عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Aug-2025

الشرق الأوسط على مفترق طرق*محمد أبو رمان

 الدستور

يقف الشرق الأوسط اليوم على عتبة مرحلة غير مسبوقة من التحولات، مفتوحة على كل الاحتمالات، بلا يقين واضح في الاتجاهات والنتائج، فالأجوبة الحاسمة غائبة عن أهم الملفات، سواء الداخلية أو الإقليمية، فيما تبقى الأجندات الوطنية مرتهنة بقوة للتوازنات الدولية والإقليمية.
 
وعلى الرغم من تنامي أدوار روسيا والصين وأوروبا، في المنطقة في الأعوام الأخيرة، بصيغ متنوعة، سواء على صعيد اقتصادي أو عسكري أو دبلوماسي، إلاّ أنّ الولايات المتحدة لا تزال، على الصعيد الدولي، هي الفاعل الدولي الأبرز والأكثر تأثيراً، فهي الممسك بخيوط اللعبة الكبرى، وإذا كانت مصالحها الحيوية والاستراتيجية واضحة ومعرّفة في المنطقة، من أمن إسرائيل إلى النفط والاستقرار الإقليمي، فإنّ سياساتها تبدو في كثير من التفاصيل ضبابية وغير حاسمة في كثير من الملفات الإقليمية، مما يترك فراغاً تستثمره القوى الإقليمية بأجندات متناقضة.
 
إسرائيل، من جهتها، باتت تتحرك وفق مشروع إقليمي واضح يقوم على الهيمنة والتمدد وإضعاف المحيط العربي عبر تفكيك البنى المجتمعية وتحريك الهويات الطائفية والعرقية والدينية، وضمان عدم نشوء قوة إقليمية قادرة على تحديها. وهي بذلك تعيد رسم قواعد الردع في سورية ولبنان، وتدفع باتجاه نزع السلاح من الفواعل ما دون الدولة مثل حزب الله والحشد الشعبي، وتتجلى الاستراتيجية الجديدة أيضاً في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في منع أي وجود عسكري سوري في جنوب دمشق والسيطرة على مواقع حيوية واستراتيجية في المنطقة المحاذية للجولان.
 
أما إيران، التي شكّلت لعقدين لاعباً مركزياً في معادلات الإقليم، فهي اليوم في حالة ضعف نسبي وتراجع استراتيجي، وبالرغم من الخسائر العسكرية والاستراتيجية الكبيرة التي منيت بها، منذ عامين، فإنّها لم تتخلّ عن محاولة تفعيل أذرعها، ولو بحذر وتردد، في محاولة للحفاظ على مكانتها.
 
هنا يبدو  خطر المواجهة المباشرة بين طهران  وإسرائيل لا يزال قائماً، وربما أكثر احتمالاً، بخاصة مع قناعة حكومة نتنياهو بوجود فرصة تاريخية لتحقيق نصر عسكري يعيد رسم موازين القوى، وضمان عدم وجود أي قوى إقليمية قادرة أن تشكل مصدر تهديد لمفاهيم الأمن الإسرائيلية الجديدة.
 
وعلى الضفة الأخرى، أعادت تركيا منذ سنوات تعريف استراتيجيتها وأولوياتها، فانكفأت عن رهاناتها الإقليمية في مرحلة الربيع العربي، وبقتصر دورها اليوم على الملف السوري، وعلى جملة من المصالح الاستراتيجية المحّددة المتعلقة بأمنها القومي، ما يجعلها لاعباً أقل وزناً مما كانت عليه سابقاً.
 
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة في حالة «مخاض استراتيجي» لم يكتمل بعد، تتراوح احتمالاته بين سيناريو يعيد رسم الجغرافيا السياسية على نحو خطير، أو ما بات يطلق عليه «سايكس بيكو 2»، وسيناريو آخر يسعى إلى لملمة الملفات الساخنة وتحجيم القوى ما دون الدولة، والبحث عن ديناميكيات جديدة للاستقرار السياسي، بما يساعد الإدارة الأميركية على احتواء النفوذ الصيني المتصاعد قبل أن يتعاظم في المنطقة.
 
وفي كل ذلك يبقى الغياب العربي عن بناء أوراق قوة حقيقية سمة بارزة، إذ ما تزال المنطقة تتحرك كـ»جغرافيا» أكثر مما هي «لاعب»، فيما يتصدر التوتر الإسرائيلي – الإيراني – الأميركي المشهد باعتباره العامل الأكثر حسماً في رسم المسار المقبل وتقرير مصير المنطقة برمّتها.
 
لم بعد الصراع محصوراً في لبنان أو سورية أو العراق كلّ على حدة،أو حتى فيما يحدث في الحرب  الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية والقدس، بل أصبح صراعاً على مستقبل المنطقة بأكملها، وتترابط ملفاتها المختلفة معاً مع إعادة توزيع للأوزان والأدوار لدول المنطقة والدول الفاعلة، مثل إيران وإسرائيل وتركيا، ليتم تحديد وتعريف من هم القوى الإقليمية الأكثر قوة وفاعلية، وشبكة التحالفات الاستراتيجية الجديدة، وتبلور أجندات الأطراف المختلفة، في مرحلة مفتوحة على احتمالات يعززها حالة من غياب اليقين وتراجع القدرة على رسم ملامح واضحة للغد، ويضع الجميع في الشرق الأوسط على مفترق طرق تاريخي.