيد هدفاً لهجمات متواصلة تنطوي على كراهية الإسلام بسبب عقيدته، والتي تزعم أن غايته الخفية هي فرض الشريعة الإسلامية في ميشيغان. ويصفه ترامب بأنه "جهادي شرس وعنيف"؛ وهي الصيغة التي اتخذتها في مرحلة ما بعد أيلول (سبتمبر) مقولة الشيوعيين المختبئين تحت الأسرّة التي سادت في خمسينيات القرن الماضي، إبان المكارثية. وفي مكان آخر، يُتهم جيمس تالاريكو، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس، بأنه مثليّ الجنس، أو نباتي، أو متعاطف بشكل غريب مع الأطفال المتحولين جنسياً؛ ويبدو أن كلمة "يُتهم" أصبحت الكلمة الرائجة هذه الأيام. وهناك آدم هاميلتون، الديمقراطي عن ولاية كانساس الذي تشير التقارير إلى تقدمه على منافسه الجمهوري شاغل المقعد في مجلس الشيوخ بتسع نقاط مئوية، الذي يُقال إنه "على الأرجح يستدرج الأطفال ويهيئهم للاستغلال". وتأتي كل هذه الاتهامات تقريباً من الجانب الجمهوري، وكثيراً ما تنحدر إلى ما دون الحزام -إذا جاز لي استخدام هذا التعبير. ولكن لا ينبغي أن نستثني الديمقراطيين من ذلك. فقد دأب غافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا وصاحب الطموحات السياسية المتضخمة، على "اتهام" منتقديه اليمينيين بأنهم مثليون يخفون ميولهم الجنسية.
لكَم تدهورت الثقافة السياسية الأميركية منذ عهد نيكسون! من يستطيع أن يضع اسمه على انتخابات تُخاض بهذه الطريقة؟
***
حتى لحظة كتابة هذه السطور، يُتوقع أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، وقد يتمكنون -مع بقاء قدر من عدم اليقين- من الفوز بالأغلبية في مجلس الشيوخ أيضاً. ومن شأن نتيجة كهذه أن تفتح الباب بشكل مفاجئ أمام إجراءات عزل الرئيس ترامب وأعضاء في حكومته. وقد ظل كثير من الشخصيات السياسية الديمقراطية، والمسؤولين المشرفين على الانتخابات، وخبراء القانون الدستوري، يتساءلون منذ أشهر عما قد تُقدِم عليه ماكينة ترامب السياسية إذا أظهرت نتائج الاقتراع انقلاباً من هذا القبيل. هل سينشر ترامب قوات اتحادية؟ وهل سيجري تنفيذ مداهمات لإدارة الهجرة قرب مراكز الاقتراع؟ وهل سيستولي عملاء اتحاديون على بطاقات الاقتراع من الولايات -مع أن الدستور يمنح الولايات صلاحية إدارة الانتخابات؟ وهل سيصادرون معدات التصويت؟ وهل ستطعن وزارة العدل في عهد ترامب في صحة النتائج؟
عبّر بيل برادلي -عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي الذي حظي باحترام واسع على مدى أربع دورات رئاسية من أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى أواخر تسعينياته- عن هذه المخاوف في مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، تحت عنوان "مخاوفي بشأن انتخابات التجديد النصفي"، وكتب:
"إننا نواجه في العام 2026 تهديداً جديداً: حملة منسقة تشنها السلطة التنفيذية في الحكومة الفيدرالية لتقويض انتخابات التجديد النصفي. ولا نعرف ما إذا كان مسؤولو إدارة ترامب سينفذون تهديداتهم بالتدخل في عمل المسؤولين المشرفين على الانتخابات، لكن علينا أن نكون مستعدين".
صحيح أننا لا نعرف ذلك في هذه اللحظة. لكن الأميركيين تلقوا التحذير منذ الربيع الماضي: كان نظام ترامب والماكينة الجمهورية مستعدَّين -وربما ما يزالان كذلك الآن- لجعل انتخابات التجديد النصفي للعام 2026 الأكثر تعرُّضًا للتزوير والتلاعب في تاريخ الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الزعم بأن ما يجري هو، كما يقول برادلي، تهديد لـ"التقاليد الأميركية المتمثلة في الانتخابات الحرة والنزيهة"، ليس سوى محض اختلاق. إنه وهم يحول دون مواجهة الناخبين للواقع الذي أشرت إليه أعلاه، والذي أعتبر التصدي له مهمة ملحّة.
وسأختتم بالإشارة إلى أمرين أصبحا مؤكدَين حتى الآن.
أولاً، أن النظام السياسي الأميركي أضعف من أن يتحمل الفوضى التي قد يتسبب بها نظام ترامب إذا مضى في تنفيذ التهديدات التي أطلقها الرئيس خلال الأشهر الأخيرة. ومن المعقول تماماً أن نشهد زعزعة للاستقرار الداخلي أشد مما نشهده بالفعل، وأزمة جيوسياسية لا يمكن التكهن بمدى اتساعها. وفوق ذلك، سيكون من شأن أي ممارسات من قبيل ألاعيب الاحتيال السياسي التي جعلها الحزبان تقليداً على مدى قرون من الزمن أن تدمِّر ما تبقى من العملية الديمقراطية الأميركية.
ثانياً، حتى قبل أن يدلي الأميركيون بأصواتهم ويتم إعلان النتائج، تشكّل انتخابات التجديد النصفي للعام 2026 مقياساً لحجم الضرر الذي لحق بهذه الجمهورية الآخذة في الانهيار. عندما تتوجه أمة إلى صناديق الاقتراع وسط المخاوف التي عبّر عنها بيل برادلي، فإنها تكون قد فقدت ثقتها بنفسها، ولم تعد واثقة بدستورها. لم تعد ما كانت عليه -أو ما ظنت أنها عليه. كما لم يعد شعبها قادراً على رؤية الطريق أمامه بوضوح.
*باتريك لورانس Patrick Lawrence: صحفي وكاتب ومعلّق سياسي أميركي، عمل مراسلاً ومحرراً للشؤون الخارجية لنحو ثلاثة عقود، غطّى خلالها بلداناً عديدة، ولا سيما في شرق آسيا، لصالح صحف ومجلات دولية بارزة. شغل منصب محرر الأخبار في الطبعة الآسيوية من "إنترناشيونال هيرالد تربيون"، ونال جائزتين من نادي الصحافة لما وراء البحار عن أعماله الصحفية. كتب في عدد من الصحف والمجلات الأميركية والدولية، ويعمل كاتباً ومحللاً للشؤون الخارجية. له خمسة كتب، أحدثها "الصحفيون وظلالهم" Journalists and Their Shadows، و"انتهى الزمن: الأميركيون بعد القرن الأميركي" Time No Longer: Americans After the American Century الصادر عن مطبعة جامعة ييل.
ملاحظات المترجِم:
(1) هي أزمة الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2000 بين جورج بوش الابن وآل غور. كانت بعض الولايات، ومنها فلوريدا، تستخدم بطاقات اقتراع مثقوبة؛ وأحياناً لا تنفصل قصاصات الورق الصغيرة تماماً عن البطاقة، فتظل متدلية من ثقب التصويت. وسُمّيت هذه الحالات "الأوراق المثقوبة المتدلية" (Hanging Chads). وأثار ذلك خلافاً حول ما إذا كانت هذه البطاقات تُحتسب أصواتاً صحيحة، وأدى إلى إعادة فرز ومنازعات قضائية استمرت 36 يوماً قبل أن توقف المحكمة العليا إعادة الفرز، فتؤول أصوات فلوريدا الانتخابية إلى بوش الذي فاز بالرئاسة بفارق 537 صوتاً في الولاية.
(2) السَّمَنْدَل حيوان برمائي يشبه السحلية في شكله، له جسم طويل وأطراف قصيرة وذيل ممتد، ويعيش عادةً في البيئات الرطبة. وفي سياق العبارة، يشير الكاتب إلى أن إحدى الدوائر الانتخابية التي رُسمت حدودها في ولاية ماساتشوستس اتخذت شكلاً يشبه هذا الحيوان. ومن هنا جاءت تسمية Gerrymandering، وهي نحت لغوي يجمع بين اسم الحاكم إلبريدج جيري (Gerry) وكلمة (salamander).