الغد
INSS
بقلم: يوحانان تسوريف
في كانون الأول (ديسمبر) 2025، نشرت حماس وثيقة تلخص الحرب في قطاع غزة بعد عامين من اندلاعها.
تحمل الوثيقة عنوان: "روايتنا، فيضان الأقصى، عامان من الصمود والتطلع إلى التحرير"، وهي مشابهة في شكلها للوثيقة التي نشرتها الحركة في كانون الثاني (يناير) 2024، لكنها تختلف عنها في المضمون. كانت الوثيقة السابقة بمثابة دفاع عن حماس في مواجهة الانتقادات الموجهة إليها ومخاوفها من استمرار الحرب، ومحاولة لتبرير إعلانها الحرب على إسرائيل.
في المقابل، تحاول الحركة في الوثيقة الحالية تبرير الهجوم وتوضيح إنجازاتها، مؤكدةً على مكانتها كجزء محوري من المجتمع الفلسطيني وخصم للحركة الوطنية. في الوقت نفسه، تتجاهل حماس تمامًا الانتقادات المتزايدة الموجهة إليها، بل وتتوقع الاعتراف بإنجازاتها. وبحسب وثيقة حماس المنشورة في كانون الأول، فقد انتهت الحرب مع إسرائيل، وحان الوقت لمعالجة خسائرها مع التباهي في الوقت نفسه بإنجازاتها. وذلك لأن المنظمة ترى أن هجوم "طوفان الأقصى" لم يكن حدثًا سيبقى مجرد ذكرى، بل "ولادة جديدة"، ومفترق طرق تاريخي سيختلف بعده مسار الصراع مع إسرائيل.
وقد صيغت الوثيقة على هيئة بيان يهدف إلى إقناع شرائح واسعة من المجتمع العربي والإسلامي والفلسطيني، وتتألف من ثمانية فصول. وتحتوي على بيانات وحجج، بعضها غير دقيق بل ومغلوط، وتقييمات وإنجازات تهدف إلى إثبات قدرات المنظمة والتأكيد على أنها لن تختفي من الساحة وستظل جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، تبرز الرسائل التالية:
أسباب الحرب التي أعلنتها حماس - تتضمن الوثيقة: 77 عامًا من الاحتلال والطرد والإلغاء والتمييز والتطهير العرقي. إضافة إلى ذلك، فشل جولات المفاوضات الإسرائيلية، وتهويد الضفة الغربية، وتزايد أعداد المستوطنين فيها.
إن التصريحات الإسرائيلية المتكررة منذ عام 2009 ضد اتفاقيات أوسلو وإقامة دولة فلسطينية؛ وهيمنة النخبة اليمينية المتطرفة في إسرائيل منذ نهاية العام 2022، وتسليمها حقائب وزارية حساسة إلى أكثر الوزراء تطرفًا، بمن فيهم بن غفير وسموتريتش، الذين ينتهكون الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وينشئون مناطق معزولة في الضفة الغربية ويضمونها إلى إسرائيل؛ والمعاناة في قطاع غزة، التي تجاهلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رغم تحذيرات رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)؛ ومعاناة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية؛ وضعف المجتمع الدولي، الذي لم يمنع محاولات إضفاء الطابع اليهودي على القضية الفلسطينية ومحوها من الأجندة، حتى وصلت الأمور إلى حد "دمج الاحتلال" (التطبيع مع إسرائيل) في المنطقة ومحاولة تحويل القضية الفلسطينية إلى مفهوم تاريخي؛ وعدم تنفيذ 1180 قرارًا صادرًا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن فلسطين على مدى السنوات الـ 75 الماضية؛ خرق بريطانيا لالتزامها الصادر العام 1939 بإلغاء وعد بلفور وإقامة دولة فلسطينية على كامل فلسطين خلال عشر سنوات (ويُرجّح أن يكون المقصود هنا الكتاب الأبيض للعام 1939، الذي نصّ على نية بريطانيا إقامة دولة واحدة في أرض إسرائيل لجميع سكانها، يهودًا وعربًا، والحدّ بشكل كبير من الهجرة اليهودية وشراء الأراضي المملوكة للعرب).
معنى الحرب - يُعرّف هجوم "طوفان الأقصى" في الوثيقة بأنه يوم العبور المجيد، وهو مصطلح استخدمته مصر عام 1973 لتمجيد نتائج الحرب آنذاك. وتشير الوثيقة إلى أنه ولأول مرة منذ قيام "الكيان الصهيوني"، تمكّنت المقاومة من عبور جميع خطوط دفاعها حول قطاع غزة، مما ألحق هزيمة نكراء بـ"الاحتلال" وصدمه، كما أنه خلق منارة جديدة. انفجر الغضب الفلسطيني وانتهت اللامبالاة الدولية. لم يكن هذا عملاً مغامرًا أو عاطفيًا، بل كان خطوة محسوبة حظيت بدعم كبير.
الحقائق – وفقًا للوثيقة، لجأت إسرائيل، سعيًا منها لتبرير مسارها نحو إبادة الشعب الفلسطيني وتدمير قطاع غزة، إلى نشر العديد من الأكاذيب، مدعيةً أن حماس قتلت مدنيين وأطفالًا عمدًا واغتصبت نساءً. إن قتل المدنيين يُخالف الدين الإسلامي، والمجازر ليست من أفعال هذه الحركة – في هذا يتفوق العدو الصهيوني، حتى أن بعض الصحف الإسرائيلية الموثوقة أفادت بأن بعض القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية في إطار ما تسميه إسرائيل "عملية حنبعل".
ويُعرض على إسرائيل السماح بإجراء تحقيق دولي في هذه القضية، لتحديد الجرائم المرتكبة ضد المدنيين من كلا الجانبين. ومن الجدير بالذكر أن حماس عرضت في الأيام الأولى للحرب إطلاق سراح جميع "الأسرى" المدنيين الإسرائيليين المحتجزين لديها، لكن إسرائيل تعمدت المماطلة ولم توافق على ذلك إلا بعد شهر تقريبًا من بدء الحرب.
الخسائر البشرية – وفقًا للوثيقة، قُتل وجُرح 169,500 فلسطيني في قطاع غزة منذ بداية الحرب، من بينهم 67.100 شهيد وصلت جثامينهم إلى المستشفيات، و9.500 آخرون ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض أو في عداد المفقودين. ومن بين القتلى، نحو 20.000 طفل و12.500 امرأة، بالإضافة إلى العديد من قادة فصائل المقاومة وعائلاتهم، و254 صحفيًا.
الخسائر الإسرائيلية – لم يتضح على أي أساس استندت الوثيقة إلى اتهام إسرائيل بإخفاء عدد خسائرها. فقد اعترف رئيس الأركان إيال زامير، وفقًا للوثيقة، بقتل 5.942 جنديًا، بينما أشارت التقارير الطبية إلى مقتل 13.000 إسرائيلي في قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية.
وتشمل الخسائر الإضافية التي تكبدتها إسرائيل: تكلفة اقتصادية بلغت 100 مليار دولار على مدى عامين، وخسارة 2.850 دبابة ومعدات هندسية ومركبات عسكرية.
مكاسب الحرب – من بينها: إثبات صمود سكان قطاع غزة مرة أخرى؛ أُعيد طرح القضية الفلسطينية على الساحة الدولية؛ وعُزلت إسرائيل إقليميًا ودوليًا، وتضررت روايتها، فضلًا عن تراجع قدرتها على الردع؛ وأصبحت إسرائيل عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا على حلفائها، وتزعزعت مكانتها كملاذ آمن لليهود؛ وتعثرت عملية التطبيع الإقليمي مع إسرائيل، وأُطلق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وتزايد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية (دون خط الصهيونية للعام 1967).
ومن الإنجازات الأخرى وضع إسرائيل أمام المحاكم الدولية، إلى جانب تضامن عربي ودولي غير مسبوق مع الفلسطينيين.
جهود حماس لإنهاء الحرب - سعت حماس ومنظمات المقاومة إلى إنهاء الحرب منذ بداية العمليات البرية الإسرائيلية في قطاع غزة، لكن نتنياهو وحكومته وضعوا نصب أعينهم هدف هزيمة المقاومة، ورفضوا الأفكار التي اتفقوا عليها في محادثات سابقة، وعادت إسرائيل إلى الحرب بعد اتفاق لإطلاق سراح الرهائن من حماس في كانون الثاني (يناير) 2025.
وقد ظهرت بعض الدلائل على أن إسرائيل لم تكن مهتمة بإنهاء الحرب. بعد القصف الإسرائيلي للدوحة، وافقت حماس على وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة تكنوقراطية فلسطينية، وهما من بنود خطة ترامب العشرين لإنهاء الحرب.
ويعود ذلك إلى أن الاتفاق تضمن إنهاء الحرب و"العدوان"، أي حرب الإبادة والتجويع، ومنع تكرار النكبة. وجاء في الوثيقة: "لم نُهزم، ومنعنا نشر الميليشيات المحلية التي حاولت إسرائيل من خلالها السيطرة على قطاع غزة".
مستقبل حماس: لطالما كانت حماس وستظل جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. جذورها عميقة في المجتمع الفلسطيني، وهي تُنافس حركة فتح وتتنافس معها على تمثيل الشعب الفلسطيني. على مر السنين، ازدادت قوة الحركة، وفازت في انتخابات العام 2006، وهي اليوم تُمثل جزءًا طبيعيًا من النسيج الوطني الفلسطيني.
وما تزال المقاومة المسلحة تُشكل الركيزة الأساسية لتقوية معنويات الشعب، وتشهد استطلاعات الرأي على ذلك. لذا، فإن أي فكرة لعزل حماس هي وهم. إن حق حماس الأساسي هو تمثيل الشعب الفلسطيني، ولن تنتزعه منها أي وصاية دولية.
مستقبل القضية الفلسطينية - يتطلب العمل من أجل مستقبل القضية الفلسطينية الوحدة، والإدارة الفلسطينية للقطاع، والانسحاب الإسرائيلي الكامل منه، وإعادة تأهيله وبنائه، والإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. كما يتطلب الأمر تحسين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، والحفاظ على التواصل مع القوى الليبرالية في العالم التي وقفت إلى جانب الفلسطينيين ضد الاحتلال، ومنع التطبيع مع إسرائيل، ومواصلة ملاحقة إسرائيل قضائياً في المحاكم والمحافل الدولية، وترسيخ الرواية الفلسطينية، وتعزيز العلاقات مع جميع دول العالم.
إن قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم ليسا مجرد أحلام، بل هما حقٌّ يستطيع شعبٌ صامدٌ أن يُجبر على تحقيقه.
على الرغم من أن وثيقة حماس ما تزال تحمل سمات دفاعية، إلا أنها مليئة بمحاولات بثّ شعور بالأمان. وقد ساهم وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه عقب إعلان الرئيس ترامب، في تبديد مخاوف حماس من زوالها كمنظمة، ومن تدمير قطاع غزة كمساحة معيشية فلسطينية. ولذلك، ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تتصرف حماس وكأن الحرب قد انتهت ولن تُستأنف في المستقبل المنظور. وهذا ما يُتيح لها إظهار الحكم، وإعادة بناء صفوفها، وردع الرأي العام. وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذا الاستنتاج يستند إلى الوعد الذي قطعه الرئيس ترامب أو من معه لحماس، والذي بموجبه لن تُجدد إسرائيل الحرب، وإلى اعتماد إسرائيل المتزايد على الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن شيئًا لم يتغير نتيجة للحرب. ويمكن للساحة الفلسطينية الداخلية أن تستمر وتعود إلى مسارها قبل الحرب.
تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة لا تُقدم أي محاولة جادة للتعامل مع الانتقادات اللاذعة الموجهة إلى حماس من جميع الجهات. بغض النظر عن الادعاء الضمني بأن الحرب كانت مُدبّرة ومُخطّط لها، لا توجد أي محاولة للرد على هذا النقد أو تحمّل مسؤولية نتائج الحرب.
لذلك، ليس من الواضح إطلاقاً أن هذه الوثيقة في قطاع غزة ستُحسّن صورة الحركة في نظر الرأي العام، الذي يُحمّلها الكثيرون مسؤولية الحرب، بل ويتوقعون منها اعتذاراً. إن تفاخر حماس بإنجازات لم تكن تطمح إليها، مثل الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية على حدود العام 1967 والتضامن الدولي الواسع مع الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية - وليس مع قيم حماس كحركة متطرفة - يُنظر إليه على أنه محاولة لكسب تأييد الرأي العام.
في هذه الوثيقة، تسعى حماس إلى تصوير الأمور على ما هي عليه، وترسيخ وجودها، مادياً وفكرياً، كلاعب محوري في الساحة الفلسطينية، وطي صفحة الحرب، وبدء إعادة تأهيلها كحركة مقاومة، وانتخاب قيادة جديدة، والنضال من أجل مكانتها في قيادة الشعب الفلسطيني بهدف السيطرة عليها في نهاية المطاف.
إذا لم تُكبّد نتائج الحرب في قطاع غزة حماس خسائر فادحة، فإنّ أي تقدم نحو تحقيق مطالبها سيُكلّفها ثمناً باهظاً، ألا وهو تقديم تنازلات في تعاملاتها مع الحركة الوطنية بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتعزيز الوحدة.
ذلك لأنّ عباس، بعد الحرب وفي أعقابها، يسعى فعلياً إلى حسم الجدل مع حماس، مُؤكداً أنّ الحرب أثبتت فشل المقاومة المسلحة، وبالتالي يُطالبها بتقييم نتائجها ونشرها.