عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Sep-2026

ما الذي يعـدِّدنــي ويـكـثِّرني*رمزي الغزوي

 الدستور

وقعتُ مُبكراً في هوسِ الضُّوء ومعانيه. كنتُ طفلاً ألاعبُ خيالي مع قنديل بيت جدي، غير آبهٍ بتحذيرات خالتي من السقوط والارتطام. أقتربُ بسرعة خاطفة من وهج القنديل؛ لأكبّرَ رأسي فيغدو بحجم الزير ذي الإذن المكسورة في قاع البيت، قبل أن أنسحب مبتعداً؛ ليتلاشى ظلي المجنون وقت ألصق خدي ببرودة الحيط.
 
ثم اكتشفتُ ما هو أمتع. في الأعراس تحت حبل المصابيح الممدود بين البيوت، وجدتني أكثرَ من واحد يدبك معي، حين أقلّد الكبار بعيدا عن حلقتهم المحظورة على الأولاد. حاولت مرارا أن أعدَّ كم رمزي كان يهرع معي حين أركض فارشاً جناحي بمرح وكأني أمخر غيمة عطر. أعجبتني اللعبة من يومها؛ وما زلت أقترفها بصور أخرى.
 
لا أعرف تحديدا متى انتابني شعور أن أكون كثرة في واحدٍ وواحداً في كثرة. وقد كنت كثيرا حقاً، وأنا أعيش قصصا تُحكى لي وأتفاعل معها وأدخلها؛ لأبكي مع أحزانها، أو أقاتل مع أبطالها. ثم شعرت بالشعور ذاته، لما أطلقت روحي في أغانٍ صدحت بها في أفواه الكهوف، وعلى سفح الجبل الصخري؛ فيتضخم صوتي ممتدا متعددا، وهو ذاته شعوري، وقد ولجت المرايا، ألاعب صورتي، رغم خرافة جدتي أن ذلك يورثني الجنون.
 
حين تعلقت بالقراءة، واتخذت الكتاب وجها ثانيا لي، أدركت أن بإمكاني عيش حيوات كثيرة في حياة قد تكون قصيرة غير مشبعة، وأن على الواحد منا أن يبتدع حيلا تخصب حياته ويكثرها فوق كوكبنا البائس. كانت الأفلام حالة عامرة تقمّصتُ فيها صور أبطال اختلقت لهم أدوارا مغايرة. ثم وجدت في الصداقات سبيلا أوسع؛ ففتحت أبوابي وأبقيت قرون استشعاري متحفزة؛ لأتعلم من كل شيء حولي، حيّاً كان أم جمادا. فهذه كلها أبواب تفضي للكثرة والتعدد.
 
وقت اكتشفت السفر قبل 36 عاما؛ فرحت به رغم ما به من عناء وكلفة. فهو ما زال يريني كم أنا صغير في العالم، حتى وإن زرت أكثر من خمسين بلد فيه. السفر يخلق لي شعور التكثير والتعديد في أبهى الصور ويمنحني الاتساع والامتلاء، المعرفة والقوة، ويربطني بجواهر الأشياء وأعماقها، ويجعلني أتقبل الاختلاف وأتفهّم حياة الآخرين، وألا أكون وصيا على أحد في طريقة عيشه.
 
المفرح أني تعلمت جمع الحيل في كل سفر. فأنا لم أتخلَّ يوما عن وجهي الثاني. فما زلت أختار كتابا يخص أغوار وأمشاج البلد الذي تأخذني بوصلتي إليه. كما وأمارس لعبة الضوء معي، كما التقمص والغناء. فليس ما هو أجمل من أن تحتشد روحك بكل ما تحب مرة واحدة.
 
ثمة من يسافر ليراه العالمُ، وأحسبني أسافر لأرى العالمَ وأعيشه. ولا أعرف إن كنت سأتمكن من زيارة كل البلدان والتمتع بالطيف الواسع من حيوات البشر وتأملها هناك. وسيبقى أن سيدتي الكتابة، كرتي السحرية، هي البديل عن كل حياة معاشة أو متخيلة أو مشتهاة. فهي تمنحني ذلك القنديل الدافق بالضوء، وصف الخيالات في الأعراس، ومتعة غناء الكهوف وبوح المرايا البارقة، وتقمص الحيوات، حين نقرأ أو نشاهد أو نتعرف على الناس. الكتابة حياتي المركبة طبقة فوق طبقة.