الدستور
ينجح العدوّ، أيُّ عدوٍّ، في تحقيق أهدافه، حين يصل إلى احتلال الأذهان. وهو ما يحدث عادة بوسيلتين؛ الأولى بالهيمنة والاستلاب الثقافي، والثانية بتحوّله إلى هاجسٍ، على هيئة لعنة، تحتلّ الأذهان وفضاءات التفكير. فيحضرُ، في حياة خصومه اليومية، وهو غائب، ويُمارس تحقيق أهدافه، وبلا جهودٍ مباشرة.
كثيرةٌ هي الهواجس، التي تحتلّ الأذهانَ والعقولَ، في كلّ قُطرٍ عربي، من النوايا والأطماع الصهيونية. وهو أمرٌ طبيعي، ويندرج في باب الحيطة والحذر، أمّا ما هو غير ذلك، فهو أن يتحوّل ذلك الحذر إلى كوابيس، تتسلّلُ إلى الأذهان، عند التفكير في إعادة ترتيب أيّ شيءٍ داخلي، أو عند القيام بأيّ تطويرٍ أو تحديثٍ تستلزمه طبائع الأمور وضرورات التقدّم.
الحربُ حربان؛ حربٌ لكَ وحربٌ لخصمكَ، هكذا قيل قديماً. فحين تُحارب بفكرِ خصمكَ، أو بعقله، أو بنفس طريقة تفكيره، فأنت تُحارب له، والعكس بالعكس.
بهاجس العدوّ المتربّص بنا، تحوّل «العدوّ..» إلى الحاضر الأبرز في معظم السياسات العربية، الداخلية منها والخارجية، وغابت عن الاهتمام معظم القضايا الأساسية في حياة الناس. فلا شيء غير العدوّ يتصدّر الاهتمام، فتحوّل الخطاب العام، سياسياً وثقافياً، إلى خطابٍ يحتلّ هاجسُ العدوّ معظمَ أركانِه..!
والحالُ نفسه يحدثُ في الاستلاب الثقافي والمعرفي، حيث لا يكتفي العقل بالتحوّل إلى «جثّة..»، بل يستحيل إلى «ماكينة..» لإنتاج الخراب. فموتُ الذهن الحيّ، بما أُصيب به من احتلال ثقافي سلبي، يعني انحطاط المجتمع بأكمله، بما في ذلك انحطاط السياسة التي تغمره. فجُثّة العقل الطويلة، الممتدّة من الماء الى الماء، لن تجد، حين تصبح الأذهان محتلّة، مَن يحرص على تشريحها.
أما النابهون في السياسة، فيُحيلون تلكَ الهواجس إلى فزّاعات ومحارق، يُلوَّحُ بها في الوجوه، عند أيّ تغيير حقيقيّ لا يروق لهم. فالأذهان والعقول المحتلّة، بأفكار وهواجس أعدائها، باتت صالحة لكلّ شيءٍ، سوى التفكير الواقعي ومعرفة مشكلات الناس الحقيقية.
فقد امتلأت الرؤوس بـالقشّ القذر، واختفت الرؤوس المشتعلة بـالأفكار والأحلام والآمال العظام، في حياة مجتمعاتنا. وانزوت بعيداً أدوارُ مَن هم معنيون بإثارة أسئلة التنوير والتطوير الفعلي وإعلاء القيم النبيلة، وبحمل رسالة وفلسفة تسبق الرأي العام.
أما رجل الشارع، والقارئ العادي، فقد وصل إلى مرحلةٍ بات يشعر فيها بأنّ مَن يكتبون له ليسوا بأفضل منه في معارفهم. فكان من الطبيعي أن تتزاحم، في حياة الأمة الضائعة، مفاهيم الثقافة الخاوية، أو للدقّة قُل المحتلّة أذهانها بأفكار خصومها وهواجس الخوف منهم.
لا يُراكم الخراب إلاّ خراباً. حتى وإن بدا بعض هذا الخراب متماسكاً، كطوب بناء، وشيّدوا منه بيوتاً متلاصقة أو فوق بعضها. فالشتاءُ العادي، والمحنُ والأزمات المتكرّرة في حياة الأمم، قادرةٌ على إزالة أيّ طلاء، عن واجهات البيوت، ومهما بدا ذلك الطلاء وهّاجاً..! ذلكَ أنّنا، ومنذ أن سكنتنا هواجس العدوّ، أُحْتُلَّتْ أذهانُنا، فراكمنا جهازَ مفاهيم مدجّجٍ بالمخاوف. جهازُ مفاهيمٍ هائل، لا يعني في دلالاته شيئاً، سوى الثرثرة ولوْكِ الألفاظ بلا معانيها الحقيقية..!